رواية سكن روحي الفصل السابع 7 بقلم سعاد محمد
الفصل السابع: (الجزء الأول)
*نهاية سعيدة أم..؟!*
**********
خذلان فجرح فانكسار..
وأمل فإشراق فحياة..
ثم خذلان
فــ….
وهكذا حياتي أنا؛
دائرة أجوب بها منذ الأزل..
متى بَدَأَت؟
لا أعرف!
متى تنتهي؟
أيضاً لا أعرف!
معصوبة العينين..
مُكَبّلة اليدين..
مُجبرة على طأطأة رأسي ومِن ثَم الاعتذار..
على ذنب لم ارتكبه أنا..
هل يا تُرى سيحين إثبات براءتي يوماً؟
أم أنني سأظل إلى الأبد البريئة الآثمة؟!
**********
“وأنا الحاجة سوسن، خالة مريم، وأم ساري!”
لا تعلم كم من الوقت ظلت محدقة بالمرأة التي أدركت _هي_الآن رأيها بالأمر بأكمله دون مواربة، لكن ردها وصل أخيرا، متحرجاً خافتاً:
_أهلا بك!
جلست فوق المقعد المقابل لها وهي تبحث عن فرصة للهرب وأدتها المرأة بمهدها وهي تباشرها بسؤال صريح:
_ماذا تريدين من ابني؟
فتحت فمها وأغلقته عدة مرات تبحث عن إجابة فلم تجد، أظافرها تنهش كفيها وهي بالفعل لا تشعر بأي ألم.. جسدي؛
لكن المرأة لم تكن لتترك لها فرصة أطول للإجابة فأردفت:
_أخبرني ساري بظروفك كلها، وأريد إجابة سؤال لن أقبل بعدم حصولي عليها.
رفعت أنظارها إليها في ترقب، وبكل برود سألتها المرأة:
_أين هو أبوكِ؟ هل لا يعلم بوجودك؟
لترد رهف بلهجة رتيبة قد دَرَّبَت نفسها عليها مراراً عند تلقيها ذلك السؤال:
_ يعلم بوجودي ولا يعترف بي، تبرأ مني منذ سنوات وليس لدي ما يثبت أبوته لي.
ظهر الغضب على محيا سوسن وهمت بسؤالٍ آخر فسبقتها رهف:
_كان متزوجاً من أمي زواجاً عرفياً، إن كان سيشكل هذا فارقاً معك، لكن للأسف أمي قد فقدت العقد منذ سنوات ففقدت أنا معه الفرصة لحصولي على اسمي ونسبي وكل حقوقي.
تراجعت السيدة سوسن في مقعدها كما بدأ غضبها يتراجع دونما ملاحظة منها ليحل محله شيء لم تدرك كنهه بعد، بينما تابعت رهف بنبرة_رغم وجود الحرج بها_لم تخل من التهكم:
_ولو سألتني عن رأيي الشخصي فلا أجد فرقاً بين الزواج العرفي والخطيئة، كلاهما في الظلام وفي الخفاء، يعتمدان على الغش والخيانة، لا يرضى بهم رب ولا عبد، ويضيعون بهم حقوق غيرهم.
عقد الرد لسانها ففضلت الصمت متأكدة أن الفتاة لديها أكثر، فأردفت رهف بلهجة ساخرة أكثر.. حزينة أكثر:
_وإن سألتني السؤال المعهود في موقفنا هذا: “إن كنتِ مكاني ماذا ستفعلين؟ إن أخبرك ابنك أنه يريد الزواج من لقيطة عديمة النسب تحيط بها الشبهات من كل الجوانب وهو حفظه الله ذو مركز ومكانة وبار بأهله” سأجيبك بدون تردد بــــ”لا” ، لن أقبل أبداً، لأن مستقبله سيصبح مكللاً بالعار، وربما أولاده سيتحملون نصيبهم أيضاً، لذا فإجابتي القاطعة هي لا.
حدقت بها المرأة بدهشة، ورغماً عنها تسلل بعض الإشفاق عليها إلى قلبها بينما بدت رهف كمن وجدت فرصتها أخيراً للتعبير عن الظلم الواقع عليها ولن تفلتها:
_لديكِ إبنة، كيف تتقبلين وجود من هي مثلي معها بمكان واحد وببيت واحد؟ كيف تتقبلين أن تكون أم أحفادك لقيطة؟!
والكلمة الأخيرة خرجت دامعة متكسرة لكنها لم تأبه وهي تتابع:
_وهذا لا يعني أنني أعترف بخطأ لم أرتكبه مطلقاً، ولا أنني أحكم على من هي مثلي بنفس الحكم الذي يوقعه الجميع عليّ، لكن _وببساطة شديدة_ أنا لا أتحمل كوني أتسبب في الأذى للآخرين، خاصة إن كنت أهتم لأمرهم كثيراً.
ثم مسحت دمعاتها بسرعة مبتسمة بألم وأضافت:
_نعود إلى البداية، سألتني ماذا أريد من ساري؟ سأخبرك صراحة، لكن تذكري أن أمي ماتت وأنا طفلة وربما لم أتلقَّى التعليم الكافي للرد في موقف كهذا، فاعذريني إن كانت إجابتي وقحة قليلاً.
تعلقت نظراتهما ببعضهما وهي تتابع بدون ابداء أي رغبة في إخفاء دمعاتها:
_أحبه! بكل بساطة أنا أحب ساري، لم أجرب ذلك الشعور من قبل ولم أتمناه مطلقاً، أعلم أنه شيء يصعب تصديقه خاصةً أننا تقابلنا مرات قليلة جداً، لكن هذا ما حدث.
صمتت تتنفس بعمق، ثم بخفوت أضافت:
_ابنك كان أول إنسان أثق به منذ سنوات، أول إنسان أتكشف أمامه بحقيقتي فلا أخجل، أتدركين لِمَ؟
وبهمس باكِ أردفت:
_لأنه لم يشعرني بخزي أو نبذ، لم يشعرني برغبة في التخفي والهرب، لم يحاسبني على ما لم أرتكب، ولم ينظر لي بأية شفقة، نظراته كلها شفافة واضحة، يحبني أعلم ذلك بالرغم من الذعر الذي لمحته بعينيه بالمرة الأخيرة على الأخص.
صمت أطول حل بينهما، تنازعها مشاعر فقدان وشيكة ورغبة بالتشبث..
قلبها يصرخ بها: تمسكي؛
عقلها ينهاها بحزم: ابتعدي ولا تضريه، أجزاء ما منحك من شعور سامِ عاراً تلصقيه به طوال عمره؟
_هو أيضاً يحبك بالفعل!
أجفلت وهي تنظر للمرأة منتظرة توضيحا فأكملت عابسة:
_ساري، لم يحب أبداً، عِشنا حياة أصعب مم تتصورين وظروف لا يحب أحدنا تذكرها، كان يعمل منذ طفولته كي يساعد زوجي رحمه الله، ثم تحمل مسئوليتنا كاملةً بعد وفاته منذ الصغر، لم يهدأ يوماً، كان يدور هنا وهناك كي لا نشعر بالحاجة، نسى نفسه تماما..
ازدرت المرأة لعابها وتسارعت أنفاسها بتأثر شاركتها به رهف مع إضافة الفخر بنفس الشخص لكليهما، إلى أن تابعت الأولى بابتسامة حزينة:
_لطالما ألححت عليه بالزواج لكنه كان يرفض رفضاً قاطعاً مُتمسكاً بحجج واهية، حتى أنني توقفت منذ بضعة سنوات عن ذلك الإلحاح مؤمنة_بحسرة_ أنه لن يفعل إلا حينما يكتشف أن عمره ضاع وحيداً، وحينها سيتهور ويهرع إلى أول فرصة حتى وإن كانت غير مناسبة.
أعطتها رهف نظرة متوجسة صامتة فتابعت والدته:
_لكنه لم يطلب بحياته كلها سواكِ، لم يتمنَ شيئاً ولا شخصاً غيرك، حتى أنني متأكدة وبدون أن يعلنها صراحةً أنني إذا أصررت على رفضي فإنه لن يستبدلك بأخرى مطلقاً، ولهذا أجد نفسي مضطرة إلى التغاضي عن نشأتك وأوافق.
تهللت ملامحها كمحكوم عليه بالإعدام منحوه عفواً باللحظة الأخيرة بينما تابعت المرأة بحزم:
_لكن احذري!، إن تضرر ابني يوماً بسببك للحد الذي يكدر صفو حياته ويجعله يندم على ارتباطه بك لن أسمح له بالاستمرار معك.
تجاوزت الإهانة الواضحة وهي ترد بوعد صادق:
_صدقيني حاجة سوسن، إن أنا شعرت يوماً أنني سأتسبب بأبسط ضرر لساري سأرحل فوراً ولن يراني ثانية.
نظرت لها المرأة شزرا ثم زفرت بضيق ووقفت لتنصرف بدون تحية.
**********
_أنت إذن ذلك “الأخ!”
ضيق حمزة عينيه بحذر وهو يلاحظ الغيظ المتخفي وراء الملامح الباردة، وقف ساري ببطء مصافحاً إياه بلهجة رسمية بادله إياها وهو يجلس مُرَحِّبَاً، ثم تولى حمزة بداية الحديث مباشرة:
_أخبرتني رهف برغبتك في الزواج بها.
أزاح الغيظ البرود جانباً وساري يجابهه بقوة هاتفا:
_أنا أرى أن رهف تخبرك بأدق خصوصياتها بالرغم من أن الصلة بينك وبين ابنة خالها قد انقطعت!
لم يهتم حمزة لنظرة التحذير بعينيه وهو يخاطبه مُشدداً:
_رهف بمثابة أخت لي ولا تأثير لزواجي السابق على ذلك، وهي أيضاً تعتبرني أخاها وأحد الشخصين اللذين تثق بهما، أنت تعلم ظروف رهف كلها، تعلم أنها ليس لديها أب، وتركها خالها ترحل، لكن ما لا تعلمه أن لديها أخ حقيقي ليس بهين، يريدها ولن يتركها، يريد حمايتها ولن يسمح لأيٍ كان بأذيتها.
ضيق ساري عينيه وهو يميل بوجهه باتجاه حمزة قائلاً بسخرية:
_أخ آخر؟! عظيم عظيم!، أين كان ذلك الأخ إذن منذ البداية؟ كيف تركها تعاني الذل لسنوات حتى اضطرت للإقامة وحدها، لِمَ نبتت له فجأة مشاعر أخوية حانية؟
ليرد حمزة ببرود:
_لم يكن يعلم بوجودها إلا منذ بضعة أشهر، والآن يكافح حتى يكتسب ثقتها ويستعيدها.
تحولت النظرة الساخرة على وجه ساري إلى ابتسامة مماثلة ثم قال:
_انصحه بالصبر إذن! لا أعتقد أن أمنية ثقتها به ممكن تحقيقها بهذه السرعة.
_ماذا تريد من رهف؟
والسؤال خرج من حمزة قاطعاً آمراً، حتى أن ساري توقف قليلاً ونظر له بقوة مجيباً:
_بما أنك هنا بناءاً على إخبارها لك عني فأنت تعلم أنني أريد الزواج بها.
وبنبرة شك رد حمزة:
_مهندس محترم، صاحب نصيب بشركة كبيرة، مكانة مرموقة وسُمعة رائعة، يشيد به الجميع ويفخرون بأخلاقه ونزاهته، ألا تجد الأمر غريب بعض الشيء عندما تترك كل الفتيات ذوات الظروف المناسبة والخلفية الاجتماعية المشرّفة لتقترن برهف بكل ما يحيط بها؟
استرخى ساري بمقعده وهو يبتسم باستفزاز مُعلقاً:
_أرى أنك صدقت كونك أخيها وولي أمرها بالفعل وقمت بإجراء تحرياتك عني.
ثم مال مرة أخرى يقترب منه بنظرة منذرة ونبرة محذرة:
_لكن ألا ترى أن كلماتك تحوي إهانة لرهف؟ إهانة يلقيها بها الجميع؟ حتى أنت ترى أنها أقلّ من الارتباط بشخص مناسب؟ حتى أنت يا”أخ”؟!
عم الصمت لتدور بينهما حرب النظرات
نظرات مغتاظة؛
وأخرى قلقة؛
نظرات محذرة؛
وأخرى مشككة؛
نظرات مصممة؛
وأخرى أخيراً استسلمت!
ليقف حمزة ببطء مردداً بهدوء:
_جئت أخبرك مهندس ساري أن رهف ليست بمفردها، وأخبرك أيضاً بشيء آخر ربما خفي عنك.
حدق ساري بعينيه بترقب والآخر يتابع بلهجة مشددة:
_إن عانت رهف تقلّبك أو إن أكسبتها شعورا بالتفضّل عليها يوماً لن أقف متفرجاً، ولا أظن أن أخاها أيضاً سيفعل!
تشبع ساري بالمعنى المخفي لكلمات حمزة فزفر بابتسامة قائلاً:
_إذن لا يوجد ما يدعو للقلق.
مد حمزة يده مصافحاً إياه فبادله ساري المصافحة بكل سلام..
سلام انتزعه إعصاراً هائجاً اقتحم غرفة المكتب فجأة، فضغط أسنانه بغيظ بينما انتفض حمزة قافزاً رغماً عنه هاتفاً:
_بسم الله الرحمن الرحيم!
“أنت يجب أن تحل مشكلة ذلك المصعد يا ساري، لقد كُسرت نظاراتي الفخمة بسبب ذلك العُطل!”
وألقت الحافظة على سطح المكتب، بعدستين مفككتين وهيكل تم طحنُه!
_كم مرة سأعلمك طرق الباب ونحن بالشركة سارة؟! لقد أرعبتِ الرجل!
خرج هتاف ساري غاضباً فطأطأت سارة رأسها بحرج وهي تلمح وجود رفقة بصحبة أخيها، أما حمزة فقد انعقد حاجباه بحنق مدافعاً:
_أنا لم أرتعب، إنه رد فعل بشري تلقائي.
لم تهتم سارة بالرد على أخيها أو بالاعتذار من ضيفه، بينما كل ما كان يشغل عقلها حذاء أسود ضخم !
وبخفوت رددت وهي تدقق النظر به أكثر:
_إنه أنت! أنت من كسرت نظاراتي!
ثم رفعت عينيها إلى وجهه متابعة بغيظ واضح:
_أنت كسرت نظاراتي الفخمة باهظة الثمن، لقد كانت أحدث إصدار!
“آسف؟!”
وَرَدُّه خرج في هيئة سؤال أكثر منه اعتذار حقيقي عن اقتناع، بينما ينظر لساري يسأله بعينيه عن كيفية التصرف مع تلك المخلوقة الغريبة فيمط ساري شفتيه في إشارة إلى أن الأمر طبيعي تماماً!
والغيظ تحول إلى حنق في صوتها وهي تهتف:
_وبِمَ سيفيدني أسفك وقد أصبحت نظاراتي أشلاء بفضل قدميك الغريبتين؟
وبتلقائية وفضول أطال ساري عنقه مدققاً بقدمي حمزة ليشعر الأخير بالحرج وببعض الذنب!
_أنا حقاً لم أجد الوقت الكافي لإنقاذ نظاراتك الفخمة، أعتذر!
نزع ساري عينيه انتزاعاً عن قدمي حمزة وهو يسأل بنفاد صبر:
_ما الذي حدث سارة؟
وكطفلة غاضبة يتطاير الشرر من عينيها أشارت إلى حمزة شاكية:
_هذا الرجل دعس نظاراتي بحذائه حتى تحطمت تماماً، إنها النظارات التي أهديتني إياها مؤخراً يا ساري!
دار ساري حول مكتبه حتى توقف بجانبها وأحاط إحدى كتفيها بذراعه وهو يربت عليها قائلاً:
_لا تحزني، فداكِ كل النظارات، سأبتاع لكِ غيرها.
انتفضت للخلف رامقة أخيها بغضب وقالت:
_أنت السبب في الأصل، لو لم يكن مصعد شركتك معطل لما اضطررت إلى صعود الدرجات، ولم تكن نظاراتي لتتحطم تحت حذائه غريب الشكل.
وهتف بها الإثنان سويا:
_أنا السبب؟!
_حذائي ليس غريب الشكل!
هنا نظر ساري إلى حمزة بنبرة اعتذر متحرجة:
_لا عليك! هي فقط مندفعة قليلا ولم تتعمد مضايقتك.
وبذقنها أشارت إلى حمزة تسأل أخيها:
_من هذا؟
من بين أسنانه وبنبرة محذرة رد:
_إنه دكتور حمزة، بمثابة أخ لرهف.
ثم نظر إلى حمزة بابتسامة متكلفة معتذراً:
_إنها أختي سارة، وقد سقطت مراراً على رأسها أثناء طفولتها، لذا لا تؤاخذها.
اتسعت عينا حمزة بتوجس وهو يرى انقلاب ملامحها إلى النقيض تماماً إلى الابتسامة المنشرحة التي جعلت ملامحها أكثر جاذبية رغم طفوليتها، حتى أنه الآن فقط لاحظ لون عينيها الأخضر!
بينما اقتربت هي منه ببشاشة وترحيب هاتفة:
_أخ رهف؟!! أهلا أهلا، أرجو ألا تنزعج مني، كيف هي رهف؟ كيف حالها الآن؟
ظل حمزة محدقاً بها بدهشة، ثم التفت إلى أخيها عاجزاً عن الكلام فمط ساري شفتيه مرة أخرى ثم أشار على رأسه بحركة مُبطنة، فالتفت حمزة إليها مجيباً بكلمات بطيئة:
_هي بخير، وتبلغك سلامها.
اتسعت ابتسامتها وهي تلتفت إلى شقيقها هاتفة بفرحة:
_حقاً؟ أحدثتها عني يا ساري؟
هز أخوها رأسه نفيا بدهشة بينما تحدث حمزة بارتباك:
_لا! هي لم تبلغك سلامها بالفعل، إنه مجرد رد تلقائي.
مطت سارة شفتيها بحزن طفولي ثم انفرجت ملامحها مرة أخرى وهي ترد:
_لا عليك، قريبا سأتعرف عليها بنفسي وسنصبح صديقتين، بل أختين!
نظر حمزة له بتساؤل فتظاهر ساري بالتحديق إلى الجدار مُخفياً حَرَجُه، لكن سارة لم تكن لتقف عند هذا الحد وهي تسأل حمزة بتهور شديد:
_هل هي مثل الصور جمـ…..
ليقاطعها صياح أخيها الغاضب باسمها محذراً فابتلعت بقية كلماتها وهي تستدرك مبتسمة:
_حسناً، بالتأكيد سأعرف بنفسي.
ثم التفتت إلى شقيقها ولثمت وجنته قائلة:
_بالتأكيد أيضاً ستعوضني عن النظارات التي كسرها لي أخ خطيبتك.
خطيبتك؟!
والكلمة تسللت إلى قلبه لترسم ابتسامة على شفتيه وتقيم الأفراح بين دقاته.
حمحم حمزة بخشونة وهو يلاحظ شرود ساري قائلاً:
_سأنصرف الآن مهندس ساري، أستأذنك آنسة سارة.
وعندما هم بالإنصراف التفت إلى ساري مرة أخرى وفتح هاتفه قائلاً:
_سأعطيك رقم خال رهف، الأستاذ صلاح.
وبدون كلمة استمع ساري إلى الرقم وهو يومىء رأسه بشُكر، فانطلق حمزة هارباً من تلك المجنونة التي تنظر لهما بحماس زائد وتركها لتتلقى تعنيف أخيها بصمت تام!
**********
أنهت المكالمة الهاتفية مع أمها وهي تزفر بتعب، لقد سئِمت تلك المكالمات بينها وبين أمها وخالتها التي لا تنتهي، كيف يطلبان منها إقناع عَمَّار بالعودة الى الفيلا وهي نفسها لا تقتنع بذلك؟! كيف يعتقدان أنها قد تفرط في عَمَّار الجديد الذي يفاجئها يوماً بعد يوم؟
ليس ابن خالتها الكئيب؛
ليس صديقها الشارد؛
ولا هو بزوجها الناقم على الجميع المتقبل أي شيء في صمت.
إنما عَمَّار آخر.. مهتم، متفائل، حازم، ماكر، ومهووس باللون الأزرق!
ومن جهة أخرى هي تعلم تماماً أن هدفهما من ذلك الإلحاح أن يغير عَمَّار رأيه بشأن أخته، وهو ما أصبحت هي متأكدة من أنه لن يسمح به أبداً.
“ليتكِ ظهرتِ منذ زمن رهف، لقد أعدتِ إليّ عَمَّار الذي أحببته وبالصورة التي طالما رسمتها بخيالي!”
زفرت بحالمية لتجده فجأة يجلس بجوارها يكاد يلتصق بها فابتعدت قليلاً، لكنه اقترب بتصميم ومد ذراعه ليضعها على ظهر الأريكة خلفها فحاولت التظاهر باللامبالاة بالرغم من تأثرها الواضح على وجهها.
_فيم أنتِ شاردة؟
قالها باهتمام فأجابته بارتباك قائلة:
_لقد.. لقد كانت أمي تحدثني للتو.
وبنبرة قلقة سألها:
_أهي بخير؟
_نعم، كانت.. تطلب مني إقناعك بأن نعود إلى الفيلا، وأن تتصالح مع أبيك، يبدو أن لديه بعض المشاكل الخطيرة بالعمل حتى أنه يتعرض لبعض التهديدات أيضاً.
أطلق عَمَّار ابتسامة ساخرة دون مبالاة.. وهل توقفت تلك التهديدات أبداً؟!
منذ سنوات كان يقلق بسببها بالفعل، حتى أنه كان يصمم على عدم خروج تغريد من المنزل بمفردها وقام بالحرص على تحركاتها إلى درجة الاختناق أحياناً!
لكنه الآن بدأ يشك أن أباه يجذب الانتباه إليه بعدما بدأ مصنعه في التدهور بسرعة غريبة بالفترة الأخيرة.
طرد خيال أبيه من عقله ونظر لها بتدقيق متسائلاً:
_وبِمَ أجبتها؟
هزت كتفيها قائلة:
_وعدتها أنني سأتحدث معك.
عَمَّ الصمت للحظات وهو يحدق بعينيها ثم سألها بخفوت:
_وأنتِ ماذا تريدين؟
انعقد حاجباها بدهشة وهي ترد:
_ماذا تقصد؟
أعاد سؤاله بطريقة أوضح قائلاً:
_أقصد هل أنتِ تريدين العودة إلى ذلك المكان؟ أم تفضلين البقاء هنا؟ في بيتنا وحدنا؟
اتسعت عيناها هاتفة برقة:
_هل تطلب رأيي؟
ليبتسم لعينيها مؤكداً:
_ألستِ زوجتي وأم ابني؟ هذا القرار لا يخصني وحدي مَوَدَّة، أنتِ شريكة حياتي ومن حقك أن توافقي أو ترفضي.
وبنبرة أكثر خفوتاً أضاف:
_ألم أقل لكِ أنكِ روحي مَوَدَّة؟
تسارع تنفسها وتسابقت ضربات قلبها..
ما الذي يفعله بها؟
ما الذي يريده منها؟
إن كان ضميره قد استيقظ أخيرا ويشعر بالذنب فيكفي أن يعيدها صديقته فقط، لا تريد التعلق بأمل واه، لا تريد التطلع لأماني زائفة.
هَبَّت واقفة مبتعدة عنه لأقصى ركن بالغرفة فزفر بحنق متجهاً إليها:
_ماذا بكِ مَوَدَّة؟ لِمَ ابتعدتِ؟
التفتت إليه هاتفة بألم:
_ماذا تريد مني عَمَّار؟ إلى ماذا تهدف بمعاملتك الجديدة معي؟
صاح بها غاضباً:
_أريد العفو مَوَدَّة، أريد سماحِك، أريد فرصة أخرى، أعلم أنني كنت….
قاطعته بصراخ دامع:
_لا عَمَّار! أنت لا تعلم أي شيء، لا تشعر بجرح كرامتي وجرح قلبي، لن تدرك أبدأً الحرقة التي تنتابني منذ سنوات بسبب وجودك أمامي لكنك لست معي، أرى بعينيك صورة امرأة أخرى لم تحب غيرها، وأرى صورتي كخاطفة رجل ليس من حقها، أنا أكره حبي لك الذي لم ينقص ذرة واحدة منذ احتل قلبي عَمَّار، أكره قلبي الذي يتوسلك كي تسمع أنينه.
صمتت محاولة السيطرة على أنفاسها المتسارعة بينما حَدَّق هو بها بألم شديد ممتزجاً بنقمته على نفسه، حينما تابعت هي بصوت أكثر هدوءاً:
_أتعلم؟! بالرغم من أنك لم تخني بالفعل، لكن يجب أن نضع حد لتلك العلاقة المرهقة، أنت لا ترضى لي أن أتعذب بتلك الطريقة.
هنا تمسك بذراعيها هاتفاً بغضب لم تره إلا يوم واجه أبيه منذ سنوات:
_اسمعيني جيدا مَوَدَّة، لقد سبق واهتممت بفتاة لم يشأ الله إتمام علاقتي بها وانتهت تماما منذ سنوات قبل زواجي بك، لا تحاسبينني على فترة كنت فيها ضائعاً وأنتِ خير من يعرف معاناتي التي لم تنتهي حتى الآن ولن تنتهي إلا عندما أجتمع بأختي.
ثم خَفَّت قبضته على ذاعيها كما رَقَّ صوته وهو يتابع بِصِدق جلي وعشق واضح للأعمى:
_لكن.. لكن أنتِ مختلفة مَوَدَّة، أعلم أنني كنت عديم الإحساس لوقت أطول مما ينبغي في الواقع، لكنني ندمت، وأدركت الآن قيمتك لدي، أتعتقدين أنني أرى بكِ مجرد بداية لحياتي الجديدة؟
التزمت الصمت مكتفية بالانتظار فتابع يهُز رأسه نفياً:
_أستطيع البحث عن أخرى لم تشهد كل أخطائي وخضوعي وسلبيتي، أستطيع أن أتمسك بصورة عَمَّار الجديد التي لا يعرف أحد الماضى المخزي منها، لكن.. لكنني أريدك أنتِ مَوَدَّة، ليس لأنكِ زوجتي، ولا لأنكِ أم ابني، ولا لأنكِ تساعدينني على استعادة أختي، بل لأنكِ أنتِ مَوَدَّة، لأنكِ.. حبيبتي!
فغرت فاهها بذهول وهي تتطلع إليه، بينما يبدو أن الكلمة التي نطق بها فاجأته هو شخصياً قبلها، حيث رمقها بدهشة ثم ظهرت ابتسامة أخذت تتسع بالتدريج على وجهه وهو يردد بخفوت:
_حبيبتي!
ليكرر بلهجة متهللة:
_حبيبتي!
ويعيد صائحاً باكتشافه بفرحة عارمة:
_حبيبتي أنتِ! مَوَدَّة، روحي أنتِ وحبيبتي!
ظلا لبعض الوقت يحدق كلا منهما بالآخر ولا يريد أحدهما كسر سحر اللحظة، حتى تراجعت هي للخلف فترك ذراعيها مترقباً، بينما أعلنت الصدمة عن نفسها على وجهها بوضوح، ثم ما لبثت أن تهربت من عينيه المُصرتين على شيء لم ترغب_أو لم تتحمل_ تصديقه.
وبعد قليل تحدثت بخفوت:
_عَمَّار أنا.. أنا لازلت….
وبلهفة اقترب منها متوسلاً:
_أريد فرصة مَوَدَّة، فرصة واحدة أثبت لكِ بها صدقي، أثبت لكِ بها حبي فلا تَرُدّينني خائباً!
هزت رأسها بلا تعبير ممزقة بين خبرتها الطويلة معه وعدم ثقتها به وبين أمل بعينيه مشرق يَعِدُها بسعادة مقبلة ثم ما لبثت أن انصرفت مُسرعة ليبقى هو مكانه مبتسماً بدهشة غارقاً في اكتشافه الجديد والذي يشعر وكأنه أصح ما حدث له مؤخراً.
**********
“لقد قابلت تلك الفتاة التي تريد الزواج منها اليوم.”
ألقت سوسن تلك العبارة بهدوء على مائدة الطعام فحدق بها كلا من ساري وسارة بدهشة للحظات، ثم بادرت سارة بحذر:
_أين قابلتها يا أمي؟
باقتضاب ردت سوسن:
_ذهبت إليها في عملها.
“يا إلهي! أهو أحد الأفلام العربية القديمة؟!”
همست بها سارة بصدمة بينما_وبصوت متحشرج_ سألها ساري شاحب الوجه:
_بم تحدثتِ معها يا أمي؟ هل.. هل سألتِها عن والدها؟
رمقته أمه بنظرة حانقة وهي تهتف:
_لا تخف على حبيبة القلب يا ساري! لم أعذبها، لقد تحدثت معها كي أفهم منها قصتها.
شحب وجهه تماماً وهو يسألها باقتضاب:
_وماذا قالت؟
ثم أردف بِغضب قبل أن تجيبه:
_لقد أخبرتك بنفسي عن قصتها يا أمي، لِمَ أمعنتِ في إحراجها؟
هَبَّت سوسن واقفة وهي تهتف بغيظ:
_كان يجب أن أراها، أن أتحدث معها، أن أعلم هل هي تستحق تضحيتك أم لا؟
ليقف أمامها ثائراً كما لم تره منذ سنوات عدة:
_أي تضحية يا أمي؟ عن أي تضحية تتحدثين؟ أما يكفي نظرة الناس لها حتى تزيدي أنتِ في إيلامها؟ أنتِ تعلمين تماماً أنني لم أكن لأتزوجها بدون موافقتك، لِمَ إذن أهنتِها؟
والألم على وجه ابنها مزقها..
ألهذه الدرجة يا ساري أحببتها؟!
ألهذه الدرجة تتعذب خوفا من فقدانها؟! ورغماً عنها تسللت إليها بعض الغيرة.
لترد بعد قليل بخفوت:
_تزوجها يا ساري، أنا لا أرفض.
فانطلقت زغرودة حادة طويلة من أخته وهو لا يزال يستوعب ما قالته أمه، ليضع إحدى كفيه على فمها يخرسها وهو يطالع أمه ببلاهة متسائلاً ببطء:
_هل أنتِ جادة أمي؟!
هزت أمه رأسها إيجاباً وعدم الرضى يعلو ملامحها بوضوح، وبدلاً من أن ترى الفرحة بعينيه كما توقعت..وجدت وجوم!
بينما أزاحت سارة كفه وأطلقت زغرودة أخرى أعلى وأشد فلم يمنعها.
وبعد قليل بغرفته التقط هاتفه ثم عبث بأرقامه وانتظر عدة لحظات:
_مرحباً أستاذ صلاح، معك مهندس ساري، وأرغب بالتحدث معك بموضوع شخصي.
**********
“لقد اشتقنا إليكِ آنسة رهف.”
ابتسمت بضعف للطفلة الجميلة التي قلدت زملائها في وصف اشتياقهم إليها بعد غياب بضعة أيام هرباً، لكن ها هو سبب تهربها يجلس على مسافة قريبة ويبتسم لها ببراءة شديدة، لتتهرب هي بعينيها منه وتبدأ بإلقاء درسها على الأطفال حتى تناست بعضاً من همومها على وجوههم وبين ضحكاتهم.
وأثناء استراحة الفصل اقترب منها إياد فنظرت له بتوجس وهو يسألها بطريقته الفضولية المحببة:
_لِمَ كنت غائبة طوال تلك الأيام آنسة رهف؟
شردت بملامحه تحاول البحث عن أخرى قاسية، لكنها للأسف لم تجد إلا عينين كانت تحدق بمثيلتيهما بمنتهى الخوف منذ بضعة أيام حينما كانا يحملان نفس النظرة المشتاقة، لم تجد إلا ابتسامة ذكرتها بأخرى ارتسمت من أجلها حانية..
ما المشكلة إذن؟
أيعقل أنها تخاف من طفل؟! إنه طفل! ليس له ذنب في نسبه.. تماماً مثلها!
_آنسة رهف؟!
هزت رأسها محاولة إخفاء القلق المضحك على ملامحها وهي تجيبه:
_نعم؟
_لقد سألتك لِمَ لم تحضري تلك الأيام الفائتة؟
ردت بنبرة مرتبكة:
_كنت متعبة بعض الشيء.
ليرد الطفل بحزن بريء على ملامحه:
_شفاكِ الله وعافاكِ، عندما أمرض تقوم أمي بتقبيل مكان الوجع فيشفى فوراً، اجعلي أمك تفعل المثل معك.
ابتلعت غصة مسننة تسد حلقها وهي تومىء برأسها إيجاباً، فابتسم الطفل أكثر ثم ابتعد.
حدقت في إثره تحاول تحليل مشاعرها تجاهه..
إنه طفل!، مجرد طفل!..
لكنه ليس كأي طفل؛
هو ابن أخـ….
أغمضت عينيها طاردة الكلمة كلها بما تعنيه من عقلها، ثم أجبرت نفسها على لملمة شتات نفسها ومواصلة عملها.
**********
أنهى مقابلته مع أحد العملاء بخارج الشركة ثم تناول هاتفه ليهاتف والدته قبل عودته إلى المنزل، وحينها جاءه صوتها مهموماً:
_ما بكِ أمي؟
_لا شيء حبيبي، كيف حالك أنت؟
تملك القلق منه وهو يعيد سؤالها:
_أمي ما بال صوتك؟ هل أنتِ مريضة؟ هل أنتِ وحدك؟
ردت بلهجة حنونة:
_لا تخف عليّ بني، أنا فقط في انتظار مشكلة ما ستحدث اليوم ولا أعرف كيفية التصرف.
سألها عاصم بإلحاح متوتراً:
_أمي لقد بدأت أفزع بالفعل، أخبريني ماذا حدث؟
وصلته زفرة أمه الحانقة بوضوح وهي تجيب:
_تلك المرأة لن تهدأ إلا عندما تسبب فضيحة، وأنا أعلم أن سما تتعامل معها بهدوء فقط من أجلي، لكنني لن أستطيع السيطرة عليها للأبد.
وبدهشة رد عاصم:
_أية امرأة؟! وأية فضائح؟! أنا لا أفهم شيئاً أمي!
وبعد عدة دقائق كان ببيت أمه التي جلست بجوار سما وبرفقتهم ثلاثة أشخاص من ذوات الدم البارد ربما..!
التزم الصمت مفضلاً تحليل الموقف كاملاً قبل التدخل في شيء لا يعنيه على الإطلاق، وعلى بُعد بضعة أمتار شعر أنه إن دقق النظر سيستطيع رؤية دخان متصاعد من رأسها، أو ستتناثر أسنانها أرضا من فرط ضغطها عليهم، أو ستنتفض فجأة مُشهرة سلاحاً في وجه ذلك الشاب الذي يقفز العبث من عينيه بفخر غريب!
“هل نستطيع التحدث بمفردنا سما؟”
ألقى الشاب سؤاله بِأمل واضح، وبمنتهى البرود صدحت إجابتها حاسمة:
_لا!
نظرت السيدة دلال لها بغيظ ثم خاطبتها بِعِتاب:
_لا يصح ما تفعلينه يا سما، يجب أن تمنحي شريف فرصة، لا ينتهي كل شجار بين الرجل وخطيبته بالانفصال.
ابتسمت ابتسامة رغم برودها إلا أنها كانت لائقة بها أكثر من عبوسها الدائم قائلة:
_ليس خطيبي، ابنك لم يعد خطيبي منذ أشهر، لذا ما أفعله يصح تماماً.
هنا تدخل الأب تحت تأثير نظرة آمرة من زوجته قائلا بِمهادنة:
_يا سما، هو أخطأ ويعترف بذلك، ما رأيك إن تعارفتما من البداية، وكأنما لا خبرة سابقة جمعت بينكما؟
نظرت له سما باستهجان وكذلك فعل عاصم، لكنها سارعت بالإجابة بهدوء:
_أعرفه تماماً ، ابنك يعتقد أنه ذكي بشدة، يستطيع التلاعب بالفتيات وبنفس الوقت يحتفظ بي، آسفة عمي، أنا لا أقبل بذلك أبدا.
وبابتسامة أيقن عاصم تماماً أن صاحبها ليس بالواقع كما يحاول التظاهر بالكياسة والرزانة تحدث شريف:
_كانت زلة سما، ولن تتكرر أعدك، كما أن جميع الشباب في مثل سني لهم علاقات متعددة، إنه أمر طبيعي، أؤكد لكِ ذلك!
هنا التفتت سما فجأة إليه هاتفة:
_عاصم!
المرة الأولى!
إنها المرة الأولى التي تناديه باسمه!
لا يعرف لِمَ لفت شيء مثل هذا انتباهه لكنه رد مسرعاً:
_نعم سما؟!
لتفاجئه ثانية وهي تسأله باهتمام شديد:
_هل لك علاقات بأكثر من فتاة بوقت واحد؟
وبرغم دهشته فإنه بسرعة مماثلة هز رأسه نفياً هاتفاً:
_أنا ليس لي علاقات بأية فتيات سوى بمريم أختي وسارة ابنة خالتي.
ثم تمتم هامسا لنفسه:
_على اعتبار أن الأخيرة فتاة!
لكن سما التفتت مرة أخرى إلى خطيبها السابق هاتفة بابتسامة مستفزة:
_أرأيت؟! هذا شاب بمثل سنك ومهندس محترم، لا يتعرف على الفتيات بدون داعِ ولا يخدعهن.
ثم هبت واقفة مخاطبة الجميع بصوت قوي:
_عذراً شريف، أنا لا أقبل بك شريكاً لحياتي تحت أي ظرف، أرجو أن تكون تلك هي المرة الأخيرة لِذِكر هذا الأمر.
وقفت الأم تنظر لها بغيظ واتجهت إلى الباب ليتبعها الأب فورا، لكن شريف تقهقر وهو ينظر لسما بتوسل قائلاً:
_سما، أنتِ تعلمين أن مكانتك لدي مختلفة، أنتِ لست مثل الأخريات، أنتِ…..
حسناً! لقد تمسك بالصمت منذ نصف الساعة لكن ذلك اللحوح أثار أعصابه إلى الحد الأقصى ليجد نفسه يهتف به بحنق مقاطعاً:
_هل لديك صعوبة في الفهم يا هذا؟
نظر له شريف بتحفز:
_عفوا؟! ماذا تقصد؟
ليجيبه عاصم بابتسامة مفتعلة يخفي بها الغيظ الذي بدأ بالتملك منه:
_أقصد أنها أوضحت انعدام رغبتها بك أكثر من مرة، لكنكَ_ولا أقصد حسداً_ مثابر ولحوح إلى أقصى درجة.
نقل شريف نظراته بين عاصم وسما المبتسمة باستمتاع شديد ثم سأله حانقاً:
_ما صفتك أصلاً؟ لِمَ تتدخل بالأساس بيني وبينها؟ وكيف تتحدث معي بهذا الشكل؟!
وضع عاصم يده على رأسه بأسف مفتعل وهو يرد:
_ألم أعرفك بنفسي؟! يا لذاكرتي الضعيفة!
ثم رسم ابتسامة واسعة وهو يمد كفه تجاهه مصافحاً فوضع شريف يده بها بتلقائية مندهشاً، ليبدأ عاصم بنبرة مهذبة:
_معك المهندس_قليل الذوق، عديم الإتيكيت_، عاصم عبد الرحمن شخصياً!
وبلحظة محا ابتسامته ليضع محلها نظرة صارمة مخيفة مشدداً على كل كلمة بشراسة:
_والآنسة سما في حمايتي!
ارتسم الغضب على وجه شريف وهو يتجاوزه بنظره إلى سما الواقفة خلفه والتي تتضح عليها مظاهر السعادة الفائقة، فعاد إليه بعينيه وهو ينزع كفه منه متسائلاً بحنق:
_هل أنت خطيبها؟
عقد عاصم حاجبيه دهشة ثم التفت إلى سما التي جعلتها الكلمة ترمق شريف ببلاهة مستنكرة، حدق بها للحظات متأملاً ثم التفت مرة أخرى إلى شريف…
وببساطة رد مبتسماً:
_بالطبع أنا خطيبها!
********