كان الهواء في قسم الأرشيف خانقًا، و الظلام يضفي على الجدران طابعًا كئيبًا يخنق الأنفاس. سقطت ليـسا على الأرض، و ظهرها مسنود إلى الحائط البارد، تحدّق في السقف كمن ينتظر معجزة لا تأتي. أصبحت شهقاتها الباحثة عن الهواء أشبه بصرخات مخنوقة…
+
خطا نحوها راينر بوجه خالٍ من التعابير، و إنحنى عليها متسائلاً:
+
“ما الأمر؟ ليسا… ما الذي يحدث لكِ؟”.
+
تغضن وجهها و إحتقن بينما تتشبث بياقة قميصة متمتمة بين شهقاتها:
+
“البخَّاخ… ظل… في… مكتبي!”.
+
إتسعت عيناه مستنتجًا:
+
“أزمة ربو!”.
+
مضى يفتح أزرار بلوزتها العلوية بسرعة مضيفًا:
+
“خُذي نفسًا!”.
+
همست شاعرة أنها تغوص تحت بحر مظلم:
+
“ٱحاول!”.
+
أيقن راينر أنها بحاجة لبخاخ أو أي شيء يضخ الهواء بقوة إلى رئتيها لتتجاوز تلك الأزمة، و لم يجد حلاًّ آخر سوى أن يمددها على الأرض، و يجري لها تنفسًا إصطناعيًّا. جحظت و هي ترى تلك الفكرة تجوب عينيه!
11
“راينر… لا يمكنكَ أن…!”.
+
لم يُتِح فرصة لمتابعة كلماتها المتقطعة، أردف بسرعة:
+
“لا يمكنني البقاء مكتوف اليدين بسبب خلاف لعين!”.
1
في لحظة من الزمن، رأت رأسه يسقط فوقها كغيث منقذ، يروي جفافها، و أحسَّت بفمه يحتضن شفتيها، إندفعت أنفاسه القوية حلقها، مسافرة إلى رئتين إنكمشتا و تحجرتا طلبًا للهواء، و تدريجيًّا عاد اللون إلى وجهها، و خف ألم صدرها، و باتت قادرة على أخذ أنفاسها دون أن تلمسها شفاهه، لكنها لم تملك القوة لإبعاده عنها، تجمدت تحته تود لو تسحبه هو نفسه ليسكن روحها، و آنذاك، شعر راينر بتنهيدتها المرتعشة، فإنتزع رأسه قبل أن يعلقا في قبلة لا يريدها!