رواية سكن روحي الفصل الثاني عشر 12 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

رواية سكن روحي الفصل الثاني عشر 12 بقلم سعاد محمد

 

الجزء الأول
*عودة*
**********
ظالم أم مظلوم أنا؟
جانٍ أم ضحية أنا؟
رُبما تلقين السؤال مُنتظرة مني إجابة شافية..
رُبما تتوقعين مني اعترافات كافية..
لا أدري سيدتي حقاً ما هي خطوتي التالية!
أمامك..
هل أُدافع عن نفسي؟
أمامك..
هل أسوق مُبررات؟
أو رُبما تشفقين على حالتي فتمنحيني عفواً لم أطلبه يوماً مِن سواك…
**********
“مرحباً رهف، كيف حالك يا ابنتي؟”
حدَّقت رهف بها مليَّاً دون أي رد
ذاهلة..
صامتة..
لا تدري ما يجب عليها قوله!
أتطلب منها أن تنصرف؟!
أم ترد تحيتها وتتعامل معها بطريقة طبيعية؟
أم تتجاوزها وتنصرف هي؟
أنقذتها مَوَدَّة وهي تأتي من خلفها هاتفة بترحيب:
_أهلاً وسهلاً، من تكونيــ…
وبترت عبارتها فور أن تذكرت رؤيتها بالزفاف، نقلت نظراتها بين سوسن ورهف بدهشة وقلق فردت سوسن بهدوء:
_أهلا بكِ ابنتي، أعتقد أنكِ تذكرتني بالفعل.
صمت طويل للحظات مُعبَّأ بالحيرة وسوسن ورهف تحدقان لبعضهما، بينما احتارت مَوَدَّة في كيفية التصرف..
أما سوسن فقد شردت بعقلها في يوم فقدت فيه الزوج والحبيب وطفلين، ثم كادت أن تفقد ابنها الأكبر وسندها على يد مجرم واحد.. هو والد هذه الفتاة.
وشردت رهف بعقلها في يوم آخر، كان من المفترض أنه أفضل أيام حياتها، عندما تم تمزيق قلبها على مرأى من الجميع، كل ذلك حدث على يد رجل واحد.. هو ابن هذه السيدة.
حبيبها!
سار….
“لا رهف إياكِ!”
تدخلت مَوَدَّة قائلة بتهذيب:
_تفضلي سيدة أم ساري.
أغمضت رهف عينيها واسمه الذي حَرَّمَت حروفه على مسامعها ولسانها منذ أشهر يتخلل كيانها ليُذكِّرها بما اشتاقت إليه..
“إياكِ رهف إياكِ!”
اضطرت لاتباع مَوَدَّة وسوسن إلى غرفة الاستقبال وجلست بجانب زوجة أخيها صامتة، فما لبثت الأخيرة أن استقامت هاتفة:
_استأذن منكِ أم ساري لحظات.
مُجدداً مَوَدَّة؟!
اسمه مُجدداً؟
_كيف حالك رهف؟
والسؤال كان الافتتاحية اللازمة لأثقل حوار على قلبها، فما كان من رهف إلا أن ردَّت بوجوم:
_بخير تماماً سيدة سوسن، شكراً.
لحظات مرت ورهف تحدق بها بكل برود ولامبالاة، حتى وقفت المرأة ثم جلست على الأريكة بجوارها تماماً فنظرت لها رهف باستغراب، إلا أن سوسن أمسكت بكلتا يديها وهي تتحدث بهدوء:
_اسمعيني جيداً رهف، لقد ظلت سارة تبحث عن عنوانك طيلة الأشهر الماضية ولم تحصل عليه سوى بالأمس فقط..
سارة؟!
تلك الفتاة الرقيقة خفيفة الظل التي تهيأت كي تكون أختاً لها بعدما نبذتها دينا لسنوات بإصرار؟
تلك الفتاة التي كانت تخبرها مثرثرة بكل تفاصيل سا….
“توقفي رهف!”
لكن الله عوضها بمَوَدَّة ثم تغريد، يجب ألا تحزن إذن!
سألتها رهف بلا تعبير:
_ولماذا تبحث ابنتك عن عنواني؟
“الطريق ليس سهلاً أبداً.”
هكذا فكَّرت سوسن وهي تنظر إلى ملامح الفتاة التي كانت يوماً مُحتاجة مُتوسلة، والآن صارت قوية واثقة، مجروحة وهذا واضح، لكنها تظل واثقة.
زَفَرت سوسن بِتَعَب ثم قالت:
_سأخبرك رهف، سأخبرك بكل شيء!
هتفت رهف برفض قاطع:
_أنا لا أريد أن أعرف أي شيء، لم يعد لديكم ما يخصني أو أهتم به على الإطلاق.
لتدمع عينا المرأة بضعف وألم وهي تقول برجاء:
_أرجوكِ رهف اسمعيني، أنا لا أطلب منكِ أي شيء، فقط بضعة دقائق لتسمعيني.
ازدردت لُعابها وهي تنظر إلى دمعات المرأة ثم تلقائياً اجتذبت بضعة محارم ورقية من فوق الطاولة القريبة ومدَّت يدها إليها بدون كلام فأخذتهم المرأة بشكر خافت.
بعد قليل تحدثت سوسن بإرهاق قائلة:
_أنا هنا اليوم من أجل أمرين: الأول: اعتذار واجب مني على كلامي معك بالمرة الأولى التي قابلتك بها.
ابتسمت رهف بسخرية مُعلِّقة:
_أتقصدين تلك المرة حينما حذرتِني من تكدير حياة..ابنك؟ لا عليكِ! لا تهتمي! أظن أن الجميع بات يعلم حقيقة الوضع حالياً.
تجاهلت سوسن سخريتها المُبطنة موقنة بأن لديها كل الحق فيما تقوله، ثم رددت بخفوت:
_الأمر الثاني: هو التوضيح الذي لم يقدمه إليكِ أحد.
همَّت رهف بالتحدث فأوقفتها سوسن بإشارة مُتوسلة من كفها مُتابعة:
_أنا لن أطلب منك أبداً أن تسامحيه، إن حدث لسارة ما حدث لكِ بسبب ابني ربما كنت قتلت الجاني.
والصدق بعيني المرأة أخرسها وجعلها تستسلم لكلماتها، حيث شردت بسنوات إلى الخلف وهي تتحدث بشجن:
_كنت أحب صبري رحمه الله حُبا جماً منذ مراهقتي واعتقدت أنه لا يراني أبدا، إلا أنني فوجئت ذات يوم بأبي يخبرني بأنه يريد الزواج بي.
صمتت سوسن قليلاً وهي تبتسم لتُدقق بها رهف بفضول حتى تابعت:
_تزوجنا وعشنا أياماً جميلة سوياً ثم رزقنا الله بساري.
تشنجت رهف مع ذكر اسمه وهي تُغمض عينيها وتستمع إلى حديث المرأة:
_ظللنا لأعوام بعدها نحاول الإنجاب مرة أخرى ولم ننجح، وعندما أصبح ساري عمره 8 أعوام رزقنا الله بسارة و.. سامر.
فتحت رهف عينيها فجأة بدهشة متسائلة:
_من سامر؟
ابتسمت المرأة بألم شديد:
_توأم سارة، كلا منهما عانى شيئاً مختلفاً، فبينما تأخرت سارة في الكلام حتى ظننا أنها خرساء، سامر اكتشفنا ضرورة إجرائه جراحة عاجلة بالقلب وهو في عمر السادسة، حينما كنتُ أنا أتهيأ لوضعي طفلتي سلمى.
شهقت رهف هاتفة بذهول:
_سلمى؟!!
ازداد هطول دمعات المرأة وهي تُعقِّب:
_كان من المفترض أن يكون لدي زوج رائع مُحب، وأربعة أطفال، وفي يوم واحد فقدت زوجي، وابني، وطفلة لم أحملها إلا جثة.
هبَّت رهف واقفة بصدمة وتسارع تنفسها وهي تسألها:
_هل.. هل كان حادث ما؟
ابتسمت المرأة من بين دمعاتها وهي تُجيب:
_بل شيطان في هيئة إنسان، دخل بيتي وقتل الجنين، ومات ابني وزوجي بسببه.
“أتسألين عن قلبي؟!”
وبالرغم من أن الإجابة بدأت تُعلن عن نفسها على استحياء إلا أنها سألتها بصوت مبحوح:
_مَن هو؟
لتنظر لها سوسن بعذاب مغمغمة بخفوت شابه الحقد الصارخ:
_شديد محمود الناجي!
“أنا لا أملك واحداً، لقد دفنته في نفس القبر مع أبي وأخي وأختي الرضيعة.”
سقطت رهف على الأريكة والفَهم يغزوها بهدوء..
هذا هو السبب؟!
كان ينتقم من الرجل الذي يرفض إلحاق اسمها باسمه بعد أن دمَّر أسرته؟
الآن فقط فهِمَت، الآن فقط وجدت الإجابة على سؤالها الوحيد:
“لِمَ؟!”
لكن سوسن تابعت بصوت متقطع:
_ساري الذي كان هو عمود البيت مع أبيه لم يتحمَّل الصمت، فذهب إليه بمصنعه بين رجاله وهدده أنه سينتقم منه.
“أتسألين عن روحي؟!”
صمتت المرأة فنظرت رهف إليها تتوسلها بعينيها المذعورتين بالتوقف عن الكلام عند ذلك الحد رفضاً لسماع القادم، لكنها خلافاً لذلك استحثتها تلقائياً بخفوت:
_ثُمَّ؟
ذهبت الابتسامة الساخرة ليحل ألم وحسرة وعذاب بعمر ثمانية عشر عاماً، فاستأنفت سوسن بصوت مُتكسِّر:
_ثم اختطفه شديد إلى مكان مجهول، ولمدة ثمانية أيام لم أعلم شيئ عن ابني وسندي سوى أنه شُوهد للمرة الأخيره بمصنعه، فتوقعت أنني لن أراه أبداً ثانية.
“هي لازالت هناك، حبيسة قبو مظلم، معلّقة بسوط ينهال على جسدي ليبعثر كرامتي ويمزق رجولتي!”
تلهث..ودمعاتها تهطل؛
وتلهث..وقلبها يدق؛
وتلهث..وتبكي.. وتلهث.. وروحها تختنق؛
“يا إلهي!”
لكن المرأة التي أصبحت في زمان آخر ومكان آخر أردفت بصوت متحشرج:
_أنا لم أعلم مُطلقاً ما الذي حدث لساري بذلك المكان الذي اقتاده المجرم إليه، فهو لم يعُد حتى الآن منه كي يخبرني، لكنني لَمَحت نبذة مم وقع له هناك على جسده ذات يوم صدفة!
وضعت رهف كفها على شفتيها تكتم بكاءاً مُنفلتاً؛
قلبها يصرخ..
لقد مات أخوه أمامه!
لكن.. “رحبوا معي بشديد بك الناجي والد زوجتي والذي لا يريد الاعتراف بها.”
عقلها يصرخ..
لقد ماتت أخته الرضيعة أمامه!
لكن..” أنا لا أستطيع تحمل نتائج أفعالك أنت.”
كل ما بها يصرخ..
لقد مات أبوه أمامه ثم تم تعذيبه!
لكن.. “أنتِ طالق!”
يا إلهي!!!
ما هذا العذاب الذي تعانيه؟!
وما هذا العذاب الذي يعانيه؟!
و”لِمَ؟!”
وضعت رأسها بين كفيها لتنهار في بكاء مرير حتى شعرت بالمرأة تجتذبها إلى حضنها مُربتة عليها و…
لحظة!
هذا الحضن مُختلف..
ليس كحُضن عَمَّار أو مَوَدَّة، هو حقاً مُختلف، لم تذُقه يوماً والآن تُريد التشبع به!
استسلمت تماماً لذراعي المرأة وهي تتنعم بأحضانها الدافئة الحنون بينما الأخيرة تعتذر لها:
_سامحيني ابنتي! سامحيني أنني لم أكتشف نيته مُبكراً، سامحيني أنني لم أستطع إنقاذك.
وبِمَ ترد؟.. لا رد!
سوى الاستسلام لذراعيها..
وعند باب الغرفة وقفت مَوَدَّة مصدومة تشاركهما دمعاتهما وهي لا تتخيل أن الرجل الذي اعتبرته يوماً بمنزلة عمها يُخفي شراً وظلاماً وإجراماً هكذا.
**********
“ولِمَاذا لم تصعدي إليها مع أمك؟”
هتفت بها سما هاتفياً باستغراب لسارة الواقفة أسفل البناية التي صعدت أمها إليها منذ قليل، لترد سارة بضيق:
_لا أعلم سما، خائفة ربما، مُحرجة، لا أدري.
خاطبتها سما بنبرة هادئة:
_لن يحدث شيء، هيا اصعدي واعتذري وكوني شجاعة، ربما أنتِ لم تؤذِها لكنكم جميعاً مدينون لها باعتذار.
زفرت سارة بتعب وعيناها مُتعلقتان بمدخل البناية ثم سألتها كي تُغير الموضوع:
_ماذا تفعلين في البيت في تلك الساعة؟ لِماذا لم تذهبي إلى العمل؟
عم صمت قليل للحظات ثم أجابتها سما هامسة:
_لقد تركت العمل!
انتبهت إليها سارة قائلة على الفور:
_حقاً؟! هكذا أفضل، لقد كان مديرك متعنتاً للغاية، لا أدري كيف صبرتِ عليه إلى الآن!
لم ترد سما التي يبدو أنها شردت تماماً فتابعت سارة متسائلة:
_إذن متى ستبدئي العمل معنا؟
جاءها رد سما هادئاً حزيناً بعض الشيء:
_أنا لن أعمل بشركتكم سارة، سأبحث عن عمل بمفردي.
هتفت بها سارة بنزق:
_أنتِ تعلمين أن خطيبك لديه نصيب بتلك الشركة أليس كذلك؟
ردت سما ببطء:
_أعلم سارة، أعلم جيداً، ولا يُشكِّل ذلك لديَّ أي فارق.
خاطبتها سارة بإشفاق:
_ماذا فعل بكِ ذلك الأخرق يا سما؟ لماذا هذا الحزن بصوتك؟ لو فقط تُخبريني سأجعله يكره أيامه ويندم أشد الندم.
جاؤها صوت سما المرح بافتعال واضح:
_وهل أنا سأبكي باستسلام إذا ضايقني، لا تنسِ أنني أستطيع الدفاع عن نفسي جيداً!
ثم تابعت بسرعة كي تُنهي ذلك الحوار:
_سأذهب إلى أمي سارة لأنها تناديني، تشجعي يا فتاة واصعدي إلى رهف.
أنهت سما المكالمة بسرعة لتجلس على فراشها مُحدِّقة في اللاشيء..
منذ أكثر من أسبوعين لم تره، ولم تتشاجر معه، لم يُبهرها بقُدرته الماهرة على استفزازها..
منذ حوارها الأخير معه بالمطعم وانهيار حُلمها الوليد به وقد أصبحت…
يائسة!
نعم هي يائسة؛
وغاضبة!
غاضبة من نفسها أكثر منه، لم تفهم حتى الآن ما الذي حدث ليحتل تفكيرها ومشاعرها التي اكتشفت وجودها بسببه في الأصل!
حياتها كلها كانت مُكثَّفة لرعاية أمها والعمل، حتى عندما خُطِبَت لشريف لم تشعر مُطلقاً بقلبها يدق من أجله، ولهذا سَلَّمت أنها ليست مثل مُعظم الفتيات..
مشاعرها فاترة..
قلبها يضخ الدم بعروقها فقط..
ثم ظهر هو!
عاصم عبد الرحمن.. عدُوَّها والخطر الذي يهدد بسرقة أمها منها!
ما الذي حدث فجأة إذن؟!
خطبة مزيفة؛
ثم اكتشاف جوانب أخرى ليست سيئة تماماً بشخصيته؛
فبصرف النظر عن غبائه الواضح كنور الشمس..
حنون هو، ومُراعِ هو..
لتجد نفسها كالبلهاء أصبحت تنتظر حضوره، ثم تحاول لَفت انتباهه، ثم يجد قلبها لنفسه وظيفة أخرى بخلاف ضخ دمها..
يدق حين تسمع اسمه؛
يدق أكثر حين تسمع صوته؛
يدق أكثر وأكثر حين تراه؛
يرقص بين أضلاعها حينما يبتسم لها!
أحبته؟!
لا بالطبع هي ليست مثل جميع الفتيــ……
كفى هراء، بالطبع أحبته!
لكن…
يبدو أن قلبه لم يكن بنفس المكان معها، فهو مُتمسِّك بوظيفة ضخ دمائه فقط!
**********
“اهدئي حبيبتي، سيُغشى عليكِ.”
رددتها مَوَدَّة دامعة العينين بخفوت وهي تحتضن جسد رهف الباكية بين ذراعيها على فراشها..
رهف التي عادت أكثر من أربعة شهور ونصف إلى الخلف، حيث تلك الليلة المشئومة..
زفاف..وطلاق؛
واليوم صدمة!
اليوم فقط تنهار تماماً، اليوم فقط حصلت على إجابة سؤالها، وحصلت أيضاً على تفسير لنظراته التي لم تفهمها قبل أن ينبذها أمام الجميع.
اليوم فقط تريد الصراخ بأعلى صوتها دون أية وسادات تكتمه بها.
والآن بالتحديد تريد أن تراه؛
تريد أن تصفعه وتصفعه بعدد كل الكلمات والنظرات التي اغتالتها في تلك القاعة بسببه!
ثم..
تريد أن تضُمُّه إلى قلبها وتُربِّت عليه وتُخفف عنه عذاب عمره!
الآن هي مُمزقة؛
مُشتتة؛
ترغب بالشيء والنقيض منه تماماً؛
ماذا تفعل؟!
_ماذا أفعل مَوَدَّة؟! أخبريني ماذا أفعل؟ أنا لم أسامحه، لكن.. لكنني الآن أفهم، أفهم جزء من شعوره، لكنني لا أستطيع مسامحته، أموت مَوَدَّة، أنا أموت، ليتها لم تأتِ، ليتها لم تُخبرني، ليتها تركتني مُقتنعة أنه ظالم فقط، أنه مُخادع وكاذب، ليتها تركتني أكرهه.
أحاطت مَوَدَّة وجهها بكفيها متسائلة:
_وهل كرهتيه حقاً رهف؟
أغمضت رهف عينيها تنشج ببكاء مُعذب صارخة:
_أعشقه مَوَدَّة، أعشقه ولم أستطع التخلص من ذلك العشق مُطلقاً!
اقتحم عَمَّار الغرفة وقد وصل لتوُّه من العمل بعد أن هاتفته مَوَدَّة تُخبره بما حدث، هاتفاً:
_رهف! حبيبتي، ماذا بكِ؟
احتضنها بحنان مُشِوِّب بالقلق فرفعت رأسها تنظر إليه مُتسائلة:
_هل كنت تعلم عَمَّار؟ كنت تعلم ما فعله ذلك الرجل بـ.. بساري وأسرته؟
واسمه الذي انطلق على لسانها بعد خصام أربعة أشهر ونصف جعلها تشهق ببكاء..
مُشتاق.. عاتب؛
مُحتاج.. لائم!
لكن نظرة عَمَّار النادمة أعطتها الإجابة دون أية كلمات لتغطي وجهها بكفيها لتجهش ببكائها المُعذَّب، حتى أخذ أخوها يُربت عليها بحنان ثم تحدَّث أخيراً بهدوء:
_كان من المُفترض أن نُصبح أصدقاء.
رفعت رأسها إليه باستفهام فتابع:
_أصغر مني بعام واحد هو، كنت أراه في المصنع يومياً ينقل الأخشاب على سيارات التُجار مُقابل مبلغ زهيد، في البدء استغربت بشدة، كان يحمل ثلاثة من ألواح الخشب على إحدى كتفيه وتساءلت دوماً كيف يُمكنه حمل هذه الأثقال بمنتهى البساطة؟
صمت ثم ابتسم مُتابعاً:
_في إحدى المرات حاولت حمل لوح واحد في الخفاء فسقط على قدمي وأصابني بجرح.
نظرت له المرأتان إحداهما بحنان والأخرى بقلق من القادم، فأكمل:
_ظللت أراقبه لأيام متواصلة، ورغماً عني شعرت بالإعجاب بقُوته، كنت أرغب بالتقرب منه لكني خِفت من تعنيف أبـ.. شديد بك، حيث كان دائماً ما يمنعني من التحدث مع الأقل شأناً كما يقول.
اجتذب نفساً طويلاً ثم عقَّب بحزن واضح:
_ وفي أحد الأيام تجرأت وتسللت بعيداً عنه لأتحدث مع.. مع ساري.
دمعتان تسللتا منها بصمت لم ينتبه هو إليهما وهو يستأنف حديثه:
_كان اليوم الأخير باختباراتي واختباراته، وبينما كنت أنا أحتفل بالجهاز الإلكتروني الجديد الذي ابتاعه لي شديد بك، كان ساري يحتفل بحمل الأخشاب كي يكتسب بعض النقود الزهيدة.
وابتسامة منه ساخرة أخرى وهو يتابع:
_حاولت التقرب منه عن طريق طلب نصيحته بالعمل مثله ثم إغرائه بمشاركته اللعب على جهازي، ويبدو أنني نجحت، فقد رأيت الفضول بعينيه مُختلط بالانبهار وبعض الــ..الحرمان.
شهقتها الباكية ودمعات زوجته المسترسلة لم توقفنه عن الحديث مبتسماً بحسرة:
_أسدى لي بعض النصائح عن كيفية المُساومة حتى أستطيع جني مبلغ جيد.
وبخفوت ساخر أردف:
_لم يكن يعلم أن ذلك المبلغ الذي يراه هو أقصى طموحاته بنهاية كل يوم شاق، أحصل أنا عليه كل صباح قبل أن أخرج من فراشي!
ارتسم الامتعاض فوراً على ملامح عَمَّار وهو يتابع:
_وقبل أن أوطد علاقتي به تدخل شديد بك فوراً وأهاننا سوياً أمام العمال، بينما اضطر ساري إلى التخلَّي عن الجهاز كي يحصد بضعة جنيهات إضافية!
لم يعد عَمَّار بالفعل يستمع للبكاء الأنثوي بجانبه وهو يتابع بقسوة:
_ظللت فترة أذهب إلى المصنع معي جهازين إلكترونيين كي أشاركه اللعب لكنه لم يأتِ، وفي يوم ما رأيته، رأيت ساري ينطلق إلى باحة المصنع صارخاً وبيده سكيناً صغيرا يُهدد به شديد بك مُتهماً إياه بأنه قتل أبيه وأخته وأخيه.
صمت قليلا يجتذب أنفاساً ثائرة وأولاهما ظهره ثم تابع بقهر:
_وتكالبت عليه الوحوش فجأة يتملَّقون رئيسهم عن طريق ضرب فتى بعمر أبنائهم، لدقائق انهالوا عليه بضرب مُبرح بدون توقف.
ودمعتان سقطتا من عَمَّار من عينين..
شاردتين؛
مُتألمتين؛
مُحمَلَتين بالذنب!
_كنت هناك، رأيتهم وهم يُهينونه ويسحقون كرامته تحت أحذيتهم، لكني حاولت.
استدار إليهما بعينين نافيتين تهمة لم تُلصِقه أحدهما به:
_والله رهف حاولت، والله مَوَدَّة حاولت، كنتُ في الخامسة عشر فقط ولم أكن قوياً بما يكفي كي أصدهم عنه سريعاً، وأخيراً نجحت، لكن..
والدمعتين أصبحتا أربعة..
ثم ستة؛
ثم أنهاراً؛
واستأنف بِحسرة:
_تشوَّه وجهه بفعل قذارات أحذيتهم، تشوهت ملابسه بدمائه، لقد.. لقد تطلعت بعيني إلى دمعاته المقهورة الهاربة من جفونه المُغلَقة، فحمدت ربي أنه لم يفتحهما!
بحثت رهف عن صوتها كي تطلب منه التوقف لأنها بدأت تشعر بالدوار فعلاً لكنه تابع بصياح:
_ثم اختفى ساري، بمنتهى البساطة اختفى، وفي اليوم التالي رأيت أمه تصطحب أخته الصغيرة الخرساء المُتبقِّية لها وتتوسل عُمَّال المصنع باكية كي يخبرونها عن مكان ابنها فلم يهتم بها أحد.
صمت آخر ثم متابعة:
_وعلمت بعد أكثر من أسبوع أنه عاد، وعلمت بعد أكثر من أسبوع أنه اِختُطِف، وعلمت بعد أكثر من أسبوع أنني يوماً ما سأراه ثانية، ربما ليقتلني أنا أو ليقتله هو!
بصوت مبحوح طلبت:
_كفى عَمَّار، لا أريد سماع المزيد!
هنا عاد عَمَّار إليها بهتاف غاضب:
_كنت سأسامحه لو انتقم بأي طريقة رهف، أي طريقة حتى لو طلب مني أن أشهد ضد شديد بك، لم أكن لأتردد فهذا حقه، لكنني مُطلقاً لن أسامحه على ما فعله بكِ أنتِ، أنتِ لستِ مُذنِبَة..
نظرت له رهف بضياع وبنفس بحة صوتها ردَّت:
_بالفعل لستُ مُذنِبَة عَمَّار..
صمتت قليلاً ودمعاتها تسيل بسخاء ثم تابعت:
_لكن أخبرني ما ذنبه هو أيضاً؟ أخبرني ما شعوره وعائلته تتدمر أمامه بيوم واحد؟ أخبرني ما شعوره عندما يُهان أمام الجميع لأنه فقط طالب بالقصاص؟ كان لايزال صبياً!
والكلمة الأخيرة خرجت بهمس باكِ فسألها بغضب:
_هل سامحتِه رهف؟!
هبت واقفة وهي تصرخ به:
_لا! لم أسامحه! لقد خذلني، لقد حطَّم قلبي وأحلامي معه، أنا.. أنا لم أكن أفكر أصلا بالزواج يوماً، كنت راضية بوحدتي حتى ظهر هو ليمنحني الأمل والحب، ليجعلني أُجرب شعوراً بالسعادة والأمان والحياة.
صمتت وتهدلت كتفيها بانهزام:
_لكن.. أتعتقد أنه حصل على الأمل والحب يوماً؟ أتعتقد أنه جرَّب بحياته شعوراً بالسعادة أو الأمان أو الحياة؟
صمت تام بين ثلاثتهم إلا من أصوات أنفاسهم الثائرة، لكن مَوَدَّة هي من أمسكت بزمام الحديث فجأة بصرامة:
_تحبينه رهف، تحبين ساري، هو أيضاً يُحبك، لقد ظلمِك بأقسى الطرق، أنتِ الضحية هنا، لم تُسيئي إليه مُطلقاً.
نظر لها الاثنان بترقب، أعطاها عَمَّار نظرة مؤازرة بينما ارتسم الحزن بعيني رهف، فاستكملت بنفس الصرامة:
_هو ليس ملاكاً، وأنتِ لستِ ملاكاً، لا أحد منا ملاكاً، أتعتقدين أن عَمَّار لم يجرحني يوماً؟ أتعتقدين أنني لن أفعل أبداً؟
عقد عَمَّار حاجبيه بتوجس بينما انتبهت لها رهف باهتمام فيما تابعت بِحزم:
_كلنا نجرح رهف، ولا يملك جميعنا القدرة على المغفرة، لكن اعلمي أنكِ إن غفرتِ ربما تحظين ببعض السعادة يوماً مع من تمنيته.
هب عَمَّار واقفاً هاتفاً بسخط:
_أتشجعينها على مسامحته؟
وقفت مَوَدَّة أمامه بنظرة لن يفهمها إلاهما:
_هل تعترض على مبدأ المسامحة عَمَّار؟!
نظر لها بغيظ واضح وهو يضغط أسنانه حتى كاد أن يحطمهن ثم صاح وهو يخرج من الغرفة بثورة:
_افعلا ما تريدان لكنني لن أرحمه!
عادت مَوَدَّة لتجلس بجوار رهف مخاطبة إياها بهدوء:
_اسمعيني جيداً يا فتاة، أنتِ يجب أن تأخذي حقك منه بنفسك حتى تشعُري بالراحة.
نظرت لها رهف بدهشة من بين دمعاتها هاتفة:
_ألم تقولي للتو أن….
قاطعتها مَوَدَّة بنبرة ماكرة:
_هذا لا يمنع ذاك يا ذكية.
**********
تُبدِّل قنوات التلفاز بملل شديد، شاردة في حالة أمها الحزينة منذ أن عادت من زيارتها اليوم صباحاً لرهف وكأنها عادت ثمانية عشر عاماً بالماضي!
حائرة.. أيجب عليها الاستماع لنصيحة سما بالذهاب إليها أم تَظل على جُبنِها!
دق رنين هاتفها فتطلعت إلى الرقم المجهول بلا اهتمام وأشاحت بوجهها بعيداً حتى صمت، لا ترغب بأي حديث في العمل الآن.
ومرة أخرى!
يا للإصرار!
يا للإلحاح!
اختطفت الهاتف وبكل غضبها المكبوت صرخت:
“نعم؟!”
ليقابلها صمت للحظة ثم إنهاء المكالمة!
ضغطت أسنانها بغيظ هاتفة:
“أهذا وقت مضايقات أيضاً؟!”
وعلى الطرف الآخر كان هو يُحدِّق في هاتفه بدهشة، من ردة فعله هو أكثر من فعله نفسه!
لِمَ هاتفها؟!
ولِمَ صرخت به؟!
ولِمَ لم يرد وأنهى المكالمة؟!
لا يدري!!
ولِمَ يُعيد الاتصال بها الآن ثانية؟!
أيضاً لا يدري!!
رفعت عينيها إلى سقف الغرفة بملل واضح وهي تستعيد بعقلها شتائم مناسبة سيتلقاها الآن ذلك الكائن الذي يُصر على جلب الإهانة لنفسه تلك اللحظة.
_هل أنت تافه ومتفرغ إلى تلك الدرجة؟! أليس لديك شيئاً آخر يُشغلك؟ و هل أنت أبله يا هذا؟! ألا تزال المعاكسات الهاتفية دارجة؟! أليس لديك أي رغبة بالتجديد؟!
هكذا صرخت فور ان استقبلت المكالمة ليأتيها صوت منافِ تماماً لما توقعته بخيالها من خُبث:
_كيف كنتِ حقاً خرساء ؟!
اتسعت عيناها بدهشة وهي تحاول تذكُّر هوية صاحب تلك النبرة المُميزة متسائلة:
_عفواً؟!
ليعيد سؤاله بأقصى درجات الهدوء:
_أعني.. هل ذلك اللسان امتنع عن العمل يوماً؟
لحظات صامتة مرَّت بينهما، تحاول هي تعرُّفه ويحاول هو إيجاد مبررا سريعاً لاتصاله بها…
منذ الأمس وهو يستعيد حوارهما بمكتبها كفيلم سينمائي لا يمل تكراره..
وخلال الفيلم هناك عينان خضراوتان دامعتان تُحدِّقان به بألم وبعض المرح الذي أدرك تماماً أنه مجرد.. سِتار!
ليجد نفسه يبحث عن رقمِها بسجلات المشفى حيث تركته هناك عندما جاءته أول مرة…
هل حقاً ظل يبحث في السجلات لأكثر من أربعة شهور فائتة كي يصل إلى رقمها؟!
نعم!
ولِماذا؟!
لا يعلم!
وما هدفه من اتصاله بها الآن؟
بالطبع لا يعلم!
_دكتور حمزة؟!
هتفت بها حينما ضرب الإدراك عقلها أخيراً فحمحم ناهراً شروده:
_كيف حالك آنسة سارة؟
جاءته إجابتها الخجِلة:
_بخير، آسفة على الــ….
وبترت عبارتها حيث لم تدرِ تتمتها فأردف هو بنبرة باسمة:
_على الاستقبال الهاتفي الحافل؟! لا عليكِ!
ابتسمت بخجل وصمت هو متوتراً حينما قفز السؤال داخل عقله فجأة فتشبث به فوراً ثم ألقاه على لسانه:
_كيف حال عينيك الآن؟
“أقصد كيف حال عينيك الجميلتين جداً الآن؟”
“أقصد كيف حال عينيك الخضراوتين الجميلتين جداً الآن؟”
نفض رأسه مُسرعاً وهو يهب من جلسته على فراشه ويحُك مؤخرة عُنُقه بتوتر هاتفاً بخشونة قبل أن تسنح لها الفرصة للإجابة:
_هل تُداومين على القطرات؟
ليأتيه صوتها الهادىء تلك اللحظة:
_نعم، وأشكرك بالمناسبة، لقد قلَّ الالتهاب بالفعل.
“سؤال آخر من فضلك!”
“حُجة أخرى من فضلك!”
توسل عقله كي يُشتت ذلك الصمت المُربك فلم يرُدُّه:
_هل ذلك الالتهاب عارض أم أنكِ مُعتادة على التعرض له؟
هتف به بنبرة حاول اصطناع المِهنية بها فأجابته بسلاسة:
_عندما تنتشر الأتربة في الجو فقط.
أومأ برأسه إيجاباً كأنها تراه ثم أدرك حماقته فأهدى نفسه نظرة امتعاض؛
ثم..
صمت متوتر آخر لا يدري كيف يقطعه حتى…
_أنا لم أذهب إلى رهف!
قطعته هي فشكرها بداخله مُعلِّقاً بسرعة:
_لقد كنت أهاتفك كي أسألك عن ذلك الأمر في الأساس!
عقدت حاجبيها بدهشة ثم عقَّبت:
_لقد ظننت أنك هاتفتني كي تطمئن على حالة عيني!
“الخضراوتان؟”
اصمت حمزة!
“الجميلتان؟”
اخرس حمزة!
بحمحمة خشنة رد:
_ومن أجل ذلك بالطبع أيضاً!
_لم أستطع فِعلها!
وصوتها الحزين جعله يتناسى مراهقته الغريبة المتأخرة ويسألها باهتمام صادق:
_لماذا؟ لقد كنتِ مُتحمسة جداً للتواصل معها!
رَدَّت بصوتها الخافت:
_ لقد ذهبت إليها أمي، بينما انتظرت أنا أمام البناية لا أجرؤ على فعل المثل، خِفت!
فَرَد بصوت هادىء:
_رهف طيبة ولن تُقاطعك بسبب خطأ اقترفه غيرك.
وعاد صوتها الخافت:
_لا أعلم.
ولم تساعده تلك المرة أيضاً في قطع الصمت، لذا..
“يجب أن يرتجل!”
_أتُحبين أن أكون معِك وأنتِ تقابلينها؟!
ما إن أنهى اقتراحه حتى تأفف بندم دون صوت لاعناً تسرعه..
“ليته ما ارتجل!”
لكنها هتفت بِلا تصديق:
_أنت لا تمزح أليس كذلك؟
اتسعت عيناه بدهشة.. لم تنزعج إذن!
“خيراً فعل عندما ارتجل!”
ابتسم وتابع بِحماس أشد:
_بالطبع، ما رأيك أن تذهبي إليها بعملها؟
قفزت واقفة لتهتف بصوتها الفرِح:
_موافقة جداً، لكن.. لكن أنت ستكون موجود هناك في نفس الوقت، لن تتركني وحدي معها عند المواجهة، أليس كذلك؟!
“وهل أنا إلى تلك الدرجة أحمق؟!”
_لن أتركك!
“مع رهف فقط بالطبع ولا مجال لأي معنى آخر!”
هتفت بحماس شديد:
_أشكرك جداً دكتور حمزة، أنت أفضل دكتور رمد قابلته بحياتي، تصبح على خير!
وعلى الفور أنهت المكالمة!
لثوانِ يحدق في هاتفه بعدم استيعاب ثم بالتدريج..
اتسعت ابتسامته..
ابتسامة سعيدة؛
ابتسامة واثقة؛
ابتسامة فخورة؛
ابتسامة بلهاء؛
وبمنتهى الحماقة المزهُوَّة بصوته ردد:
_أنا أفضل دكتور رمد قابلته بحياتها!

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية قبيحة لكن ذكية كاملة (جميع فصول الرواية) بقلم جمانة السعيدي – مدونة كامو - قراءة وتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top