رواية الغضب الاسود كامله وحصريه بقلم الكاتبة كوين اسمهان – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

رواية الغضب الاسود كامله وحصريه بقلم الكاتبة كوين اسمهان

الفصل 1|وحدها مع طفل!
                                              
فرَّ حلمها الجميل، و استمر الطنين في أذنيها مزعجا، رغم أن زعيق بوق المركبة قد توقف منذ لحظات، و انتهى احتكاك العجلات المثير للأعصاب قبل حلول الكارثة. ألقت ماريغولد بنظرات اللوم إلى رفيقها الذي اعتذر قائلا:
40
“آسف!”.
+
تحققت من طيف الشاحنة التي كادت تصطدم بهما في المرآة الجانبية و هو يختفي تدريجيا، ثم عادت برأسها إليه معاتبة:
+
“لِمَ كل هذه العجلة أوليفر؟ «بانبري» ليست بالمدينة البعيدة، دعنا نبلغها سالمين على الأقل!».
17
تأكد أنه يسير بالسرعة المطلوبة، و علق بغرور دون أن ينظر إليها:
+
“هدئي من روعكِ ميغ! أنتِ رفقة المفتش هاغان!“
2
“يُفترض بهذا أن يجعلك الأكثر احتراما للقانون!”.
39
“فلنقل أنني منحت لنفسي رخصة اليوم، أنا في مزاج جيد”.
+
تخلى عن متابعة الطريق، و أضاف متأملا شحوبها:
+
“و لا يبدو أنكِ كذلك! هل أنتِ بخير عزيزتي؟”.
3
تحسست صدغيها بعياء، و ردت مشيحة عنه:
1
“اوه أجل… أنا فقط لم أحظ بنوم كافٍ أمس، كما تعلم… أمضيت وقتا طويلا في حزم متاعي، لذا… غفوت منذ قليل”.
+
هزَّ رأسه و هو يراقب الطريق خلفه بنظره خاطفة، ثم عقب مازحا:
+
“حتى ظهرت تلك الشاحنة اللعينة من العدم، و أفسدت غفوتك الملائكية!”.
+
حدجته قائلة:
+
“عليك الاعتراف أن قيادتك كانت ضربا من الجنون!”.
8
“الحق معكِ”.
1
استطرد بينما كانت هي تبتسم لا شعوريا لأفراد متلاصقة من أشجار الصنوبر الشامخة حول الطريق:
+
“أنا في أوج حماسي لأرى أمي، و أتصورها كذلك أيضا!”.
+
فجأة لم تعد تبهجها المشاهد خارج السيارة، و لم تستطع المحافظة على ابتسامتها و هي تتخيل جاهدة تلك المرأة متحمسة لرؤيتها، يستحيل أن يكون ما قاله خطيبها حقيقة! السيدة هاغان الحديدية… و الحماسُ معا في العبارة ذاتها؟ حتى الخيال يرفض احتمالا كهذا! خاصة بعدما عزَّتها إثر وفاة والدها مؤخرا بصوت جاف، و كان كل ما تلفظت به يفتقر للعاطفة:
16
“أعتقد أن الوقت قد حان ليستقر ابني إلى جواري… سيكون زواجا دينيا حسب ما تعارف عليه آل هاغان لعقود… كما سيكون لابني جناحه الخاص في الفيلا…”
19
تفهمت ماريغولد أنه ابنها الوحيد، بيد أن ذلك لم يمنعها من الشعور بالحزن، فقد تمنت لو أن الكلمات لم تدُر حول أوليفر لوحده! في النهاية هذا زواجها هي أيضا، بدا لها أنه تم استبعادها عنوة عن اتخاذ أي قرار بشأن أهم خطوة في حياتها!
+
                                      
                
“ما الخطب ميغ؟”.
+
تمهل حين لم تُبدِ نية في الرد، ثم تشجع ليضيف:
+
“ألا زلتِ غاضبة بخصوص الفستان القديم؟ أعلم أنه ذكرى مميزة في نظرك، لكن أمي لا تعلم ذلك!”.
+
“إذن اجعلها تعلم، أو سأتولى أنا ذلك! ثم إني سئمتُ تسميتكما له بالقديم”.
32
“أليس كذلك؟! إنه يعود للقرون الوسطى، و قد يتبين لاحقا أنه من ميراث الملكة فيكتوريا!”.
5
مازحها بخفة، فخرجت عن عقال الهدوء بشكل حذره من إغضابها، و أردفت مدركة بأسف أن أوليفر هو ذلك الرجل الذي سيقف دائما في صف والدته:
13
“لا أرى أن فستان زفاف جدتي من دواعي المزاح! إنه شيء نفيس حافظ عليه أبي طيلة سنوات، و سأحافظ عليه بدوري، إنه من قبيل الأشياء التي لا تصبح قديمة أبدا. بكل الأحوال… هو معي الآن، و لن تردعني أي قوة عن ارتدائه!”.
48
“هل أنتِ جادة بشأنه حقا؟”.
+
“لا تشكك بهذا أبدا!”.
+
“حسنا، سيجرح هذا أمي!”.
78
حركت جفنيها مستفهمة:
+
“و ما علاقة السيدة هاغان بما أرتديه يوم زفافنا؟”
13
شرح لها أوليفر و هو يعبر جسرًا يعلو نهر «وارين» بسرعة مبالغ فيها:
3
“سيحزنها أنك لن ترافقيها إلى صديقتها المصممة كما خططت، إنها تكره أن تتخلى عن ترتيباتها”.
31
حاولت ماريغولد انتقاء كلماتها بحرص، فقالت و هي تُغالب رغبة جامحة في فتح باب السيارة و القفز إلى قاع النهر:
6
“ليس من العدل أن أكون الشخص الوحيد الذي يتخلى عما يحب من أجل هذه العلاقة!”.
26
أدرك أوليفر أنها بالفعل تخلت عما يكفي لتشق معه هذا الطريق، بعد وفاة والدها منذ ثلاثة أسابيع لاحظ أن الحياة ستغدو جحيما بالنسبة لها، الوحدة… و الديون التي طرقت بابها فجأة، رأى في نفسه الرجل القادر على الأخذ بيدها بعيدا عن المعاناة، فطلب يدها، و أقنعها ببيع البيت و سداد ما عليها، و أصر أن تنتقل معه إلى مدينته الأم الواقعة على الساحل الغربي الأسترالي «بانبري»، في نهاية المطاف بيته هو بيتها، و مدينته هي مدينتها، أليس هذا هو حلم أي امرأة؟ بيت كبير… و مدينة لا تهدأ الحياة فيها… و زوج ناجح في عمله! شملها بنظرة مطولة محاولا النفاذ إلى قرارها، و سأل نفسه للمرة الأولى: بماذا تحلم امرأة مثلها؟ إنه لم يعرفها سوى لأربع سنوات و هي مدة كافية لاحظ فيها أنها تبدو طفلة رقيقة ثم تتحول فجأة إلى امرأة قوية حين تريد! كان جارا غريبا… ثم أصبح صديقا لوالدها… و بسبب تلك الصداقة فقط تمكن من اقتحام حياتها! ما السر في ماريغولد؟ هل يُريدها لأنها النموذج الصادق العفيف الذي لن تعترض عليه والدته بعدما رفضت نساء كثيرات تبين أنهن زحفن نحوه بطمع لا حب؟ هل يريدها لأنه يحبها حقا… أم لأنها من النوع الذي لن يُسبب له المتاعب؟ قرر أوليفر أن يطمس أسئلته في أعماقه ليتركها دون أجوبة شافية، و ذكر نفسه أنها لا بد تعيسة بسبب تركها لبيتها و حديقتها و شاطئها الساحر، فقال:
61
        
          
                
“في الفيلا أيضا حديقة ستدهشك، تعتمد أمي نظام بستنة محدد، لكنها حتما لن تمانع أن تضيفي لمستك و تزرعي ما تشائين، ثم إن لبانبري شواطئ خلابة، ستكونين سعيدة و لن تشتاقي إلى «ويندي هاربور»، أعدكِ ميغ”.
30
حركت رأسها بنفاذ صبر:
+
“سأكون سعيدة إن توقفت عن اختصار اسمي بهذا الشكل!”.
38
“حسنا ماريغولد موران، أعتذر! لا أجد اسمك الكامل سيئا… أنا فقط أعتقدُ أنه… معقد نوعا ما!”.
45
تجاهلت رأيه، و تذكرت ما يعنيه لها هذا الاسم، كان من اختيار أمها التي لم ترها قط، كل ما جاء على لسان والدها أن الأم لفظت آخر أنفاسها أثناء الولادة الصعبة، و أنه وصيتها الوحيدة التي رددتها: “فليكن اسمها ماريغولد!”، هذا ما يجعله أكثر من مجرد اسم بالنسبة لها، إنه مثل البيت و الحديقة و الشاطئ و الكفوف الثلاثة… وصلةٌ مقدسةٌ بينها و بين والديها!
18
“أمامنا ساعة و نصف تقريبا لنبلغ الفيلا”.
+
ارتعد قلبها، هذا يعني أن ساعة فقط انقضت مذ غادرت «ويندي هاربور»! تلك المدينة الصغيرة التي احتضنتها طيلة سنواتها الأربع و العشرين، ساعة مثل الدهر… ثقيلة!
1
“…لذا يمكنكِ العودة لغفوتك و استئناف الحلم”.
+
“أي حلم؟”.
+
“كنتِ تبتسمين… فاعتقدتُ أن حلمًا جميلاً يراودكِ!”.
9
سقطت بعض القطرات في الخارج، و انزلقت تباعا على زجاج السيارة، إنها تمطر رغم حرارة الجو المعتدلة! هذا هو المطر المنتظر منذ أشهر، إذ لا تعرف أستراليا أجواء الشتاء إلا نادرًا، و تعاني في الغالب جفافا قاسيا، لكنها بكل ما يعتريها من قسوة… أرض فاتنة! نفخت ماريغولد على الزجاج مفكرة حين ازداد تساقط القطرات و استحالت سيولا تكاد تحجب الرؤية: لقد رأت حلما بالفعل، حلم جميل كالسحر، كالأيام الخوالي، ذلك المنزل الشرقي الذي كانت تسكنه، حيث توجد علامة الكفوف الثلاثة، علامة الحب! حيث يقف دائما والدها يرعى شجرة القطيفة مرددا: “وردة الماريغولد الأكثر طلبا للحب! اسقِها دون سبب، دون أن تنادي هي بذلك، ستحبك! و لا تخشي أن تكوني مثلها، إذا اعتنى رجل ما بك دون سبب فلا تترددي في حبه أبدا، الحب لا يحتاج أسبابا، هكذا تقول القطيفة!”.
28
ابتسمت للذكريات و للحلم، و طبعت كفها حيث نفخت على الزجاج منذ لحظة، تاركة علامة الحب كما تعودت أن تفعل في أي مكان، عندئذ لوَّح لها بريق خاتم الخطوبة حول إصبعها على غرة!
5
“لا زلتِ تقومين بذلك؟ أنتِ لن تكبري أبدا!”.
34
“هل ستنتقدُ والدتك هذه الحركة أيضا؟”.
+
“لم أقل هذا! و لكن… ستجد مسلككِ غريبا!”.
82
“أنت لم تعلق على تصرفاتي من قبل بهذا الشكل، ما الذي تغير اليوم؟”.
+
        
          
                
“عنواننا تغير عزيزتي، و حياتنا كذلك و…”.
+
“و تتوقع مني أن أتغير لأن السيدة هاغان العظيمة لن تحبني على سجيني!”.
18
أضافت ساخرة بنبرة حزن:
+
“طبعا! ستجد كل ما يتعلق بي غريبا، فتاة بسيطة كانت تعيشُ رفقة مزارع في شاطئ مهجور!”.
+
“عزيزتي!”.
5
“أنا زوجة مستقبلية غريبة، نمط حياتي غريب، حديثي و حركاتي الطفولية و حتى ذوقي غريب بالنسبة لها! كيف ستحبني والدتك هكذا؟”.
18
“أنا أحبك، لذا ستحبك أيضا”.
23
“هل أنت واثق؟”.
9
“كل الثقة! ستلاحظ أمي كم أنت رقيقة و رابطة الجأش في نفس الوقت، آمل ألا تنزعجي حين تتوقع منكِ نضوجا و تحفظا يناسبان مركزنا الاجتماعي، آمل أيضا أن تخففي من شجاعتكِ المجنونة و رحمتكِ العمياء! و ستحبك دون شك”.
36
تمهلت ماريغولد قليلا، ثم أردفت:
+
“أوليفر! كنتُ أقصدكَ أنت بسؤالي”.
2
“ماذا تعنين؟”.
+
أخذت ما يكفيها من الهواء لتسأل بوضوح أكبر:
+
“هل أنت واثق من مشاعرك تجاهي؟”.
8
قفزت إليها نظراته المرتابة، و قال كاتما رغبة في الضحك:
+
“أي سؤال هذا عزيزتي؟ مؤكدٌ أحبك، لهذا طلبتك للزواج!”.
33
شعرت أنه لم يكن الجواب المنتظر، و مع ذلك لم تنقذ نفسها من مواصلة الطريق، كانت تؤمن أن الصداقة يمكن أن تكون أساسا متينا للزواج، إنها امرأة قوية و حساسة مثل ورود القطيفة تتأقلم في كل مكان لكن تحب من يعتني بها دون سبب… دون أن تطالبه بالحب! تحتاج الشعور بهذا الحب، تحتاج أن يسقيها برهانا يطمئنها… غير الكلمات! تذكرت قبل السنوات الأربع حين استأجر أوليفر هاغان غرفة في منزل جارتها الفيليبينية الطاعنة في السن إيريكا لوريل، رأته منذ البداية رجل المبادئ، أحبته كصديق طيب و جار نبيل، كانا يسيران سويا على الشاطئ فتحدثه عن تعلقها بويندي هاربور و بيتها، عن شغفها بورودها، و عن علامة الكفوف الثلاثة و رمزيتها، و كان أوليفر يصغي إليها معجبا بكل ما تفعله و تقوله، تُرى هل ظن أنها مجرد طفلة ستكبر يوما عن كل تلك الأشياء؟ هل فكر أن خاتم الخطوبة سيطرد منها كل شعور بالانتماء لما تحب؟
15
بدت أشجار الصنوبر و العرعر الملوحة للسيارة في مثل حزنها، تساءلت مرة أخرى: هل تهورت حين وافقت على الزواج منه و ظنت أن حبها له كصديق يعني أنها ستحبه يوما ما كشريك حياة؟ و هل أخطأت حين فكرت أن علاج الوحدة هو الزواج و الهرب من الحياة التي ألفتها؟ في مطلق الأحوال… إلى أي حياة تتجه؟ و في أي طريق تسير الآن؟ مدينة كبيرة أضعاف مدينتها! فيلا غريبة تسيرها سيدة تحتقر كل ما هو عفوي و بسيط! ستكون هناك حتما كامرأة أخرى لا تشبه ماريغولد موران أبدا، لكن إذا كان أوليفر يحبها كما يزعم، فلن يطلب منها أن تصبح نسخة عن أمه، سيحبها دائما كما هي، و ستكتفي بعدم الإساءة لأمه و معتقداتها، ثم ما تعرفه عن أوليفر كافٍ لتبدأ معه حياتها الجديدة، إنه رجل المبادئ، مثلها تماما، رجل شريف حامٍ للضعفاء حافظٌ للخير في عالمه، و أي امرأة تتزوج بمثله هي الأكثر حظا بين النساء! ستفكر فيه على هذا الأساس، و لن تعكر حياتهما بأي فكرة ٱخرى، يكفي أنها تحترمه و أنه اختارها لتشاركه ما تبقى من رحلة العمر، أما عن الحب فقد يأتي و يملك قلبها بعد الزواج!
23
        
          
                
“هل أنتِ على ما يُرام؟”
+
“أجل، أعتقد أن كل عروس تطرح أسئِلة حمقاء قبل زفافها!”.
+
تنفس الصعداء، و أطلق سراح ضحكة قصيرة، قبل أن يعود لمواكبة تأمل الطريق قائلا:
+
“رائع! أرحتني”.
1
“ليس بعد، لا يزال هناك سؤال آخر…”.
+
“ما هو عزيزتي؟”
+
سأل بقلق جدي، فأجابته بهدوء:
+
“هل ستترك يدي إن اختلفنا يوما ما؟”
4
“أبدا!”
22
لاحظت أنه تردد بعض الشيء قبل رده، و سمعته يستطردُ بثقة بالغة:
6
“هذا طريقنا معا، لن أترككِ وحيدة مهما كانت طبيعة خلافنا!”.
11
أمطرت بشدة في تلك اللحظة، كأن السماء كانت تعارض خطيئة ما، و تصب جام غضبها على السيارة دون غيرها من الأشياء. فكرت ماريغولد بحيرة: لِمَ لا ترتاح لأجوبة خطيبها؟ أليس هذا ما تصبو إليه بنات جنسها؟ رجل محب و مسؤول… يبنيان معا عالمهما الصغير! لا بد أن أوليفر هو الرجل المقدر لها، فكل شيء في العالم يسير وفق خطة عادلة و مقدار حكيم، قدوم المفتش للعمل في ويندي هاربور، و سكنه في بيت جارتها، و و فاة والدها، ثم خطوبتهما! كل شيء مقدر حدوثه لحكمة ما، هذه الرحلة و هذا المطر من تخطيط القدر، و حتى…
19
“أوليفر، انتبه!”.
+
كانت السيارة تلتهم المسافات خارج منطقة «مانجيموب» حين ومض جسم عنبريٌ في الأفق و اصطدم بها! مزق المشهد السريع أفكار ماريغولد و جعلها تجفل و تصرخ بقوة متشبثة بمقعدها، بينما صاح رفيقها شاتما سوء الطالع:
9
“اللعنة!”.
2
“أوليفر، ما كان ذلك؟”.
+
رفعت رأسها، فجحظت عيناها، و تجمدت نظراتها على بقع دماء لطخت الزجاج الأمامي للسيارة، فلمست رفيقها بقلق:
+
“هل أنت بخير؟ أرني أين أصبت؟”.
+
“اهدئي! هذا ليس دمي”.
+
أضاف مشيرا نحو المسَّاحات التي أزالت الدماء مع قطرات المطر بسرعة، ليؤكد لها أنها على الزجاج الخارجي للسيارة:
+
“أعتقد أنني دهست حيوانا!”.
27
“يا إلهي!”.
+
و دون تردد ترجلت من السيارة فزعة:
+
“ميغ تمهلي! قد يكون حيوانا شرسا!”.
6
كان يعرف أنها رحيمة و عنيدة بشكل جنوني، و أيقن أنها لن تصغي إليه مهما حاول ثنيها، انتزع سلاحه الناري من خصره و نزل في أثرها متوترا، لكن الحيوان الجريح لم يكن سوى مهرة بائسة، لم يشفع لها لونها العنبري، و لم تحفظها أصالتها النادرة من مصيرها القاسي، أعلنت ماريغولد بعد فحص خبير:
1
“كسرٌ في قائمتين، يا للمسكينة!”.
15
أعاد أوليفر سلاحه إلى خصره عندما وجد أن الحيوان لا يشكل خطرا عليهما، و اكتفى بالمراقبة صامتا، فهو يدركُ أن خطيبته ابنة مزارع و بيطري.
+
        
          
                
“علينا نقل المهرة إلى أقرب عيادة بيطيرية! أوليفر، هل أنت معي؟”.
1
“آسف! شردت قليلا”.
+
حدق بالمهرة متبرما، و تابع معنفا نفسه:
+
“أردت أن يكون هذا اليوم مميزا لنا… و انظري ماذا صنعت؟ كدتُ أن أودي بحياتينا مرتين!”.
20
أزعجها أنه لم يكترث لكونه كاد يودي بحياة المهرة أيضا، و ربما شوَّه الاصطدام العنيف عظامها! غير أنها امسكت سيلا من الكلمات الغاضبة، و قالت بدلا منها في هدوء:
1
“لا بأس! ما يهم الآن هو أن نسعف هذه الصغيرة قبل أن يسوء وضعها أكثر!”.
+
انحنت ماريغولد تداعب شعر المهرة اللامع لتهدئتها، خف المطر قليلا إلى أن توقف تماما، فهمست لها برقة:
+
“ٱنظري! توقف المطر، و قريبا سيتوقف ألمك كذلك، أرجو أن تعذري خطيبي الأرعن على ما سببه لكِ من أذى، لكنه سيصحح خطأه، فقط تحلي بالصبر صغيرتي!“.
1
“ماذا حل بمهرتي؟”.
6
التفت الاثنان صوب الصوت الصغير الذي خاطبهما من الخلف، فلمحا طفلاً في الخامسة من العمر يبرز من بين الأشجار لاهثا، تقدم من مكان الحادث بوجه شاحب، ثم سأل ثانية و قد اجتمع كل حزن الدنيا في نظراته:
13
“هل… ستموت؟”.
+
حبست ماريغولد أنفاسها، لم تتوقع أن تكون المهرة لمجرد طفل، كان من السهل عليهما ربما أن يتعاملا في هذا الشأن مع شخص بالغ، لكن… كيف سيتفهم هذا الصغير الوضع؟ لاحظت كم هو جميل الوجه، و راقي الملبس، علاوة عن المهرة الأصيلة التي يملكها، فأيقنت أنه ينحدر من عائلة غنية بلا شك. خاطبته بما أمكنها من لطف متسائلة:
+
“لا تقلق، ستكون صديقتك بخير عزيزي! و لكن… ماذا يفعل طفل مثلك في الغابة وحيدا؟”.
+
نفذ صبر المفتش من صمت الصبي، فتولى الأمر و شرع في استجوابه:
+
“من تكون أيها الصبي؟”.
+
عبثا حاول أوليفر استنطاقه دون جدوى، لم يأبه الطفل بغير المرأة التي أمامه، وضع يده الصغيرة في قبضتها كأنه يتأكد أنها من البشر، لكن المفتش نجح في خطف اهتمامه حين استطرد بضيق واضح:
5
“أين والداك؟ كيف يهملانك في مكان كهذا؟!”.
9
كأن الطفل تلقى صفعة أيقظت حواسه، تقلص جسده، و همس بصوت تتنازعه الرجفات:
+
“ليس لي… والدان!”.
67
حز ذلك في نفس ماريغولد، رأت أمامها أكثر من مجرد طفل وحيد في الغابة، رأت قلبا متصدعا كقلبها، و روحا مكلومة من فقد الأهل مثلها، بدا كل شيء متعلق بالطفل يعنيها شخصيا، و ودت لو بإمكانها حمايته من ذلك الشعور الطاحن، و من أسئلة أوليفر التي اتسمت بالخشونة. همست لخطيبها:
1
“مهلا! يبدو طفلا حساسا، دع الأمر لي”.
+
أضافت مخاطبة الصغير بنعومة:
+
        
          
                
“أصغ إلي صغيري، إن كانت المهرة لك فعلا، فهذا يعني أنك تعيش في مزرعة، و لا بد أنها قريبة!”.
+
هز رأسه إيجابا، فتحمست ماريغولد مستأنفة كلامها باتجاه اوليفر:
+
“هذه بارقة أمل بالنسبة لوضع المهرة، في المزارع الحديثة عيادات بيطرية مجهزة بكامل المعدات”.
+
لم يكن أوليفر في مثل نصف حماسها، لكنها واصلت محادثة الصبي بأمل كبير:
1
“أنت تذكر الطريق إلى المزرعة، صحيح؟”.
+
هز رأسه هذه المرة بارتباك، و قال متلعثما:
+
“لا أدري! أعتقد أنني أضعت طريق العودة!”.
+
تدخل أوليفر معلقا:
+
“في هذا الجزء من الجنوب الغربي لأستراليا المزارع و مراعي الماشية يستحيل عدها! ثم إننا لن نسير خلف مجرد صبي لا يتبين الطريق جيدا، دعيني أطرح سؤالاً أدق!”.
+
ربت على شعر الطفل الأسود مستطردا:
+
“أيها التائه الصغير! إذا كنت وحيدا… فلمن المزرعة إذن؟ ما اسم الشخص الذي يديرها؟”.
+
ابتسم الطفل كأنه بصدد ذكر بطله الخارق، و أجاب فورا:
+
“هارولان كينغ… هو خالي و سيد مزرعة كينغلاند”.
136
تشكلت على قسمات المفتش صدمة أذهلت ماريغولد، عجبت من أمره حين سحبها بعيدا عن الطفل و مهرته، غير أنها تخلصت من قبضته، و طافت في ملامحه بنظرات حانقة، فلم تجد سوى وجها يرتعش و يرتج انفعالا!
7
“ماذا تفعل؟ علينا حمل المهرة إلى…”.
1
“لن نفعل! سنتركها هنا و نرحل على الفور!”.
22
“لا يمكن أن تكون جادا! حالها حرجة!”.
+
قبض ثانية على ذراعها بقوة، فتابعت مستنكرة و هي تقاوم سحبه لها:
+
“كيف يعقل أن ننقذ الطفل و نتركها هي؟ ماذا سنقول لعائلته؟”.
+
أجابها أوليفر و قد اشتدت قبضته قسوة، و اخشوشنت نبرته:
+
“لا شيء، لأننا سنترك الطفل هنا أيضا!”.
49
“هذا فضيع! هل فقدت صوابك؟”
+
“صدقيني الفضيع هو إقحام نفسينا في عالم السيد كينغ الأسود!”.
9
أفلتت منه بغضب شديد قائلة:
+
“لن نترك طفلاً صغيرًا مع حيوان جريح دون مساعدة! نحن من تسببنا بالحادث، لا تنسى!”.
+
“الذنب كله يقع علي، ستكونين بمنأى عن عذاب الضمير!”.
5
أضاف و الزبد يسيل من شدقيه:
6
“و الآن فلنرحل قبل أن يأتي هارولان كينغ و يجهز علينا!”.
+
تسمرت ماريغولد في مكانها بعناد متمتمة:
+
“إذا وافقتك على أمر كهذا، فلا فرق بيننا، بل سأكون أعلى درجة في الذنب. لست أفهم ما هي مشكلتك مع كينغ هذا، و لا أكترث لأي شيء تقوله عنه، لأنني لن أتحرك دون الطفل و المهرة معا!”.
26
        
          
                
كان واضحا أنها ستضرب بصراخه و انفعاله عرض الحائط، و لن تتحرك قيد أنملة دون تقديم يد العون، فرك جبينه و عينيه محاولا أن يهدأ، التقط أنفاسا عميقة، و جدد المحاولة مستجديا عطفها نحوه:
+
“ليسا بحاجة إلينا!”.
+
تأمل الطفل الذي جمده الحوار الدائر أمامه، و واصل ببطء:
+
“إنه ليس طفلا عاديا، عائلته ليست كأي عائلة أخرى ستمتن لنا إزاء انقاذ طفلها، ليست لديكِ أدنى فكرة عمن يكون هارولان كينغ هذا، لا تتصوري أن الجميع يحملون في صدورهم قلوبا رحيمة مثل قلبك، أنتِ عاطفية جدا مقارنة بالواقع حولك، خال هذا الطفل اقطاعيٌّ منزوع الإنسانية، إنه يدمر كل من يفكر في منافسته على صعيد العمل! فكيف بمن يمس فردا من عائلته أو مواشيه بسوء؟“
33
   لم يظهر على ماريغولد أنها توافقه، فاستطرد بانفعال:
+
”إن أسعفنا المهرة و رافقنا الطفل إلى عرين خاله بأنفسنا، صدقيني… لن يمنحنا حتى فرصة لشرح موقفنا، سيسحقنا كحشرتين بائستين!“.
1
   التوى فمها بامتعاظ شديد مصرحة:
+
”إذا كان هناك شخص عديم الرحمة منزوع الإنسانية الآن… فهو أنت! أما بالنسبة للوحش كينغ… فقد يكون بعيدا جدا عن وصفك له، ربما هو الآن مجرد خال مفطور الفؤاد!“.
33
   فكرت قليلا و أضافت ساخرة:
+
”ما دمت تخشى مواجهة الوحش في عرينه، يمكنك إسعاف المهرة بسرعة، فالوقت الضائع ليس في صالحها، و سأتولى أنا مرافقة الطفل إلى خاله الإقطاعي!“.
13
   كانت سخرية خطيبته بالغة الأثر في أعماقه كرجل، و كمفتش حامل للقب الخير و العدالة و القانون؛ لكن نفوذ آل كينغ هزم كل شعور أوشك أن يستيقظ فيه، كان على يقين أن صاحب القطعان السوداء تلك لن يتركه بسلام.
+
”صغيري! أرني الطريق الذي أتيت منه“.
+
”هل جننتِ ماريغولد؟“.
+
   كانت تلك محاولته الأخيرة لاقناعها بالعدول عن موقفها، فعاد إليه انفعاله و هياجه لفشله المحتمل مسبقا في هزم عنادها، و بدت نبرة صوته المرتفعة شيئا جديدا على أطوار المفتش المنضبط، مما أزعجها و جعلها تكز على أسنانها قائلة:
8
”لا تصرخ! أنت ترعب الطفل“.
+
”حسنا، سأهدأ و ستصغين إلي… اتفقنا!“.
+
   تناول وجهها بين راحتيه مستطردا:
+
”مساعدتنا لهذين ستفتح علينا بابا من الجحيم! لذا سنمضي إلى بانبري و ننسى ما حدث“.
12
   لأول مرة ترى ماريغولد ما لم تره من قبل في أوليفر هاغان، إنها الأنانية! أبعدت يديه عنها غير مصدقة، شيء ما استيقظ داخلها، تمتمت بأعصاب مشدودة:
3
”سأسألك لآخر مرة… هل ستساعد الطفل و مهرته، أم ستصر على المضي قدما كأن شيئا لم يحدث؟“.
3
   خُيل إليه أنه يعيش كابوسا رهيبا، تلعثم و تصبب عرقا، نظر في أغوار عيني ماريغولد حيث كل رحمة ممكنة… و كل ازدراء أيضا، و لم يجد نفسه هناك! في حين تمسكت هي ببصيص الأمل الأخير، خيط رفيع قد تعثر عليه في جوابه، و تتثبَّثُ به؛ رغم أن الجواب كان جليا أمامها في عينين تشفَّان رغبة الرحيل و التخلي عن روحين ضعيفتين، كان الجواب منذ البداية يطوف فوق علاقتهما الضحلة!
+
”سأختار أن نمضي في طريقنا إلى بانبري… كأن شيئا لم يحدث“.
+
   جاهدت لتثبت على وقوفها، لتستوعب جوابه، و لتسحب خاتمه من إصبعها قائلة:
+
”إذن ستمضي لوحدك أوليفر، فأنا على عكسك… لا أتخلى عن مبادئي، حتى إن كان هذا على حساب علاقتنا، حتى… على حساب حياتي!“.
125
”لا تفعلي هذا ماريغولد!“.
+
”لم تترك لي خيارا آخر“.
+
”لا تدمري سعادتنا!“.
11
”لن تكون هناك سعادة بانتظاري مع رجل مثلك، كل شيء انتهى هنا، الرحلة… و علاقتنا كذلك!“.
73
   لم تعثر ماريغولد على ذلك الخيط الرفيع، لم تجد أثرا لرجل المبادئ الذي عرفته؛ أو ظنت أنها تعرفه! و لم تمنع تلك الدمعة من السقوط و هي تراقب السيارة تلفظ حقيبتها خارجا، و تبتلع خاتما منزوعا و خطيبا تبين أنه من ورق! أوليفر لم يفكر مرتين في المضي وحده، كأنه كان ينتظر منذ البداية ذلك الصدع ليفرَّ بعيدًا! أصبحت السيارة الراحلة نقطة سوداء في الأفق لتتلاشى لاحقا، و غدت ماريغولد بعد ثوانٍ وحدها مع طفل حائر… و مهرة جريحة… في مكان مجهول وسط الغابة! تركها أوليفر بتلك البساطة! عجزت ساقاها عن حملها من الصدمة، انهارت على ركبتيها، و لهثت بصعوبة محاولة عدم البكاء، و لم تشعر إلا و الطفل يدنو منها… و يمسح دمعتها الوحيدة مشجعا!
53
”لا تخافي أيتها الجميلة! خالي هارولان قوي و شجاع… لكنه ليس سيئا!“.
126
نهاية الفصل الأول.
نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية جبال الالم كامله وحصريه بقلم هاجر حسين - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top