رواية رماد العنقاء الفصل الثاني والعشرين 22 والاخير بقلم داليا الكومي
الفصل الثانى والعشرون والاخير________ عيون لارا
” ورؤيته تحينى فقد استسلمت لحنينى … ضمنى اليوم وانسي كل ما قد فات ولنبدأ من جديد حبا باقى كبقاء الأرض ويروينى … لم تعد المستحيلات ثلاث فحبك سيشفيك ويشفينى .. “
حب الطفولة … المشاعر البريئة التى تنمو بداخلنا منذ الصغر … الاشتياق والحنين …الارتباط الغامض الذى لا تفسير له بنصفنا الأخر حتى من قبل ان نراه … مشاعر غريبة لا نفهمها تحديدا لكنها مشبعة كافية … تسبب السعادة والاكتفاء …
صدمة رؤيته كانت اعنف مما توقعت… لطالما كانت تفكرفي ردة فعلها عندما تراه مجددا لكنها لم تتوقع تلك الصدمة القوية التى ضربتها.. فهما افترقا من قبل وتقابلا مجددا لكن عنف صدمة اللقاء هذه المرة كان مدمرا .. صوت اهتزاز الفنجان علي صحنه الصغير التقطته اذن رامى الحساسة حتى من قبل ان تفتح الباب بالكامل فهرع اليها علي الفور وتناول الفنجان من يدها قبل ان تؤذى نفسها … صدمتها للمسته عندما التقت كفوفهم جعلتها تسكب الشاي فوضع رامى يداه كحاجز يحميها وتلقي السائل الحار عليه بدلا منها… دائما ينقذها من تصرفاتها الغير مسؤلة بدون تذمر… لارا صرخت بألم من رؤيتها للشاي وهو ينسكب علي كفيه…. وصاحت بلوعة …- حبيبى… لكنه طمئنها بلطف بعد ان اطمئن اولا انها لم تصب بأي حرق… هى نادته حبيبى لاول مرة في حياتها خرجت عفوية وتلقائية …
يا الله كم اشتاق اليها … اشتاق الي ضمها بين ذراعيه مع انه تعود مراقبتها بصورة دائمة من المروحية منذ رحيلها عنه الا انه اشتاق الي لمسها … الي الحديث معها… الي الاحساس بنفسها الدافىء علي وجهه … هى ايضا اشتاقت اليه بجنون … كم تحتاج الي حضنه… حضنه هو كل ما تحتاج اليه .. في سبيل ان يضمها لدقائق هى مستعدة للتخلي عن الباقى من عمرها وستموت وهى سعيدة راضية … كانت تريد ان تلقي بنفسها بين ذراعيه لتمتع نفسها بأمان قربه لكنها شغلت نفسها بتفحص كفيه كى تداري اشتياقها المفضوح اليه… رامى نهرها بتذمر وهو يضع كفيه علي كتفيها ويقبض عليهما بشدة وهو يقربها منه الي درجة انها شعرت بأنفاسه علي وجهها…
– لارا انا بخير …دعك من كفى الأن … انا افتقدتك بصورة لا توصف… لارا اغمضت عينيها وقلبها علي وشك التوقف.. انتظرت بعدم صبرعناقه العاصف الذى كان كما تخيلته في احلامها تماما .. فجأة سمعت رامى يصيح بيأس وهو يبحث في عنقها عن خاتمه كالمجنون … هتف بصوت ممزق يائس .. – لارا …لارا انتى تخليتى عن خاتمى …؟
يداه هبطت باستسلام عندما ادرك انها قد قطعت كل صله لها به .. ما كان يحيه في الفترة السابقة هو معرفته انها تملك خاتمه وقلبه لكن بتخليها عن الخاتم فقد تخلصت من حبه اخيرا وشفيت منه إلى الابد … شفيت من حب ميؤس منه لم يسبب لها سوى الالم والعذاب …يداه واصلت رحلتها مغادرة للاسفل علي طول ذراعيها وهو يهم بالرحيل من حيث اتى ليدفن نفسه في اقرب قبر يجده فلم يعد لحياته معنى لكن قبل ان تترك كفه الايمن كفها اليسري شعر بحرارة في اصبعها … نظر بدهشة ليجد لارا قد ارتدت الخاتم النابض بالحرارة في اصبعها بدلا من رقبتها ارتدته كأي زوجة عادية ترتدى خاتم زواجها … نظر بدقة ليتأكد من انه لا يحلم لكنه تأكد الان … لارا بالفعل ترتدى الخاتم ولم تتخلص منه … اما لارا فلم تستطع النطق بحرف واحد او حتى الحركة فالموقف كان لا يعبرعنه بالكلام … ان كان هو افتقدها قيراط فهى قد افتقدته اضعاف ذلك… لم تستطع الاعتراض ايضا عندما احتواها بين ذراعيه ولا حين حملها الي الفراش ليجعلها زوجة حقيقية له… بل بالعكس انتظرت بلهفة ما تمنت حدوثه لشهور … حمم مشاعره حرقتها من حدتها وقابلت لهفته بلهفة طاغية كما وعدها من قبل لم يلمسها الا وهو رامى فريد المنصوري زوجها الشرعى …. الان اصبحت تنتمى اليه كليا .. جزء منه وتابعه له فهل ستظل راغبة في الرحيل ..؟
*********
عندما علم برغبتها في الرحيل مجددا جن جنونه … هل سيفقدها إلي الأبد الأن …؟ صبر لشهور عسي ان تبرد نارها وتنسي فعلته الشنيعة .. لكنها كانت لا تلين … اخبارها بالكامل كانت تصل اليه حتى انه اقترح علي كارلوس الاسراع بالزفاف كى يجد حجة للحضور اليها ورؤيتها عن قرب حتى ولو رفضت محادثته .. كان فقط يريد ان يشعر بأنفاسها تملىء المكان حيث توجد … حتى انفاسها لها رائحة مميزة تلتقطها انفه عندما تتواجد بقربه .. رائحة الياسمين الرطب المندى بالماء في غابة استوائية ممطرة …
لكنه علم انها سترحل قبل قدومه فقرر استخدام اخر كارت لديه … ربما لو اصبحت زوجته فعليا لتغيرت الامور …
للاسف عندما علم برحيلها كان ما زال في القاهرة لانهاء كل الامور المتعلقة باعلانه كرامى فريد المنصوري وخاصة تلك المتعلقة بتغيير اسمه رسميا فى كافة الوثائق التى تحمل اسم راموس وبدء بقسيمة زواجهما وارسلها اليها فورا … ثم شراء منزل الاحلام البسيط الذى يتمنى ان تشاركه فيه يوما .. منزل بسيط محاط بحديقة صغيرة يزرعونها بأنفسهما مع مزرعة ملحقة وحظيرة كبيرة يربون فيها كل انواع الحيوانات … كم بدى ذلك حلما جميلا منعشا يحمل رائحة الريف وبساتين الفاكهة … لا يجب ان يسمح لها بالهرب من حبهما مجددا … لذلك كان لابد له من تعطيلها في المنتجع حتى يتمكن من السفر اليها … وفلورا تطوعت لالهائها حتى يعود علي متن طائرته الخاصة التى لم يتخلي عنها من بقية ممتلكاته الاخري …. قرر اخلاء الفيلا من قاطنيها لانه توقع معركه شرسة عند اخضاعها.. فطلب من زهرة والخدم البقاء بعيدا فأخر ما يريده الان هو وجود جمهور عندما يروضها ويمتلكها … فتصرفات لارا الشرسة عندما يحاول لمسها مازالت مطبوعة في ذاكرته… انها تشبه المهرة العربية الاصيلة بتمردها وشموخها وجمالها … قرر امتلاكها فلو اصبحت زوجته فعليا ولو لمرة فلن تستطيع الرحيل عنه ابدا …. كان بحاجة الي ان يبثها حبه ويجعلها تنتمى اليه بكل كيانها …ان يمتلكها بالكامل قلبا وجسدا ….
لكن الصدمة التى تلقاها واعطته الامل كان استسلامها الكامل اليه … لم تعترض او حتى تسبه او تعضه كما كانت تفعل بل استقبلت حبه بحب واشتياقه باشتياق … كانت تشعر باللهفة وبالحب مثلما يشعر وكانت تذوب بين ذراعيه برقة بالغة …
لارا الان تدرك سراختفاء الجميع فرامى خطط لذلك لكن ذلك لايهم الان … ما يهم الان انها اصبحت جزء فعلي منه وانهم ارتبطا الي الأبد برباط لا ينقطع ابدا … حينما نهض رامى من الفراش في الصباح التالي وجذبها لتنهض بدورها لم تعترض واطاعته بصمت حتى حينما قادها الي المروحية اطاعته ايضا بدون كلام .. لم ينطق كلاهما حرف واحد منذ ان اصبحت تنتمى اليه كأنهما يخشيان الكلام الذى سوف يعيدهما الي واقعهما … من المروحية الي طائرة رامى التى اتجهت مجددا الي البرازيل ولكن هذه المرة المروحية التى انتظرتهما في المطار اخذتهما الي المنجم …
علي الرغم من مرور قرابة اليومين علي ما حدث بينهما الا انهم لم ينطقا بحرف… حتى عند الطعام اكلا سويا في صمت والغرفة التى حبسها فيها في الطائرة سابقا انضم اليها فيها واخذها في حضنه وناما بصمت حتى وصلا الي البرازيل …فإّذا وقفت امام حسنك صامتاً
فالصمتُ في حَرَم الجمال… جمالُ
كَلماتُنا في الحبّ… تقتل حبّنا
إن الحروفَ تموت حينَ تقالُ
نزار قبانى
رامى التقط يدها بحماية في اثناء دخولها الي المنجم … العمال حييوا رامى باحترام وحب وهو اشار لهم بالانصراف … اخذها الي اول مكان اكتشف فيه الماس الازرق حيث اسماه عيون لارا …
منجم عيون لارا كان المنجم الاشهر في البرازيل .. بالطبع لم يجرؤ علي تسميته رسميا بذلك ولكنه كتب بخط ضعيف علي جدرانه بخطه وهو طفل ” عيون لارا ” رامى اخبرها بحب …- كنت اطرق الجدران واحطم وجه فؤاد من خلالهم لكن عندما كان وجهك هو من يحتل الجدران كنت اضرب برفق حتى لا اؤذيك… وفي احدى المرات كنت اطرق في يوم عيد ميلادك واتذكرك فجأة رأيت عينيك الزرقاويتين تنظران الي عبر الجدران ولذلك اسميته عيون لارا…
عينيها اغرقت بالدموع رامى لم ينساها يوما وظل يفكر فيها حتى علي الرغم من سنين البعاد والظلم …رامى بادرها بالقول …- مع الوقت علمت كم كنت مخطىء بظلمك .. انا كنت في نفس عمرك عندما شاهدت حادثة جدى ولم استطع الكلام … كيف احاسبك علي ما فعلت مثله من قبل …؟ انا اسفا جدا لارا … سامحينى لاننى ادخلتك حربا انت لست طرفا فيها علي الاطلاق … لكن عذري الوحيد كان رغبتى العمياء فيك .. اردتك بجنون…. – رامى انا سامحتك منذ زمن .. هل تعلم متى بالتحديد …؟ هز رأسه بالنفي وانتظر بترقب …اجابته بصوت مبحوح … – سامحتك منذ اللحظة التى عرفت فيها هويتك الحقيقية … الجزء عاد الي الكل .. لمكانه الطبيعى الذى انتزع منه منذ سنوات .. انا تابعة اليك حتى ولو لم اكن معك .. لكنى اشعر بذلك في اعماقى … وشعرت بذلك حتى من قبل ان اعرف من انت .. كنت اشعر بالانتماء اليك…
هو ايضا كان صوته مبحوح وهو يقول ..- انا ايضا لارا كنت اشعر بأن نصفى مفقود …عندما اجبرت فؤاد وجعلته يوقع القرض باسمك كان كل همى وقتها ان اربطك بى الي الابد بأي ثمن لاننى كنت اكيدا من انك حينما تعلمين ان راموس هو رامى لن تنظري في وجهى ابدا .. ارتعبت من فكرة اخبارك اننى رامى فاسم رامى يفتح طاقة جهنم .. ولم استطع اذلالك والحصول علي جسدك وانا راموس فأنا كنت اعلم اننى سأقتل روحك لو فعلت ذلك .. صدقينى لارا اردتها حربا متكافئة لذلك اختلقت لك يوسف ليدعمك في حربك ضد راموس … لكنى لم ادرك اننى زججت بيوسف الي اشرس معركة في حياته فهو استساغ كونه يوسف وانسلخ بالكامل من جلده القديم وعندما ادركت انك ضعيفة ولن تصمدى في الحرب تراجعت فورا … ذنوبي تعذبنى لارا بسبب كل ماخططته عن عمد لايذائك .. طلبي الزواج منك في السر كان لرؤية الانكسار في عينيك.. واخترت الفيلا مهجورة حتى لا يسمع احد صدى صرخاتك حينما اشفي غليلي منك ..اردت ان احبسك فيها في فراشي لفترة طويلة واعاملك كالجارية التى تركع تحت قدمى ثم اعترف لك بهويتى الراموسيه لكننى لم استطع … حتى يوم المزاد تعمدت تركك في القصر فترة طويلة وانا اعلم انك مرتعبة لكن صدقينى كنت اتعذب معك علي طول الخط لكن رغبتى في عقابك كانت اكبر منى .. وعندما وقعتى علي قسيمة الزواج واصبحتى زوجتى رسميا وجدتنى لا اريد حتى عقابك بل اريد حبك وحمايتك… هل يحق لي الأن ان اطلب فرصة ثانية …؟ رامى ركع علي ركبتيه وقال بألم …- ارجوك لارا اعطينى فرصة اخري ولن تندمين ابدا … لارا ايضا ركعت بجواره …- رامى …انا … رامى قاطعها … – لارا انا بعت كل ممتلكاتى وتبرعت بمعظم ثمنها …المنجم ليس ملك لي بل ملك لراؤول وبالتالي لفيكى وشركة التعدين التى تخدم المنجم تمول الملجأ والاصلاحية لذلك لم استطع التصرف فيها ايضا والمنتجع اهديته بيعا وشراءا لوالدتك كتعويض لها عن الاذى الذى نالها بسببي وبسبب عائلتى فمهما ان كان ففؤاد هو عمى ويحسب علي … والدتك سعيدة هناك وبعد شهور قليلة ستستطيع ادارته بنفسها بمساعدة فلورا .. هى تستحق المنتجع …
رامى الرائع يفكر في الجميع .. نظرت اليه بامتنان… ما فعله لوالدتها لا يمكن ابدا مكافئته عليه مهما حاولت… لارا اقتربت وهى تزحف علي ركبتيها واحتوت رأسه في حضنها بحب… – رامى يكفي حديثا عن الماضى ..انا اريد ان نبدأ من جديد رامى شدد قبضته حولها وتمسك بها بقوة كأنه يخشي ان يفقدها لكنه عندما انتبه الي انها ربما تتألم من قوة قبضته حررها قليلا ثم قال .. – لارا انا اعدك… لن تندمى ابدا – الندم الوحيد سيكون في البعد عنك …
” منجمى الحبيب .. ساعدنى ارجوك ” هتف فجأة بقوة وبصوت عالي اراد به ان يتردد صداه في كل المنجم ليصل الي السماء .. – لن نفترق مجددا لارا ..
نحن مرتبطان برباط ابدى يشدنا الي بعض مهما حاول الزمن قطعه فسيظل صامد في وجهه صمود الارض والشمس …
المنجم بدا في ترديد صدى صوته … لن نفترق .. لن نفترق
لارا لمست جدران المنجم بامتنان …- انا احب هذا المكان رامى … الحب يشع من كل مكان فيه … ابتسم بحب وهو يخبرها …- انا ايضا احبه لارا هو اعاد رتق نسيج روحى الممزق … اكمل بجدية ..- لارا انا تخليت عن كل اموالي لصالح الاعمال الخيرية تركت فقط ما يخص فيكى وراؤول… انا فقط تصرفت في اموالي انا .. هل تقبلين ان نبدأ سويا من جديد … علي نظافة كما يقولون … هتفت بحبور …..- بالطبع اقبل .. انا كرهت كل قرش ملوث بالدماء سنبدأ من جديد رامى … القليل يكفينا طالما زادنا هو الحب .. رامى ضحك بخبث ..- في الحقيقة البدأ من جديد لم يكون من الصفر بالكامل .. انا اعتقد اننا نستحق ميراثنا من جدنا .. تلك كانت اموال نظيفة بالكامل … لارا انا بعت قصر المنصوري بمبلغ كبير .. هذا ارثنا المشترك النصف بالنصف … سنكون شركاء لارا … هل توافقين علي فتح مصنع للمجوهرات في مصر …؟ المنجم راضى عنا وسيهبنا ماسه لارا .. انه يحبنا كما نحبه .. سيكون مقر مصنعنا الجديد في مدينة جديدة خارج القاهرة وسنسكن بيتا صغيرا بجواره …
لارا ابتسمت بحب وقالت…- وماذا ستسمى المصنع…؟ العنقاء …؟
رامى نفي بقوه – لا … مطلقا .. فينيكس اوالعنقاء غادرا حياتى الي الابد اختاري انت أي اسم تريدين … قالت بدون تردد…. – ادريانا… اه لو لم يكونا في المنجم لكان امتلكها الأن … سيطيرا حالا الي فراشهما ليريها كم يحبها…
انها لا تعلم بعد … صمت للحظات بعد اختيارها للاسم الذى مس شغاف قلبه … ثم اضاف بنبرة مضحكة …- نسيت اخبارك .. انا لم استطع التخلي عن المروحية والطائرة … فأنا لم اعتاد السفر في المواصلات العامة …. لارا انفجرت في الضحك فاكمل بحنق …- انا كنت اعنى توفيرا للوقت …. ضمته اليها مجددا انها تحبه كما هو .. رامى حبيبها العنيد وحاميها الشجاع والوصى علي كل تصرفاتها ….
” ورؤيته تحينى فقد استسلمت لحنينى … ضمنى اليوم وانسي كل ما قد فات ولنبدأ من جديد حبا باقى كبقاء الأرض ويروينى … لم تعد المستحيلات ثلاث فحبك سيشفيك ويشفينى .. “
حب الطفولة … المشاعر البريئة التى تنمو بداخلنا منذ الصغر … الاشتياق والحنين …الارتباط الغامض الذى لا تفسير له بنصفنا الأخر حتى من قبل ان نراه … مشاعر غريبة لا نفهمها تحديدا لكنها مشبعة كافية … تسبب السعادة والاكتفاء …
صدمة رؤيته كانت اعنف مما توقعت… لطالما كانت تفكرفي ردة فعلها عندما تراه مجددا لكنها لم تتوقع تلك الصدمة القوية التى ضربتها.. فهما افترقا من قبل وتقابلا مجددا لكن عنف صدمة اللقاء هذه المرة كان مدمرا .. صوت اهتزاز الفنجان علي صحنه الصغير التقطته اذن رامى الحساسة حتى من قبل ان تفتح الباب بالكامل فهرع اليها علي الفور وتناول الفنجان من يدها قبل ان تؤذى نفسها … صدمتها للمسته عندما التقت كفوفهم جعلتها تسكب الشاي فوضع رامى يداه كحاجز يحميها وتلقي السائل الحار عليه بدلا منها… دائما ينقذها من تصرفاتها الغير مسؤلة بدون تذمر… لارا صرخت بألم من رؤيتها للشاي وهو ينسكب علي كفيه…. وصاحت بلوعة …- حبيبى… لكنه طمئنها بلطف بعد ان اطمئن اولا انها لم تصب بأي حرق… هى نادته حبيبى لاول مرة في حياتها خرجت عفوية وتلقائية …
يا الله كم اشتاق اليها … اشتاق الي ضمها بين ذراعيه مع انه تعود مراقبتها بصورة دائمة من المروحية منذ رحيلها عنه الا انه اشتاق الي لمسها … الي الحديث معها… الي الاحساس بنفسها الدافىء علي وجهه … هى ايضا اشتاقت اليه بجنون … كم تحتاج الي حضنه… حضنه هو كل ما تحتاج اليه .. في سبيل ان يضمها لدقائق هى مستعدة للتخلي عن الباقى من عمرها وستموت وهى سعيدة راضية … كانت تريد ان تلقي بنفسها بين ذراعيه لتمتع نفسها بأمان قربه لكنها شغلت نفسها بتفحص كفيه كى تداري اشتياقها المفضوح اليه… رامى نهرها بتذمر وهو يضع كفيه علي كتفيها ويقبض عليهما بشدة وهو يقربها منه الي درجة انها شعرت بأنفاسه علي وجهها…
– لارا انا بخير …دعك من كفى الأن … انا افتقدتك بصورة لا توصف… لارا اغمضت عينيها وقلبها علي وشك التوقف.. انتظرت بعدم صبرعناقه العاصف الذى كان كما تخيلته في احلامها تماما .. فجأة سمعت رامى يصيح بيأس وهو يبحث في عنقها عن خاتمه كالمجنون … هتف بصوت ممزق يائس .. – لارا …لارا انتى تخليتى عن خاتمى …؟
يداه هبطت باستسلام عندما ادرك انها قد قطعت كل صله لها به .. ما كان يحيه في الفترة السابقة هو معرفته انها تملك خاتمه وقلبه لكن بتخليها عن الخاتم فقد تخلصت من حبه اخيرا وشفيت منه إلى الابد … شفيت من حب ميؤس منه لم يسبب لها سوى الالم والعذاب …يداه واصلت رحلتها مغادرة للاسفل علي طول ذراعيها وهو يهم بالرحيل من حيث اتى ليدفن نفسه في اقرب قبر يجده فلم يعد لحياته معنى لكن قبل ان تترك كفه الايمن كفها اليسري شعر بحرارة في اصبعها … نظر بدهشة ليجد لارا قد ارتدت الخاتم النابض بالحرارة في اصبعها بدلا من رقبتها ارتدته كأي زوجة عادية ترتدى خاتم زواجها … نظر بدقة ليتأكد من انه لا يحلم لكنه تأكد الان … لارا بالفعل ترتدى الخاتم ولم تتخلص منه … اما لارا فلم تستطع النطق بحرف واحد او حتى الحركة فالموقف كان لا يعبرعنه بالكلام … ان كان هو افتقدها قيراط فهى قد افتقدته اضعاف ذلك… لم تستطع الاعتراض ايضا عندما احتواها بين ذراعيه ولا حين حملها الي الفراش ليجعلها زوجة حقيقية له… بل بالعكس انتظرت بلهفة ما تمنت حدوثه لشهور … حمم مشاعره حرقتها من حدتها وقابلت لهفته بلهفة طاغية كما وعدها من قبل لم يلمسها الا وهو رامى فريد المنصوري زوجها الشرعى …. الان اصبحت تنتمى اليه كليا .. جزء منه وتابعه له فهل ستظل راغبة في الرحيل ..؟
*********
عندما علم برغبتها في الرحيل مجددا جن جنونه … هل سيفقدها إلي الأبد الأن …؟ صبر لشهور عسي ان تبرد نارها وتنسي فعلته الشنيعة .. لكنها كانت لا تلين … اخبارها بالكامل كانت تصل اليه حتى انه اقترح علي كارلوس الاسراع بالزفاف كى يجد حجة للحضور اليها ورؤيتها عن قرب حتى ولو رفضت محادثته .. كان فقط يريد ان يشعر بأنفاسها تملىء المكان حيث توجد … حتى انفاسها لها رائحة مميزة تلتقطها انفه عندما تتواجد بقربه .. رائحة الياسمين الرطب المندى بالماء في غابة استوائية ممطرة …
لكنه علم انها سترحل قبل قدومه فقرر استخدام اخر كارت لديه … ربما لو اصبحت زوجته فعليا لتغيرت الامور …
للاسف عندما علم برحيلها كان ما زال في القاهرة لانهاء كل الامور المتعلقة باعلانه كرامى فريد المنصوري وخاصة تلك المتعلقة بتغيير اسمه رسميا فى كافة الوثائق التى تحمل اسم راموس وبدء بقسيمة زواجهما وارسلها اليها فورا … ثم شراء منزل الاحلام البسيط الذى يتمنى ان تشاركه فيه يوما .. منزل بسيط محاط بحديقة صغيرة يزرعونها بأنفسهما مع مزرعة ملحقة وحظيرة كبيرة يربون فيها كل انواع الحيوانات … كم بدى ذلك حلما جميلا منعشا يحمل رائحة الريف وبساتين الفاكهة … لا يجب ان يسمح لها بالهرب من حبهما مجددا … لذلك كان لابد له من تعطيلها في المنتجع حتى يتمكن من السفر اليها … وفلورا تطوعت لالهائها حتى يعود علي متن طائرته الخاصة التى لم يتخلي عنها من بقية ممتلكاته الاخري …. قرر اخلاء الفيلا من قاطنيها لانه توقع معركه شرسة عند اخضاعها.. فطلب من زهرة والخدم البقاء بعيدا فأخر ما يريده الان هو وجود جمهور عندما يروضها ويمتلكها … فتصرفات لارا الشرسة عندما يحاول لمسها مازالت مطبوعة في ذاكرته… انها تشبه المهرة العربية الاصيلة بتمردها وشموخها وجمالها … قرر امتلاكها فلو اصبحت زوجته فعليا ولو لمرة فلن تستطيع الرحيل عنه ابدا …. كان بحاجة الي ان يبثها حبه ويجعلها تنتمى اليه بكل كيانها …ان يمتلكها بالكامل قلبا وجسدا ….
لكن الصدمة التى تلقاها واعطته الامل كان استسلامها الكامل اليه … لم تعترض او حتى تسبه او تعضه كما كانت تفعل بل استقبلت حبه بحب واشتياقه باشتياق … كانت تشعر باللهفة وبالحب مثلما يشعر وكانت تذوب بين ذراعيه برقة بالغة …
لارا الان تدرك سراختفاء الجميع فرامى خطط لذلك لكن ذلك لايهم الان … ما يهم الان انها اصبحت جزء فعلي منه وانهم ارتبطا الي الأبد برباط لا ينقطع ابدا … حينما نهض رامى من الفراش في الصباح التالي وجذبها لتنهض بدورها لم تعترض واطاعته بصمت حتى حينما قادها الي المروحية اطاعته ايضا بدون كلام .. لم ينطق كلاهما حرف واحد منذ ان اصبحت تنتمى اليه كأنهما يخشيان الكلام الذى سوف يعيدهما الي واقعهما … من المروحية الي طائرة رامى التى اتجهت مجددا الي البرازيل ولكن هذه المرة المروحية التى انتظرتهما في المطار اخذتهما الي المنجم …
علي الرغم من مرور قرابة اليومين علي ما حدث بينهما الا انهم لم ينطقا بحرف… حتى عند الطعام اكلا سويا في صمت والغرفة التى حبسها فيها في الطائرة سابقا انضم اليها فيها واخذها في حضنه وناما بصمت حتى وصلا الي البرازيل …فإّذا وقفت امام حسنك صامتاً
فالصمتُ في حَرَم الجمال… جمالُ
كَلماتُنا في الحبّ… تقتل حبّنا
إن الحروفَ تموت حينَ تقالُ
نزار قبانى
رامى التقط يدها بحماية في اثناء دخولها الي المنجم … العمال حييوا رامى باحترام وحب وهو اشار لهم بالانصراف … اخذها الي اول مكان اكتشف فيه الماس الازرق حيث اسماه عيون لارا …
منجم عيون لارا كان المنجم الاشهر في البرازيل .. بالطبع لم يجرؤ علي تسميته رسميا بذلك ولكنه كتب بخط ضعيف علي جدرانه بخطه وهو طفل ” عيون لارا ” رامى اخبرها بحب …- كنت اطرق الجدران واحطم وجه فؤاد من خلالهم لكن عندما كان وجهك هو من يحتل الجدران كنت اضرب برفق حتى لا اؤذيك… وفي احدى المرات كنت اطرق في يوم عيد ميلادك واتذكرك فجأة رأيت عينيك الزرقاويتين تنظران الي عبر الجدران ولذلك اسميته عيون لارا…
عينيها اغرقت بالدموع رامى لم ينساها يوما وظل يفكر فيها حتى علي الرغم من سنين البعاد والظلم …رامى بادرها بالقول …- مع الوقت علمت كم كنت مخطىء بظلمك .. انا كنت في نفس عمرك عندما شاهدت حادثة جدى ولم استطع الكلام … كيف احاسبك علي ما فعلت مثله من قبل …؟ انا اسفا جدا لارا … سامحينى لاننى ادخلتك حربا انت لست طرفا فيها علي الاطلاق … لكن عذري الوحيد كان رغبتى العمياء فيك .. اردتك بجنون…. – رامى انا سامحتك منذ زمن .. هل تعلم متى بالتحديد …؟ هز رأسه بالنفي وانتظر بترقب …اجابته بصوت مبحوح … – سامحتك منذ اللحظة التى عرفت فيها هويتك الحقيقية … الجزء عاد الي الكل .. لمكانه الطبيعى الذى انتزع منه منذ سنوات .. انا تابعة اليك حتى ولو لم اكن معك .. لكنى اشعر بذلك في اعماقى … وشعرت بذلك حتى من قبل ان اعرف من انت .. كنت اشعر بالانتماء اليك…
هو ايضا كان صوته مبحوح وهو يقول ..- انا ايضا لارا كنت اشعر بأن نصفى مفقود …عندما اجبرت فؤاد وجعلته يوقع القرض باسمك كان كل همى وقتها ان اربطك بى الي الابد بأي ثمن لاننى كنت اكيدا من انك حينما تعلمين ان راموس هو رامى لن تنظري في وجهى ابدا .. ارتعبت من فكرة اخبارك اننى رامى فاسم رامى يفتح طاقة جهنم .. ولم استطع اذلالك والحصول علي جسدك وانا راموس فأنا كنت اعلم اننى سأقتل روحك لو فعلت ذلك .. صدقينى لارا اردتها حربا متكافئة لذلك اختلقت لك يوسف ليدعمك في حربك ضد راموس … لكنى لم ادرك اننى زججت بيوسف الي اشرس معركة في حياته فهو استساغ كونه يوسف وانسلخ بالكامل من جلده القديم وعندما ادركت انك ضعيفة ولن تصمدى في الحرب تراجعت فورا … ذنوبي تعذبنى لارا بسبب كل ماخططته عن عمد لايذائك .. طلبي الزواج منك في السر كان لرؤية الانكسار في عينيك.. واخترت الفيلا مهجورة حتى لا يسمع احد صدى صرخاتك حينما اشفي غليلي منك ..اردت ان احبسك فيها في فراشي لفترة طويلة واعاملك كالجارية التى تركع تحت قدمى ثم اعترف لك بهويتى الراموسيه لكننى لم استطع … حتى يوم المزاد تعمدت تركك في القصر فترة طويلة وانا اعلم انك مرتعبة لكن صدقينى كنت اتعذب معك علي طول الخط لكن رغبتى في عقابك كانت اكبر منى .. وعندما وقعتى علي قسيمة الزواج واصبحتى زوجتى رسميا وجدتنى لا اريد حتى عقابك بل اريد حبك وحمايتك… هل يحق لي الأن ان اطلب فرصة ثانية …؟ رامى ركع علي ركبتيه وقال بألم …- ارجوك لارا اعطينى فرصة اخري ولن تندمين ابدا … لارا ايضا ركعت بجواره …- رامى …انا … رامى قاطعها … – لارا انا بعت كل ممتلكاتى وتبرعت بمعظم ثمنها …المنجم ليس ملك لي بل ملك لراؤول وبالتالي لفيكى وشركة التعدين التى تخدم المنجم تمول الملجأ والاصلاحية لذلك لم استطع التصرف فيها ايضا والمنتجع اهديته بيعا وشراءا لوالدتك كتعويض لها عن الاذى الذى نالها بسببي وبسبب عائلتى فمهما ان كان ففؤاد هو عمى ويحسب علي … والدتك سعيدة هناك وبعد شهور قليلة ستستطيع ادارته بنفسها بمساعدة فلورا .. هى تستحق المنتجع …
رامى الرائع يفكر في الجميع .. نظرت اليه بامتنان… ما فعله لوالدتها لا يمكن ابدا مكافئته عليه مهما حاولت… لارا اقتربت وهى تزحف علي ركبتيها واحتوت رأسه في حضنها بحب… – رامى يكفي حديثا عن الماضى ..انا اريد ان نبدأ من جديد رامى شدد قبضته حولها وتمسك بها بقوة كأنه يخشي ان يفقدها لكنه عندما انتبه الي انها ربما تتألم من قوة قبضته حررها قليلا ثم قال .. – لارا انا اعدك… لن تندمى ابدا – الندم الوحيد سيكون في البعد عنك …
” منجمى الحبيب .. ساعدنى ارجوك ” هتف فجأة بقوة وبصوت عالي اراد به ان يتردد صداه في كل المنجم ليصل الي السماء .. – لن نفترق مجددا لارا ..
نحن مرتبطان برباط ابدى يشدنا الي بعض مهما حاول الزمن قطعه فسيظل صامد في وجهه صمود الارض والشمس …
المنجم بدا في ترديد صدى صوته … لن نفترق .. لن نفترق
لارا لمست جدران المنجم بامتنان …- انا احب هذا المكان رامى … الحب يشع من كل مكان فيه … ابتسم بحب وهو يخبرها …- انا ايضا احبه لارا هو اعاد رتق نسيج روحى الممزق … اكمل بجدية ..- لارا انا تخليت عن كل اموالي لصالح الاعمال الخيرية تركت فقط ما يخص فيكى وراؤول… انا فقط تصرفت في اموالي انا .. هل تقبلين ان نبدأ سويا من جديد … علي نظافة كما يقولون … هتفت بحبور …..- بالطبع اقبل .. انا كرهت كل قرش ملوث بالدماء سنبدأ من جديد رامى … القليل يكفينا طالما زادنا هو الحب .. رامى ضحك بخبث ..- في الحقيقة البدأ من جديد لم يكون من الصفر بالكامل .. انا اعتقد اننا نستحق ميراثنا من جدنا .. تلك كانت اموال نظيفة بالكامل … لارا انا بعت قصر المنصوري بمبلغ كبير .. هذا ارثنا المشترك النصف بالنصف … سنكون شركاء لارا … هل توافقين علي فتح مصنع للمجوهرات في مصر …؟ المنجم راضى عنا وسيهبنا ماسه لارا .. انه يحبنا كما نحبه .. سيكون مقر مصنعنا الجديد في مدينة جديدة خارج القاهرة وسنسكن بيتا صغيرا بجواره …
لارا ابتسمت بحب وقالت…- وماذا ستسمى المصنع…؟ العنقاء …؟
رامى نفي بقوه – لا … مطلقا .. فينيكس اوالعنقاء غادرا حياتى الي الابد اختاري انت أي اسم تريدين … قالت بدون تردد…. – ادريانا… اه لو لم يكونا في المنجم لكان امتلكها الأن … سيطيرا حالا الي فراشهما ليريها كم يحبها…
انها لا تعلم بعد … صمت للحظات بعد اختيارها للاسم الذى مس شغاف قلبه … ثم اضاف بنبرة مضحكة …- نسيت اخبارك .. انا لم استطع التخلي عن المروحية والطائرة … فأنا لم اعتاد السفر في المواصلات العامة …. لارا انفجرت في الضحك فاكمل بحنق …- انا كنت اعنى توفيرا للوقت …. ضمته اليها مجددا انها تحبه كما هو .. رامى حبيبها العنيد وحاميها الشجاع والوصى علي كل تصرفاتها ….