رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل الثاني عشر 12 بقلم رؤي صباح مهدي – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل الثاني عشر 12 بقلم رؤي صباح مهدي

الفصل 12
سارقص على قبرك
قبل اشهر من الحفلة..
وضع كأس النبيذ الذي كان بين يديه وقال لفرانسوا:
“اخبرني.. اريد معرفة كل شئ.. “
نظر فرانسوا الى حالة السكر التي كان جونثان عليها وتلكأ قليلا بالحديث. عندما يكون جونثان بهذه الحالة فانه يفقد زمام اعصابه بسرعه بالغه على اتفه الامور. سأله جونثان:
“ماذا؟؟؟ هل تنتظر شيئا لتتحدث؟”
رد عليه فرانسوا:
“لقد بدأ ويليام يبحث عن تحالفات .. انه يبحث عن زوج لابنته الكبرى ميري. لقد هزته حقا الخسائر التي تكبدها بسبب ما نفعله. انه خائف ويريد نفوذا اكثر واقوى”
توسع بؤبؤ جونثان وقد انقطع لديه السمع عندما سمع “البحث عن زوج لميري”. همهم بعصبية مكتومة:
“هل يوجد مرشحين ام انك لا تدري؟”
اجاب فرانسوا ناظرا الى يد جونثان التي اخذت الكأس مرة اخرة وقربته من فمه ليضع كل مافيه بشربة واحدة وبغل يعيده:
“يوجد … 3 او 4 مرشحين. كلهم من اصحاب النفوذ.. احدهم صغير ولكنه ذا نفوذ واسع. قتل والده باحد معارك ويليام والان هو يملك مئات القطع النقدية والجنود والاراضي . اعتقد…”
ولم يكد فرانسوا يحاول اكمال جملته حتى رمى جونثان بالكأس على الحائط وحطمه الى قطع صغيرة جدا. همس فرانسوا بفزع:
“ماذا دهاك؟”
رد جونثان بامتعاض:
“هل تعتقد انها لازالت عذراء؟ الاميرة “
ابتلع فرانسوا ريقه خجلا من السؤال ممتنعا عن الاجابة ليكرر:
“هل لديها علاقات في القصر؟؟ هل ترى احدهم سرا؟ اخبرني يا فرانسوا”
سرح فرانسوا في الفراغ الذي امامه وتمتم بتردد:
“لا اعتقد ان لديها اي مغامرات. انها هادئة جدا وتصرفاتها محسوبة”
همس جونثان وهو ينظر الى فرانسوا نظرة ثاقبة:
“هل تذهب الى النافورة الكبيرة.. هل تراها هناك”
تبسم فرانسوا وسال جونثان:
“انت اليوم على غير عادتك تسال كثيرا عن الاميرة الكبرى”
كشر جونثان بشفتيه واقترب من النافذة التي صبغت باللون الابيض كي لايرى احد من الخارج مابداخل الغرفة مع بقاء دخول اشعه الشمس ولو قليلا:
“هل تعتقد انها تحب ذلك الشاب؟ هل جاء للزيارة؟”
اجاب فرانسوا في حيرة من امره:
“لا.. اخبرتك انه مرشح فقط من بين اخرين ولكن الاشاعات في القصر تقترح انه سيتم اختياره من قبل الملك.. الان اخبرني ماذا دهاك اليوم؟”
اجاب جونثان بعد زفرة اسى:
“حديث سكارى..لا تهتم به”
ولكن فرانسوا ليس بالغبي. لقد شعر ان جونثان الذي يخفي الكثير من مشاعره, لم يتمكن اليوم- بعد ان علم ان الاميرة ميري ستتم خطبتها – ان يخفي هذا الاهتمام بها. وقف فرانسوا بجانب جونثان وقال له:
“هل لديك مشاعر خاصة بالاميرة؟”
اجاب جونثان بمرارة وقصد كلامه انهم سينتصرون في النهاية على والدها:
“لن تبقى اميرة للابد اليس كذلك؟ وهذه الزيجة لن تتم.. فلماذا الحديث عنها اذا”
وتنحنح من مكانه عائدا حيث يضع قنينة الشراب الخاصة به ليسكب بعضا منها في كأس اخر ويشربه كله جرعه واحدة متجاهلا وجود فرانسوا الذي بمراقبته لحركات جونثان تأكدت شكوكه اكثر وعلَم عِلم اليقين ان جونثان يكن مشاعر لميري ولكن السؤال الذي طرحة على نفسه. كيف التقى جونثان بميري؟

الان..
اضواء مشاعل القصر كانت تلمع من بعيد… الكل في ابهى حلة والضيوف بدؤا بالتوافد كل في عربة خاصة يحرسه حارس او اثنان يدخلون من البوابة الذهبية التي يقف على جانبيها عدد من الحراس يقفون بشكل منظم لاستقبال النبلاء. النساء تفنن بما يلبسن من حرير وجواهر ومايضعن من مساحيق تجميل تخفي بشرتهم تحت طبقة بيضاء من الباودر وشعر مستعار اصفر أوابيض شفاه صبغت باللون الاحمر او من مشتقاته. كل واحد من هؤلاء النبلاء يسير وبيده زوجته او محظيته ينظرون الى القصر الفخم ويحسدون من يسكنه من النبلاء الاخرين المحظوظين على حد قولهم بالعيش قريبا من الملك ومتع الحياة التي يوفرها لهم.
الشمس غابت كليا عندما ارتفعت اصوات الموسيقى تعزف في البلاط الذهبي والكل كان يشعر بالسعادة فالطعام والامان والمال وكل شئ متوفر لهم على عكس الجانب الاخر من المدينة التي تقبع في ظلام كظلام القبور والجوع والبرد يحددان مصيرا يقودهم للموت البطئ على قارعه الطرقات حيث لا احد ينظر اليهم حتى يأتي جامع الجثث يجمع تلك الجثث ويرميها في مكان بعيد جدا في حفرة كبيرة تحرق كلما امتلئت بمعدومي الهوية.
على مبعدة من القصر وفي مكان لا يصله الحراس ولا يمكن لاي شخص غير مدعو من التقرب اكثر وقف ابراهام يراقب بصمت. لقد ناقش الامر مطولا بينه وبين نفسه ووجد ان كل الطرق مغلقة في وجهه ولايمكنه باي حال من الاحوال ان يقف بوجه ما سيحصل ايا كان ما سيحصل. سواء انتصر جونثان على الملك او اكتشف الملك اللعبة فان ابراهام لا مكان له في هذا كله. دخيل على كلا الحياتين. شاب يريد ان يحصل على سعادته مع من عشقها قلبه ولكن كل الطرق تقوده بعيدا عنها. لا يهمه ويليام.. ولا يهمه اي فرد اخر كل ما يهمه جوزفين فحسب. حتى جونثان لا يعنيه كثيرا ومن الممكن ايضا انه لا يهتم بفرانسوا الذي لم يبدي اي اهتمام له في اي موقف في مواقف الحياة و كل ما كان يعنيه جونثان اكثر من ابراهام.
في مفترق الطريق ذاك عندما وقف عائدا من الغابة قبيل ساعات قليلة لم يأخذ منه وقت طويل ليقرر ان يكون على الاقل قريبا منها. ويغتنم اي فرصة لينقذها. تمنى لو يستطيع الاقتراب اكثر. الحديث معها. اقناعها بالهروب معه.. كلها افكار جنونية يعرف انه لن يستطيع تنفيذها ومع هذا هو يفكر فيها بلا اي قدرة على ايقاف تلك الافكار. لعن ضعفه وفقره ولعن اللحظة التي ترك فيها مهمة العمل داخل القصر فلو لم يتركها لكان الان على الاكثر ضمن الاحداث.
وصل اللورد مكواير في جلبة لا نظير لها. افتعلها متقصدا مع كل الجنود الذين يتبعونه. امامه وخلفة وعربته كانت تسير في فخامة تحددها الوانه المعروفة لعائلة مكواير.. الازرق والابيض مع رمز الماركيز المتوارث عن اباءه. وقفت العربة امام الباب الخارجية وتحدث السائق مع الحارس ولم يستغرق الحارس طويلا ليقف بكل احترام ويدع الجميع يدلف للداخل فتأخذ العربة مسارا مختلفا عن مسار الجنود المرافقين للماركيز. وصلت العربة الى الباب الداخلي للقصر فنزل المركيز ثم مد يده لايفيلين لتنزل من خلال السلالم الدقيقة للعربة بحذائها المدبب الكعب واختلاف شعرها المستعار الاسود العالي وبشرتها المطحونة بالابيض . كانت ترتجف قليلا ولم يخف على الماركيز ذلك. سألها:
“هل هو البرد ام الاثارة يا عزيزتي”
نظرت له نظرة جدية ولم تجب وملاحظته جعلتها تسيطر على نفسها اكثر فبدت اكثر صرامة .
جونثان واصحابه ذهبوا مع الجنود ولكن جونثان قرر الانفصال عنهم مستغلا الجلبة الحاصلة في كل مكان والتجول قليلا ليرى مايحصل حوله ويقيم الوضع ..
دخلت عربة جديدة يبدو عليها الاختلاف قليلا كان في داخلها ضيفان مهمان جدا للملك… احدهما هو الخطيب المستقبلي للاميرة والاخر هو الوصي الشرعي عليه.. وقفت العربة قبل ان تصل الى ابواب القصر لينزل منها الفتى الذي يبدو اصغر من عمره بتصرفات صبيانية فتح العربة قبل ان تقف ونزل منها راكضا بعيدا ليتبعه رجل اشيب اعرج يركض بالكاد خلفه وبحركة من يده امر الحراس بالتوقف وعدم الذهاب خلف الشاب الصغير بينما تبعه لوحده. خلف البنايات الكبيرة للقصر توقف الشاب الصغير وظل يتقيأ ثم سمعه جونثان يقول للرجل الاكبر منه سنا:
“لا يمكن ان اذهب يا عمي… انا لا اشعر اني بخير”
ليرد عليه عمه:
“هل جننت.. تريد من ويليام ان يقتلنا.. هذا يسمى عدم احترام له وقد يعلن حالة حرب علينا.. تمالك نفسك فهمت؟”
رد الفتى وهو يمسك بطنه:
“لقد اتعبتني الرحلة … لا استطيع الاستمرار. انا لا اريد الزواج بتلك الاميرة”
امسكه عمه من ذراعه وقال:
“بل ستفعل.. تذكر ان مستقبلنا يعتمد على هذا الزواج”
ولم ير اي منهما الشبح الذي تسلل ليضرب الرجل الاكبر اولا على رأسه فيسقط ارضا مغميا عليه ثم الفتى الصغير الذي نام هو الاخر على الارض بلا حراك. نظر جونثان لهما وهو يقول:
“اذا انت الفتى الصغير الذي تريد الزواج بميري..”
وضربه مرة ثانية كما ضرب العم واخذ ملابس العم لان ملابس الفتى صغيرة جدا على مقاسه وبدل ملابسه بسرعه بينما وضع قناع الفتى الصغير وهو يتمتم:
“لنرى مايحصل في الاعلى.. “
ربطهما بالملابس المتبقية وسار بلباقة متبعا بروتوكولات القصر ودلف من الباب الداخلي بسهولة الى داخل القصر واعمته كمية الذهب والمرايا التي كانت منتشرة فيه. الى قاعه الرقص الكبيرة الممتلئة بكل النبلاء كان الجميع يتطلع الى ويليام بينما ان ليست معه. تسائل الكل عنها والجواب الوحيد ان صحتها ليست على مايرام. اثار الامر جلبة صغيرة ولكن الملك طمأنهم انها حمى بسيطة وستزول… ولم يعرف احد ان ان تصارع الموت في غرفتها وحيدة مع الطبيب فقط وقد فقدت الاحساس بكل شئ من حولها وتحولت بشرتها وشفتيها الى اللون الباهت وبدأت قواها تخذلها وتخرج منها شيئا فشيئا.
جال جونثان بعينيه باحثا عن فرانسوا اولا.. ولكن لا اثر له ولم يستغرقه الامر طويلا لتقع عينه على الاختين. شهق فور ان رأى ميري تبعد قناعها لتشرب قليلا من الكأس الذي بيدها وتلقي بكلمة في اذن اختها ثم تعود لتضع القناع. شعر بدقات قلبه تتعالى وان كل خلية من خلايا جسده تتصارع لتقوده اليها. بلا اي قدرة على الاعتراض قادته عيناه الى الفتاة الملكية عندما شاهدت جوزفين الشاب المقنع يقترب من اختها نكزتها بكوعها لتنتبه ميري وقبل ان تبدي اي اعتراض عرف عن نفسه امامها متخذا اسم الأمير الخاطب ومنتحلا شخصيته بثقة لتنتصب بعصبية وهي غير مصدقة . تركتها جوزفين بعد ان سلمت على الخاطب وهي الاخرى غير مصدقة فالصورة لا تتناسب مع المظهر الحقيقي. همهمت ميري بعد ان اصبحت لوحدها معه:
“فعلا الصور من الممكن ان تخدع في بعض الاحيان”
تبسم وهو يفهم قصدها فالشاب المتقدم لخطبتها ضعيف البنية وابهق الوجه طفل في تصرفاته و تفكيره بينما الماثل امامها طويل البنية عريض الصدر تكاد ملابسه تتمزق فيبرز صدره الواسع . كف يده اكبر بمرتين من كف يدها ويبدو عليه سمرة اكثر من البياض .
رد عليها ولم يمكنه ابدا ان يخفي البحة المشتاقة في صوته:
“ممكن”
نظرت الى يده الممدودة في دعوة جريئة للرقص معها فابتلعت ريقها وهي توافق على طلبه للرقص وقالت له:
“هل واجهتك صعوبات في الرحلة ايها اللورد؟”
رد عليها بثقة:
“لا تزال الرحلة في اولها يا مولاتي اليس كذلك؟”
لم تفهم قصده ولكنها خمنت انه يقصد موضوع الزواج فاومأت براسها موافقة من باب المجاملة وارادت ان تستمر بالحديث معه:
“عندما نتزوج…”
وشعرت بيده تضغط على خصرها بقوة ولم تفهم السبب ولم تعرب عن المها بل تهالك صوتها ولم تكمل جملتها.. صمتت وظلت ترقص معه لربع ساعه والصمت المطبق مسيطر عليهما.. ينظر في عينيها ويتذكر الايام الماضية. بعدما كانا لا يتفارقان الان هي تريد الزواج بشخص اخر.. الى اي مدى تخونيني يا ميري.. هذا كل ما كان يفكر فيه..
على الجانب الاخر من القاعه كانت جوزفين تنتظر السائس. قررت اليوم تحديدا ان تعرف اسمه. كانت تؤجل الامر منذ وقت طويل لانها شعرت ان اسمه لن يغير اي شئ بل لن يكون مهما. ولكن اليوم هي تريد معرفة اسمه .. دلف القاعه فقفز قلبها. سارت بسرعه باتجاهه وامسكت بيده فاضطرب بشدة وهو يشعر بدفئها ويرى جمالها. احس بوتر في قلبه يدق وخاف كثيرا من هذا.. انها خيانة لاخيه اذا احب هذه الفتاة لذا عليه ان يلتزم بخطة الانتقام فقط ثم يفتح اذانه جيدا ليسمع الى كل شئ يدور في الحفلة ولا ينسى بالطبع ان يسأل جوزفين عن كل شئ.
لم تمهله ولا لحظة بل ظلا يرقصان سويا وهي تتبسم له ووجهه باكمله خلف القناع رغم ان الواضح انه حلق لحيته وكان نظيفا ومرتبا مختلفا تماما عن السائس الذي يعيش بالقرب من مخلفات الخيل.
يداه تحيطان بخصرها المشدود بالكورسيه القاسي وعيناه تدوران في المكان تجمعان المعلومات متيقظتان لاي شئ من الممكن ان يحصل اراد الاقتراب اكثر من مكان جلوس الملك ولكن جوزفين كانت تشده اكثر واكثر للخارج واخيرا قرر ان يتركها بعذر مقنع كي يجول في الارجاء عله يجمع بعض المعلومات … قال لها:
“مولاتي… دعينا نرتاح قليلا فنحن نرقص منذ وقت طويل”
همهمت بتملك واضح :
“انها حفلة وانا اريد ان استمر بالرقص معك “
قال لها :
“ان مولاي الملك ينظر الينا وانا خائف ان يبدأ رقصي معك لفترة طويلة باثارة شكوكه. دعينا ننفصل قليلا ثم نعود بعد قليل”
كشرت منزعجة وحانت منها التفاته الى كرسي الملك ثم ردت:
“صحيح اعتقد ان هذا ما يجب ان نفعله”
تم تراجعا بعيدا عن حلبة الرقص ولم ينتظر فرانسوا ففور ان تركته اختفى بين الجموع..
وقفت جوزفين تطالع ميري وهي ترقص مع من اعتقدته خطيبها. همهمت:
“وتقول انها لن تقبل بالزواج به… ماكل هذا الرقص اذا؟”
وبالفعل كانت ميري مندمجة تماما مع المقنع الوسيم يقودها بيديه الفولاذيتين في كل خطوة من خطوات الرقص فلا تستطيع ان تعارض خطواته. تفكر في سذاجتها عندما فكرت انه لا يناسبها متعجبة لاتزال من الصورة التي ارسلت لها عنه تتفرس عينيه الواضحتين من القناع وتفكر.. هذه العيون تذكرها بشخص اخر .. جونثان الصغير الذي لطالما لعبت معه.. قالت له باسى:
“اشعر اني اعرفك منذ وقت طويل ايها اللورد”
ظل يتفرسها وهو يحاول ان يستقصي دواخلها ثم سالها:
“وكيف هذا؟”
ردت بصوت هامس وعيناها منخفضتين:
“هذا الشعور لا استطيع تفسيره.. “
لم تقدر على ان تقول له انه يذكرها بشخص كانت تحبه قبل عدة سنوات عندما كانت ساذجة وغبية واعتقدت انها تملك الخيار. فكيف تخبر خاطبها بانها تحب رجل اخر وتتمناه الان موجودا معها مكانه.. تتمنى ان ترى شكله وما صار عليه من رجل اليوم. تتمنى ان يراها وماصارت هي عليه ايضا. قال لها جونثان بعد ان لاحظ صمتها الحزين:
“لماذا انت حزينة في هذا الجو الصاخب؟”
ردت طالبه المعذرة منه:
“ارجوك سيدي اللورد اعذرني.. فانا قد لا اكون متعودة عليك لانها اول مرة لنا سويا ولكني اعدك ان المرة القادمة ساكون افضل”
ظل محدقا فيها يتأمل جمالها… كم جميلة عيناها الخضراوان الواسعتان. رغم انها كبرت ولكن لم يتغير فيها ذلك الصفاء الذي كان يشتت كيانه ولا يركز الا في حضرتها. خصلات شعرها الذهبية ناعمة الملمس… اراد ان يحتضنها فيشعر من جديد بملمس شعرها كما تعود في طفولته عندما كان يتقرب منها ويختلق الفرص كي يلامسها فيستنشق بعضا من عطرها الطبيعي. لايزال ذلك العطر التخيلي يثير في قلبه الحنين. ابعدها عنه. انه قريب من تحقيق هدفة كما انه قريب جدا منها وهذا خطر .. ظلت تنظر له بدهشة وهو يبتعد عنها ويختفي وسط الجموع وهي واقفة لا تدري ماذا تفعل.. اقترب منها لويس وقال لها بنبرة مستفزة:
“هرب منك ام ماذا؟”
نظرت له باحتقان ليكمل:
“لقد اعلنوا عن وصول خطيبك المستقبلي ولكنه لم يظهر بعد.. لازال ابي ينتظره “
ادارت راسها ناحية والدها ثم عادت لتنظر الى لويس مدهوشة اكثر من كلامه. همهمت:
“ماذا تقول؟ اذا من كان هذا؟”
لم يسمعها لويس بل ظل يضحك وهو يبتعد عنها بينما كانت هي في اقصى حالات الاضطراب لا تدر ماذا تفعل..
جونثان ابتعد عنها لكن تاثيرها لايزال كالسحر عليه ليرى فرانسوا من بعيد. عرفه من ملابسه وقناعه فاقترب منه وقال له:
“ارى انك تختلط جيدا في هذا الجو”
انتبه له فرانسوا وعرفه من صوته فقال:
“دهشتي تزداد بك يوما بعد يوم.. كيف وصلت الى هنا اذا؟”
ضحك جونثان ورد:
“لا يهم…المهم اني ساخرج قبل ان يكتشف احد امري “
ثم تركه وخرج بسرعه من القاعه بدون ان يلاحظه احد وقبل ان تسترد ميري وعيها من الصدمة كان هو قد اختفى وعاد الى حيث يجب ان يكون بين الجنود ينتظر انتهاء الحفلة ليذهب مع مكواير وايفيلين الى القصر الصيفي للملك لاخر سهرة فيه حيث سيودع الصيف وسيبدأ الخريف البارد والذي لن يستمر طويلا قبيل الشتاء.
طوال الحفلة كانت ايفيلين واقفة تنظر حولها باشمئزاز واكثرهم كانت اشمئزازا منه هو ويليام الذي نبذها والان هو يتجاهلها تماما. كان جالسا على كرسيه يراقب الكل ولكنها لم تلمحه ولا للحظة نظر ناحيتها وناحية زوجها. وزوجها لم يهتم ابدا لتصرفات ويليام في الحفلة وبالمثل هو لم يذهب له ولم يسلم عليه او يبدي احتراماته للملك. قالت لمكواير:
“يبدو ان ويليام وحيد هذه الليلة”
رد مكواير بعدم مبالاة:
“وكيف لرجل قضى سنوات يجمع الكل تحت قدميه ان لا يكون وحيدا ..كل هذه الوجوه المتبسمة التي ترينها سينقلبون عليه اذا ما حانت لهم الفرصة المؤكدة للتخلص منه”
ثم نظر لها نظر خاطفة ولاحظ غليان الدماء في عروقها وقال:
“وانت اولهم يا عزيزتي اليس كذلك؟”
بادلته النظرة الخاطفة بحدة ولم تجب بل ظلت تكظم غليانها بصمت. اقترب منها لويس من الخلف وقال بادب:
“ليدي ايفيلين كالعادة انت تشرقين كالشمس”
استدارت لترى امامها لويس ينظر لها بطمع فهو لطالما كان مفتونا بالغموض الذي يحيط بها وبالقوة والقسوة التي تطلقها تعابير وجهها وبحدة ذكائها. ابتلعت ريقها واعطته يدها ليقبلها ثم قالت له:
“مولاي الامير.. “
ثم انحنت له بينما نظر الماركيز له وتبسم وهو يقول:
“مولاي الامير لويس”
بادله التحية ثم عاد بكل اهتمامه الى الماركيزة التي لم يخف عليها اهتمام لويس بها. قالت له:
“لا اراك ترقص يا مولاي. لا يعقل ان شاب بوسامتك لم يجد رفيقة رقص”
قهقه لويس محاولا ان يبدو اكبر من عمره ورد:
“بل انني لا ارقص الا مع من اراها تستحق هذا الشرف”
فتحت عينيها على وسعهما وقالت له:
“هذا صحيح”
دعاها لترقص معه ومد يده قائلا:
“اذا هل تشرفيني بالرقص معي ايتها المركيزة”
رفعت حاجبيها بابتسامه صغيرة على فمها ثم ردت:
“بالتأكيد”
ثم ذهبت لترقص معه بينما الماركيز يراقبهما بلؤم وهو يعرف جيدا ان زوجته تخطط لامر ما لا محالة.. ومن هذه الرقصة التي حازت على اهتمام ويليام الى طلبها اختيار الحراس .. ان في الامر شئ ما ولكنه لا يستطيع معرفته.. عندما كان في عمر اصغر يتمتع بقوته كان يقدر على الكثير ولكنه الان عجوز كهل لا قدرة له حتى على الرقص مع زوجته الشابه الصغيرة الجميلة.. ولا على الجدال معها.. انها تزداد قوة يوما بعد يوم واذا ما مات هي سترث كل شئ ولن يترك وريثا ذكرا ليحمل اسمه او ليكون امتداد لنسله. والسبب عقمه هو. رفع كأسه بغضب الى فمه وافرغ كل محتوياته في فمه وذهب طالبا للمزيد ليرتطم برجل يلبس قناعا خاصا بالحفلة يبدو في اضطراب لم يعره مكواير اهمية .. كان فرانسوا وهو يجمع المعلومات عن عدد الحراس المرافقين للملك ومن سيذهب اصابته الصدمة عندما علم ان الملكة ان لن تحضر الى القصر الصيفي بسبب المرض. الان لن يكون الجميع مجموعا وقد تسبب الملكة مشكلة.. قبيل انتهاء الحفلة تسلل هو الاخر الى الخارج… قابل جونثان بسهولة فحراس مكواير واضحون للعيان واعطاه جونثان بدلة كالتي يلبسها ثم سأله:
“اخبرني هل استطعت ان تجمع معلومات؟”
رد فرانسوا بسؤال:
“اخبرني اولا لماذا كنت في الداخل؟ لماذا طلبت مني ان اوافق على عرض الاميرة اذا كنت انت ايضا قد خططت للدخول”
واضح عليه الغضب والسبب الذي لايعرفه جونثان … هو خيانة ابراهام بالادعاء انه هو امام جوزفين. همهم جونثان وهو يدير وجهه:
“دخولي لم يكن مؤكدا.. والان دع هذه الاسئلة الغبية جانبا واخبرني”
رد فرانسوا بلهجة خائبة:
“الملكة ان مريضة.. سمعت من الحراس ان الملك يمنع اي احد من الدخول عليها وانها بحال سئ جدا لذا لن تغادر معهم لاتمام الحفلة في القصر الصيفي.. والملك وضع حراسة مشددة على الامير لويس 4 حراس من اشد الحراس واكثرهم ثقة.. يبدو انه يشعر ان شيئا ما سيحصل”
عض جونثان على شفتيه وهو يفكر ثم رد:
“لا يهم.. لننفذ الخطة كما خططنا لها بالضبط وسنتدبر امر الملكة فيما بعد…”
شاهدا من بعيد اغلب المعازيم يعودون ادراجهم ثم مكواير وايفيلين يأتيان لعربتهما بينما قالت ايفيلين بصوت مسموع:
“ايها السائس.. الى قصر الملك ويليام الصيفي”
انتصبت رقبة ابراهام وعيناه الحادتان كانتا تراقبان من خلف الاشجار البعيدة.. بحذر شديد وبلا اي خطة مسبقة قرر ان يتبع العربات وهو يفكر بما عساها خطة جونثان التي سيدمر بها الملك وعائلته ستكون.

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية كلانا أعمي كامله وحصريه بقلم رشا روميه - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top