رواية عديل الروح كامله وحصريه بقلم الكاتبة ام حمدة
الفصل الأول – عديل الروح – بقلمي \ ام حمدة
********************
في أحد المناطق السكنية الراقية بمدينة أبو ظبي، نصبت خيمة كبيرة أمام أحد المنازل المكونة من طابق أرضي وقد اكتظت بالرجال ذوي شأن عالي.
نساء متشحين بالسواد يدخلون ويخرجون من المنزل، اجتمعوا اليوم بقلب واحد ينعون فقيدهم خالد عبد الله النعيمي وزوجته فاطمة النعيمي، يدعون لهم بقلب صادق أن يتغمدهم الله بجنات الخلد.
مرت أيام العزاء كئيبة وحزينة لخسارتهم الفادحة برجل كان عظيما بين عائلته و امرأة قديرة ومحترمة.
بعد مرور اسبوع من انتهاء العزاء،اجتمع كبار آل النعيمي في مجلس العائلة يتناقشون بأمر جليل يخص فتاة وصبي، جلسا بركن منزوي وعلامات الحزن ظاهرة على وجوههم الصغيرة لفقد أمانهم وسندهم في هذه الحياة، ينظرون لأعمامهم وهم يتناقشون لتحديد مصيرهم.
أراد عمهم أحمد أخذ محمد البالغ من العمر ثمان سنوات معه لتربيته مع أولاده، والعم علي أراد أخذ شقيقته مريم التي كانت تبلغ من العمر تسع سنوات وتملك عقل راجح يضاهي سنها الصغير.
جلس محمد بجانب شقيقته وعيون الجميع ترميهم بنظرات مشفقة لمصابهم، وفقدهم والديهم بنفس اللحظة.
شعر بيد أخته تحتضنه بعد أن سمعت كلام الكبار بتربية كل واحد منهم ببيت مغاير، فرفع رأسه إليها وشاهد دموعها تترقرق على وجنتيها بصمت آلم قلبه الصغير، وعينيها جامدة تتطلع إلي لا شيء، فقط تنظر بعيون مغشية بدموع القهر والحزن لفراق أحب الناس لقلبها ورحيلهم ليصيبهما اليتم، والآن يريدون تفرقة من بقي لها من رائحة والديها.
تأمل عينيها وهي تحاكي بؤسها وألمها بالرغم من صغر سنه إلا أنه شعر بما تشعر به، وأحس بما تعانيه برغبتها بالوقوف والصراخ بوجههم.
رفع ذراعه الصغيرة واحتضن جسدها بتآزر يؤكد لها بأنه لن يتخلى عنها مهما حدث.
عيون حادة اختبرت الحياة بشقائها وأفراحها، وحزن اعتمل عينين شابها الفقد، لفراق أغلى الناس لقلبها، ترصدت كل حركة وكل دمعة للصغيرين والباقون غافلون عما يدور مع هذين الاثنين، فقط يفكرون ويتحاورون فيما بينهم من سيأخذ من، والآخر يرفض بسبب صعوبة إيواء طفل آخر ويكفيه أطفاله ليعينهم.
وقفت ليحل الصمت والهدوء بأرجاء المجلس وتطلعوا لوالدتهم… فوقوفها يعني غضبها.
تجولت عيناها فيما بينهم وتحدثت بنبرة صارمة:
” أندم على اليوم الذي حمل فيه بطني أولاد مثلكم “.
” أمي… “.
” ولا كلمة.. تبعدون الصغار عن بعضهم؟!! أهذه وصية شقيقكم بأولاده قبل موته؟؟! يبدوا أنني لم أربيكم جيدا!! “.
وقف ولدها الكبير أحمد وتحدث معها لعله يهدئ من ثوران أعصابها:
” أمي.. ماذا بدر منا لتقولي لنا مثل هذا الكلام؟؟ “.
” أبعد حديثكم هذا لا تريدني أن أغضب؟؟ “.
اقترب علي ووقف بجانب شقيقه وتحدث:
” أمي لا تغضبي نحن سنأخذهم معنا للمنزل وسنربيهم مع أولادنا، وإذا كان من أجل كل منهم سيكون في منزل مختلف هذا أمر له حل…يستطيعون الالتقاء متى ما أرادوا…فمنازلنا متلاصقة وقريبة، ونحن لن نمنعهم من رؤية بعضهم البعض “.
” أهذا ما استطعتوا الخروج منه من اجتماعكم؟! تفرقتهم!! ألا يكفي موت والديهم ؟! تريدون أيضا بعدهم عن بعض!! “.
” أمي أنت…..”.
قاطعته بقوة وتحدثت بنبرة وأمر لا جدل فيها:
” أولاد ابني خالد لن يفترقوا عن بعضهم!! “.
” لكن…”.
حدجته بنظراتها الحادة ليبتلع رفضه ثم تابعت.
” مريم ومحمد سيعيشون معي في بيتي, وأنتم لكم الله، ليساعدكم ويسهل عليكم أموركم “.
فالتفتت وتأملت الصغيرين بعيون ملأتها الحنان فهم أبناء الغالي كما تناديه دائما، فهو الابن الحنون والطيب، كان يختلف عن أشقائه برجولته وصلابته، تراه بوقت حاجتك، ويقف بوجه التحدي مهما كان الخطر الذي يحدق به.
وبداخله حنان وعطف يشمل الجميع ولا يبخل على من يحتاجه مهما كانت حاجته هو بها, يبديها لغيره ويحرم نفسه عنها، لكنه رحل…وتركها لوحدها…وخلف خلفه أمانه كبيرة لا تعرف إن كانت ستستطيع المحافظة عليها.
دمعت عيناها دمعة كسيرة تبكي رحيله، تبكي طفليه، تبكي يتم صاغ حياتهما منذ الصغر.
مسحت دمعتها ( بشيلتها ), وعاهدت نفسها بأنها لن ترتاح سوى بعد أن تطمئن لمستقبلهم.
” مريوم، حمود، تعالوا يا أحبائي دعونا نذهب للمنزل “.
لا رد…فعادت بصوت شجي ملأته بالأمومة والحنان الذي طفق على ملامحها:
” يا ابنة الغالي لا تخافي ما دامت أنفاسي تتنفس الهواء “.
رفعت الصغيرة رأسها وتأملتها بعيون ظهر انكسارها ووجعها وخسارتها
“يا ابنة الغالي ارفعي رأسك ولا تخفضيه، وانظري حولك وسترين ثلاث رجال هم عضدك وسندك بهذه الحياة، ارفعي رأسك واتركيه شامخا عاليا دائما “.
تداخلت الأصوات بين الأعمام وكل منهم يضرب على صدره يخبرونها بأنهم موجودون وهم لها دائما، دفعها هذا لذرف المزيد من الدموع إلى أن تحولت لنشيج عالي لم تستطع كتمه بعد كلماتهم التي نفذت لأعماق قلبها الصغير يخبرها بأنها ليست وحيدة.
اقتربت الجدة وانخفضت لمستواهم واحتضنتهم بقوة وتركت العنان لدموعهم تبكي خسارتهم.بعد عشر سنوات
” مريوم…مريوم أين ذهبت هذه الفتاة؟!!..حمود…حمود هل الولد أصم؟؟.. ألا يسمعني أناديه؟؟ “.
دخلت لغرفة الجلوس وشاهدته مندمجا يلعب بلعبته الإلكترونية ويصرخ أثناء لعبه
” لا حول ولا قوة إلا بالله هذه اللعبة لا فائدة منها، وأمنيتي حملها وكسرها!! “.
” ما الأمر يا أمي ماذا تريدين؟؟ لا أعرف لما تكرهين لعبتي ورغبتك بكسرها؟؟ وإن فعلتِ سأجعلك تشترين أخرى جديدة، وثانيا نحن في الإجازة الصيفية، أين تريدين مني الذهاب والجو شديد الحرارة؟! “.
” حسنا.. حسنا..لسانك هذا يحتاج للقص!! “.
” يا أمي يا حبيبتي، نحن نعيش بديمقراطية وحرية رأي “.
قاطعته والدته وتقدمت ناحيته وأمسكت أذنيه تشدها:
” نعم…ماذا تقول يا قليل الأدب؟؟ هل تشتم؟…ديمو… ديمو لا أعرف حتى كيف أنطقها؟؟ “.
” آه… آه أذني “
تركته ليتراجع للخلف وهو يدلك مكان الألم ويقهقه بصوت عالي:
” أمي… ماذا.. تقولين؟…اسمها ديمقراطية “.
ثم أكمل وصلة ضحكه ولم يستطع التحدث معها:
” آه… معدتي تؤلمني، ههههههه “.
” أقسم بالله يا حمود إن لم تصمت سأقوم بضربك بنعالي على رأسك!! “.
” لا.. لا سأسكت، أرجوك..ولا ترميني بقذائفك النووية “.
فنهرته الجدة بقوة:
” حمود!! “.
” أنظري سأصمت “
رفع كفه ووضعها على فمه, كي يمنع ضحكته من الخروج وينال ضربة من شبشب والدته.
تنهدت والدته وأخذت تهمهم بكلمات غير مفهومة ثم التفتت إليه وحادثته بنبره عالية:
” أين شقيقتك مريوم؟؟ “.
خرج صوته مكتوما وغير مفهوم، فضربت كفوفها ببعضهما وهي تردد:
” لا حول ولا قوة إلا بالله يا مثبت العقل والدين “.
فانخفضت وسحبت نعالها وقذفتها ناحيته، فارتد عنها بحركة اعتادها وأتقنها من كثرة تدربه عليها، فخرج راكضا من غرفة الجلوس وهو يضحك بشدة ويصرخ:
” أهربوا الصواريخ قد وصلت “.
فخرجت والدته على أثره، وهي تحمل شبشبها الآخر بعد أن فقدت الأول بمكان ما بعد أن قذفته ناحيته.
” تعال يا حمود…أقسم على ضربك اليوم!! فقط انتظرني ريثما أمسكك بك “
” اهدئي يا أمي حتى لا يرتفع ضغطك وأقع أنا بالمشكلة “.
” لا يوجد غيرك هنا من يرفع ضغطي….أولاد آخر زمن، أين الأيام الماضية؟! كان الابن يصمت ويحترم والديه، ولا يستطيع التفوه بحرف واحد إلا عندما يطلب منه الحديث، ويخبرهم بكلمة إن شاء الله بعد أن يطلب منه أمر ما، لكن جيل اليوم؟ الخوف منه ومن مشاكلهم التي لا تنتهي “.
جلست الأم بصعوبة لكبر سنها الذي يناهز السبعين من عمرها، وتربعت على فراشها من الجلسات العربية، واتكأت على أحد المخدات، وتنفست بصعوبة فاللحاق خلف حفيدها قد أتعبها.
اقترب منها حمود وركع أمامها وسحب كفها المليء بتجاعيد تحاكي خبرتها بالحياة وقبلها بكل احترام ثم سحب رأسها وطبع قبلة محبة:
” اعتذر يا حبيبة قلبي، أنت تعرفين كم أحب أن أمزح معك؟؟ “.
” لا عليك يا ولدي الله يهديك ويصلحك حالك “.
وأخذت تتمتم بدعوات الحفظ والهداية، سحبت يدها وأمسكت مسبحتها وتراجعت للخلف تسبح وتكبر، واتكأ هو الآخر على أحد المساند وتأمل المرأة التي أمامه بلباسها التقليدي المكون من (المخور ) بلون الأحمر وطبعت عليه دوائر باللون الأبيض، وطرزت بلون ذهبي عند الصدر وعند اليدين، و( شيلتها) السوداء على رأسها لا تزيلها أبدا فقط وقت نومها، وتضع فوق وجهها المليء بتجاعيد الزمن ويظهر كبر سنها ( البرقع ) فالنساء كبيرات بالسن لم يتخلين عن هذه العادات التي تمسكن فيها بقوة كي لا تندثر، فقلدنها بعض الفتيات لكن باختلاف حجم هذا
( البرقع )، فلقد تحول لموضة وتزين بحلي وأشياء أخرى لا يفقهها أبدا، تظهر من خلفه عينيها التي تحمل قسوة الزمن لحدتها ولكن تحت طياتها تحمل الكثير من الحب والحنان فهي الوحيدة التي احتوتهم وضمتهم لصدرها بعد موت والديه في حادث سيارة عندما كانوا صغار بالسن ، حاول أعمامهم التفريق بينهم بأخذ كل واحد فيهم لبيت، ولكن الجدة وقفت وقفة الرجال وبصوتها الآمر والناهي تحدثت والجميع لبى طلبها دون أي جدال.
أخذته ذاكرته لذلك اليوم الكئيب والمحزن لقلبه الصغير, لخسارة فادحة تلقاها دون فهم ودراية بما يحدث حوله، كل ما فهمه من حديثهم أنه لن يرى والديه بعد الآن، كان في الثامنة من العمر لكن ذلك اليوم طبع بعقله والصورة لم تهتز قيد انملة أو تمحى بالرغم من مرور عشرة سنوات.
عاد لحاضره وهو ينظر إليها بكل احترام وحب يكنه لتلك العجوز التي احتوتهم ولم تبخل عليهم بشيء، هو وشقيقته مدينين لهذه الجدة بحياتهم وكلمة شكر لا تفيها حقها.
خرج من تأمله على صوتها بالرغم من مرور السنين إلا أن صوتها مازال صارم وقويا:
” حمود أين شقيقتك مريم فأنا لا أراها في الجوار؟؟ “.
” هل بحثت بالمطبخ؟؟ “.
” لا لم أبحث هناك!! “.
” أنت مخطئة يا أمي، كان عليك البحث في البداية في هذا المكان!! “.
وضحك.
“حمود، إياك والسخرية من شقيقتك!! “.
” أمي ألا ترين بأنها دائما تتواجد بالمطبخ؟! لكن بصراحة عليها نفس يطيب فيه الطعام ويطير العقل “
” حمود لم أعرف بأنك تعد اللقمة على شقيقتك!! “.
” لا لم أقصد فقط….”
” أسكت لا أريد كلمة عنها!! شقيقتك تمتلك صحة جيدة، دعها تأكل ما تريده بالصحة والعافية “
” أمي لكن بطريقتها لن تستطيع الزواج أبدا؟!! “.
” لما تقول هذا؟؟ شقيقتك جوهرة نفيسة ولن يعرف قيمتها سوى صاحب نظرة ثاقبة، وسيكون زوجها هو أسعد رجل بالعالم لزواجه من مريم، فهو مهما بحث فلن يجد من هي مثلها “
” لا أظن هذا يا أمي فهو ما أن يراها سيفر هاربا “
وضحك
” حمود، أقسم بالله إن لم تسكت سأقوم بضربك بالعصا!! هيا اذهب وتحرك من أمامي وناد على شقيقتك “.
” حسنا لا تغضبي،ولا ترميني بقذائفك، سأذهب حالا “.
*****************
********************
في أحد المناطق السكنية الراقية بمدينة أبو ظبي، نصبت خيمة كبيرة أمام أحد المنازل المكونة من طابق أرضي وقد اكتظت بالرجال ذوي شأن عالي.
نساء متشحين بالسواد يدخلون ويخرجون من المنزل، اجتمعوا اليوم بقلب واحد ينعون فقيدهم خالد عبد الله النعيمي وزوجته فاطمة النعيمي، يدعون لهم بقلب صادق أن يتغمدهم الله بجنات الخلد.
مرت أيام العزاء كئيبة وحزينة لخسارتهم الفادحة برجل كان عظيما بين عائلته و امرأة قديرة ومحترمة.
بعد مرور اسبوع من انتهاء العزاء،اجتمع كبار آل النعيمي في مجلس العائلة يتناقشون بأمر جليل يخص فتاة وصبي، جلسا بركن منزوي وعلامات الحزن ظاهرة على وجوههم الصغيرة لفقد أمانهم وسندهم في هذه الحياة، ينظرون لأعمامهم وهم يتناقشون لتحديد مصيرهم.
أراد عمهم أحمد أخذ محمد البالغ من العمر ثمان سنوات معه لتربيته مع أولاده، والعم علي أراد أخذ شقيقته مريم التي كانت تبلغ من العمر تسع سنوات وتملك عقل راجح يضاهي سنها الصغير.
جلس محمد بجانب شقيقته وعيون الجميع ترميهم بنظرات مشفقة لمصابهم، وفقدهم والديهم بنفس اللحظة.
شعر بيد أخته تحتضنه بعد أن سمعت كلام الكبار بتربية كل واحد منهم ببيت مغاير، فرفع رأسه إليها وشاهد دموعها تترقرق على وجنتيها بصمت آلم قلبه الصغير، وعينيها جامدة تتطلع إلي لا شيء، فقط تنظر بعيون مغشية بدموع القهر والحزن لفراق أحب الناس لقلبها ورحيلهم ليصيبهما اليتم، والآن يريدون تفرقة من بقي لها من رائحة والديها.
تأمل عينيها وهي تحاكي بؤسها وألمها بالرغم من صغر سنه إلا أنه شعر بما تشعر به، وأحس بما تعانيه برغبتها بالوقوف والصراخ بوجههم.
رفع ذراعه الصغيرة واحتضن جسدها بتآزر يؤكد لها بأنه لن يتخلى عنها مهما حدث.
عيون حادة اختبرت الحياة بشقائها وأفراحها، وحزن اعتمل عينين شابها الفقد، لفراق أغلى الناس لقلبها، ترصدت كل حركة وكل دمعة للصغيرين والباقون غافلون عما يدور مع هذين الاثنين، فقط يفكرون ويتحاورون فيما بينهم من سيأخذ من، والآخر يرفض بسبب صعوبة إيواء طفل آخر ويكفيه أطفاله ليعينهم.
وقفت ليحل الصمت والهدوء بأرجاء المجلس وتطلعوا لوالدتهم… فوقوفها يعني غضبها.
تجولت عيناها فيما بينهم وتحدثت بنبرة صارمة:
” أندم على اليوم الذي حمل فيه بطني أولاد مثلكم “.
” أمي… “.
” ولا كلمة.. تبعدون الصغار عن بعضهم؟!! أهذه وصية شقيقكم بأولاده قبل موته؟؟! يبدوا أنني لم أربيكم جيدا!! “.
وقف ولدها الكبير أحمد وتحدث معها لعله يهدئ من ثوران أعصابها:
” أمي.. ماذا بدر منا لتقولي لنا مثل هذا الكلام؟؟ “.
” أبعد حديثكم هذا لا تريدني أن أغضب؟؟ “.
اقترب علي ووقف بجانب شقيقه وتحدث:
” أمي لا تغضبي نحن سنأخذهم معنا للمنزل وسنربيهم مع أولادنا، وإذا كان من أجل كل منهم سيكون في منزل مختلف هذا أمر له حل…يستطيعون الالتقاء متى ما أرادوا…فمنازلنا متلاصقة وقريبة، ونحن لن نمنعهم من رؤية بعضهم البعض “.
” أهذا ما استطعتوا الخروج منه من اجتماعكم؟! تفرقتهم!! ألا يكفي موت والديهم ؟! تريدون أيضا بعدهم عن بعض!! “.
” أمي أنت…..”.
قاطعته بقوة وتحدثت بنبرة وأمر لا جدل فيها:
” أولاد ابني خالد لن يفترقوا عن بعضهم!! “.
” لكن…”.
حدجته بنظراتها الحادة ليبتلع رفضه ثم تابعت.
” مريم ومحمد سيعيشون معي في بيتي, وأنتم لكم الله، ليساعدكم ويسهل عليكم أموركم “.
فالتفتت وتأملت الصغيرين بعيون ملأتها الحنان فهم أبناء الغالي كما تناديه دائما، فهو الابن الحنون والطيب، كان يختلف عن أشقائه برجولته وصلابته، تراه بوقت حاجتك، ويقف بوجه التحدي مهما كان الخطر الذي يحدق به.
وبداخله حنان وعطف يشمل الجميع ولا يبخل على من يحتاجه مهما كانت حاجته هو بها, يبديها لغيره ويحرم نفسه عنها، لكنه رحل…وتركها لوحدها…وخلف خلفه أمانه كبيرة لا تعرف إن كانت ستستطيع المحافظة عليها.
دمعت عيناها دمعة كسيرة تبكي رحيله، تبكي طفليه، تبكي يتم صاغ حياتهما منذ الصغر.
مسحت دمعتها ( بشيلتها ), وعاهدت نفسها بأنها لن ترتاح سوى بعد أن تطمئن لمستقبلهم.
” مريوم، حمود، تعالوا يا أحبائي دعونا نذهب للمنزل “.
لا رد…فعادت بصوت شجي ملأته بالأمومة والحنان الذي طفق على ملامحها:
” يا ابنة الغالي لا تخافي ما دامت أنفاسي تتنفس الهواء “.
رفعت الصغيرة رأسها وتأملتها بعيون ظهر انكسارها ووجعها وخسارتها
“يا ابنة الغالي ارفعي رأسك ولا تخفضيه، وانظري حولك وسترين ثلاث رجال هم عضدك وسندك بهذه الحياة، ارفعي رأسك واتركيه شامخا عاليا دائما “.
تداخلت الأصوات بين الأعمام وكل منهم يضرب على صدره يخبرونها بأنهم موجودون وهم لها دائما، دفعها هذا لذرف المزيد من الدموع إلى أن تحولت لنشيج عالي لم تستطع كتمه بعد كلماتهم التي نفذت لأعماق قلبها الصغير يخبرها بأنها ليست وحيدة.
اقتربت الجدة وانخفضت لمستواهم واحتضنتهم بقوة وتركت العنان لدموعهم تبكي خسارتهم.بعد عشر سنوات
” مريوم…مريوم أين ذهبت هذه الفتاة؟!!..حمود…حمود هل الولد أصم؟؟.. ألا يسمعني أناديه؟؟ “.
دخلت لغرفة الجلوس وشاهدته مندمجا يلعب بلعبته الإلكترونية ويصرخ أثناء لعبه
” لا حول ولا قوة إلا بالله هذه اللعبة لا فائدة منها، وأمنيتي حملها وكسرها!! “.
” ما الأمر يا أمي ماذا تريدين؟؟ لا أعرف لما تكرهين لعبتي ورغبتك بكسرها؟؟ وإن فعلتِ سأجعلك تشترين أخرى جديدة، وثانيا نحن في الإجازة الصيفية، أين تريدين مني الذهاب والجو شديد الحرارة؟! “.
” حسنا.. حسنا..لسانك هذا يحتاج للقص!! “.
” يا أمي يا حبيبتي، نحن نعيش بديمقراطية وحرية رأي “.
قاطعته والدته وتقدمت ناحيته وأمسكت أذنيه تشدها:
” نعم…ماذا تقول يا قليل الأدب؟؟ هل تشتم؟…ديمو… ديمو لا أعرف حتى كيف أنطقها؟؟ “.
” آه… آه أذني “
تركته ليتراجع للخلف وهو يدلك مكان الألم ويقهقه بصوت عالي:
” أمي… ماذا.. تقولين؟…اسمها ديمقراطية “.
ثم أكمل وصلة ضحكه ولم يستطع التحدث معها:
” آه… معدتي تؤلمني، ههههههه “.
” أقسم بالله يا حمود إن لم تصمت سأقوم بضربك بنعالي على رأسك!! “.
” لا.. لا سأسكت، أرجوك..ولا ترميني بقذائفك النووية “.
فنهرته الجدة بقوة:
” حمود!! “.
” أنظري سأصمت “
رفع كفه ووضعها على فمه, كي يمنع ضحكته من الخروج وينال ضربة من شبشب والدته.
تنهدت والدته وأخذت تهمهم بكلمات غير مفهومة ثم التفتت إليه وحادثته بنبره عالية:
” أين شقيقتك مريوم؟؟ “.
خرج صوته مكتوما وغير مفهوم، فضربت كفوفها ببعضهما وهي تردد:
” لا حول ولا قوة إلا بالله يا مثبت العقل والدين “.
فانخفضت وسحبت نعالها وقذفتها ناحيته، فارتد عنها بحركة اعتادها وأتقنها من كثرة تدربه عليها، فخرج راكضا من غرفة الجلوس وهو يضحك بشدة ويصرخ:
” أهربوا الصواريخ قد وصلت “.
فخرجت والدته على أثره، وهي تحمل شبشبها الآخر بعد أن فقدت الأول بمكان ما بعد أن قذفته ناحيته.
” تعال يا حمود…أقسم على ضربك اليوم!! فقط انتظرني ريثما أمسكك بك “
” اهدئي يا أمي حتى لا يرتفع ضغطك وأقع أنا بالمشكلة “.
” لا يوجد غيرك هنا من يرفع ضغطي….أولاد آخر زمن، أين الأيام الماضية؟! كان الابن يصمت ويحترم والديه، ولا يستطيع التفوه بحرف واحد إلا عندما يطلب منه الحديث، ويخبرهم بكلمة إن شاء الله بعد أن يطلب منه أمر ما، لكن جيل اليوم؟ الخوف منه ومن مشاكلهم التي لا تنتهي “.
جلست الأم بصعوبة لكبر سنها الذي يناهز السبعين من عمرها، وتربعت على فراشها من الجلسات العربية، واتكأت على أحد المخدات، وتنفست بصعوبة فاللحاق خلف حفيدها قد أتعبها.
اقترب منها حمود وركع أمامها وسحب كفها المليء بتجاعيد تحاكي خبرتها بالحياة وقبلها بكل احترام ثم سحب رأسها وطبع قبلة محبة:
” اعتذر يا حبيبة قلبي، أنت تعرفين كم أحب أن أمزح معك؟؟ “.
” لا عليك يا ولدي الله يهديك ويصلحك حالك “.
وأخذت تتمتم بدعوات الحفظ والهداية، سحبت يدها وأمسكت مسبحتها وتراجعت للخلف تسبح وتكبر، واتكأ هو الآخر على أحد المساند وتأمل المرأة التي أمامه بلباسها التقليدي المكون من (المخور ) بلون الأحمر وطبعت عليه دوائر باللون الأبيض، وطرزت بلون ذهبي عند الصدر وعند اليدين، و( شيلتها) السوداء على رأسها لا تزيلها أبدا فقط وقت نومها، وتضع فوق وجهها المليء بتجاعيد الزمن ويظهر كبر سنها ( البرقع ) فالنساء كبيرات بالسن لم يتخلين عن هذه العادات التي تمسكن فيها بقوة كي لا تندثر، فقلدنها بعض الفتيات لكن باختلاف حجم هذا
( البرقع )، فلقد تحول لموضة وتزين بحلي وأشياء أخرى لا يفقهها أبدا، تظهر من خلفه عينيها التي تحمل قسوة الزمن لحدتها ولكن تحت طياتها تحمل الكثير من الحب والحنان فهي الوحيدة التي احتوتهم وضمتهم لصدرها بعد موت والديه في حادث سيارة عندما كانوا صغار بالسن ، حاول أعمامهم التفريق بينهم بأخذ كل واحد فيهم لبيت، ولكن الجدة وقفت وقفة الرجال وبصوتها الآمر والناهي تحدثت والجميع لبى طلبها دون أي جدال.
أخذته ذاكرته لذلك اليوم الكئيب والمحزن لقلبه الصغير, لخسارة فادحة تلقاها دون فهم ودراية بما يحدث حوله، كل ما فهمه من حديثهم أنه لن يرى والديه بعد الآن، كان في الثامنة من العمر لكن ذلك اليوم طبع بعقله والصورة لم تهتز قيد انملة أو تمحى بالرغم من مرور عشرة سنوات.
عاد لحاضره وهو ينظر إليها بكل احترام وحب يكنه لتلك العجوز التي احتوتهم ولم تبخل عليهم بشيء، هو وشقيقته مدينين لهذه الجدة بحياتهم وكلمة شكر لا تفيها حقها.
خرج من تأمله على صوتها بالرغم من مرور السنين إلا أن صوتها مازال صارم وقويا:
” حمود أين شقيقتك مريم فأنا لا أراها في الجوار؟؟ “.
” هل بحثت بالمطبخ؟؟ “.
” لا لم أبحث هناك!! “.
” أنت مخطئة يا أمي، كان عليك البحث في البداية في هذا المكان!! “.
وضحك.
“حمود، إياك والسخرية من شقيقتك!! “.
” أمي ألا ترين بأنها دائما تتواجد بالمطبخ؟! لكن بصراحة عليها نفس يطيب فيه الطعام ويطير العقل “
” حمود لم أعرف بأنك تعد اللقمة على شقيقتك!! “.
” لا لم أقصد فقط….”
” أسكت لا أريد كلمة عنها!! شقيقتك تمتلك صحة جيدة، دعها تأكل ما تريده بالصحة والعافية “
” أمي لكن بطريقتها لن تستطيع الزواج أبدا؟!! “.
” لما تقول هذا؟؟ شقيقتك جوهرة نفيسة ولن يعرف قيمتها سوى صاحب نظرة ثاقبة، وسيكون زوجها هو أسعد رجل بالعالم لزواجه من مريم، فهو مهما بحث فلن يجد من هي مثلها “
” لا أظن هذا يا أمي فهو ما أن يراها سيفر هاربا “
وضحك
” حمود، أقسم بالله إن لم تسكت سأقوم بضربك بالعصا!! هيا اذهب وتحرك من أمامي وناد على شقيقتك “.
” حسنا لا تغضبي،ولا ترميني بقذائفك، سأذهب حالا “.
*****************