رواية عديل الروح الفصل الرابع عشر 14 بقلم الكاتبة ام حمدة
**************يا سماء أبرقي واصرخي.
و يا نجوم أنوري سمائي.
فقد حانت ليلتي، وعمر انقضى ينتظر سعادته.
فهللي واستبشري، فاليوم يومي….
والعمر أمامي…..
وجوهرتي صارت بين يدي….
يا سماء أرعدي وابعدي عيون حاقدينا.
فاليوم عرسي، واليوم فرحتي.
بجمع طاقت له نفسي.
وحضن اشتاق لساكنيه.
يا سماء أمطري بخيراتك، فاليوم يوم سعدنا.
وأفراح عمت منازلنا، وقلوب تراقصت لأفراحنا.
يا سماء اشهدي بارتباطي بملكة صارت مليكتي .
….سلطان….
يده بيد والده، والفرحة تشع من عينيه، وابتسامة تشق شفتيه، يردد خلف الشيخ ليعقد قرانه على فرسه المتمردة، بل…. زوجته!!
ثوان هي فقط تفصله عنها لتصبح له.
” قبلت زواجها “.
التصفيق والتصفير ملئ المكان، والبهجة والسرور طفق ينشرح حولهم، فاليوم يوم عيد، يوم فرح أميرهم سلطان على محبوبتهم مريم درة الدار.
أمسك بالدفتر والقلم بيد ارتجفت بالرغم عنه، وضع رأس القلم وهو ينظر لتلك الورقة بمزيج من اللهفة، فتلك الورقة ستجمعهما ببيت واحد.
وبثقة جُبِلَ عليها، وبغرور بأنه قد وفى بوعده ذيل مكانه بتوقيعه المهيب، ونظر لمكان توقيعها الفارغ، هنا ستكتب اسمها ليقترن باسمه للأبد.
تأمل الدفتر بيد ابن عمه ثم تحركت عيناه تتبعه وهو يدلف لغرفتها. ثواني…دقائق…والوقت يمضي، ومحمد لم يخرج من عندها.
قطب حاجبيه بخوف تسلل لأعماق قلبه من أن تسقط وعدها.
طبول تقرع بين أضلاعه، وتوجس سرى كما النار بالهشيم تقطع أحشاءه بوحشية لم ترحم حاله، ضيق اخترق صدره، وعيونه اشتعلت نارا ستحرقها بكل تأكيد لو خذلته.
أراد النهوض ورؤية ما يعيق ابن عمه، أو بالأحرى ما يؤخرها بوضع اسمها على اسمه، هل غيرت رأيها؟!!…. هل تراجعت عن قرارها؟!!… أسئلة دمرت صبره، وتاق للإسراع لها وشدها وإجبارها بالقوة للزواج به.
هم بالوقوف، فسمع فتح الباب وشقيقها يخرج من الغرفة، ويتقدم ناحية الشيخ ويعطيه الدفتر…
يا الله!!… لم يشعر بحياته قط بهذا التوتر والخوف، بانتظار نتيجة موته أو حياته، شعر بجبل ضخم يجثوا على صدره، يتطلع لمحمد تارة ثم للشيخ وقد بلغ الترقب حده ليصرخ بهم دون قصد:
” ماذا؟؟… هل وقعت أم ماذا؟؟ “.
تطلع الجميع إليه باندهاش لتصرفاته الغريبة، المختلفة كليا عن شخصيته الرزينة والمحنكة، فهذا الرجل الجالس أمامهم لا يبت لسلطان بأي صلة.
ناظره الشيخ مبتسما للهفته بالمعرفة، وقد عذره فهذه حال المقبلين على الزواج، ولم يكن يعرف أسباب خوفه ولهفته للمعرفة فما جمعهما الآن لم يكن بالأمر الهين .
” مبروك يا بني بالرفاه والبنين!! “.
أقبل الجميع يهنئونه ويدعون له بالزواج السعيد وبالذرية الصالحة، وهو جامد بمكانه دون أن يبدي أي إشارة بالحياة، فقط ينظر للسعادة التي تشع من وجوههم التي تخبره بأن ما سمعه صحيح، هي وافقت!!.. وأخيرا أصبحت مريم حرم سلطان.
أخذ يتقبل تلك التهاني بقلب ينبض بالسرور والسعادة، تكاد الدنيا لا تسعه من فرط فرحته، والترقب واللهفة لتلك الأنثى المتوارية تحتمي خلف جداران غرفتها، لكن ليس اليوم….فاليوم لا مهرب لها منه، اليوم لا تستطيع الخلاص منه أبدا، ولن يستطيع أي باب أو جدار أن يحميها منه، فهي له وللأبد .
تحرك ناحية شخصان مهمان بحياته، لطالما سانداه بكفاحه للوصول لابنة عمه، ولن ينسى أبدا مساعدتهما له.
توقف أمام جدته وابن عمه محمد، ينظر إليهما وعلامات السعادة تضفر من محياه، لم يستطع إخفاءها، فاليوم لا مجال لمداراة مشاعره، ولن يخجل من إخراجها وإعلانها للملأ.
” ألن تباركِ لي يا جدتي؟؟ “.
هزت رأسها بالموافقة ولم تستطع كتم دموعها، فلقد حل اليوم الذي انتظرته طوال حياتها، أن ترى ابنتها، ابنة الغالي تزف لزوجها، اليوم سعادتها لا تسع العالم كله، فاليوم حلمها قد تحقق بأغلى إنسانين لقلبها، و تستطيع الآن الراحة، تستطيع إغماض عينيها بهناء دون التفكير بمستقبل ابنتها، فقد كان همها كبير جدا، فهي أمانة ابنها الغالي، فكيف تستطيع إغماض أجفانها براحة دون أن تأمن على جوهرتها النفيسة؟!! وسلطان هو الرجل المناسب لها، ولو وجدت شخص آخر غيره يكون أمين على ابنتها، لما ترددت للحظة واحدة بتزويجها منه .
احتضنها ما أن شاهد دموعها وهمس بوجل:
” لما الدموع يا جدتي، ألست سعيدة بزواجنا؟!! “.
ابتعدت عنه وناظرته، ودموعها تهطل على تجاعيد وجهها تحاكي سنين عمرها وقالت:
” أنت تعرف مقدار سعادتي بهذا الزواج، ولطالما تمنيت أن يمددني ربي بطول العمر لأرى مريم تتزوج، والآن يمكنني الموت براحة، فأنا أضع مريم أمانة لديك، عليك بحمايتها وصون كرامتها، هي ابنة عمك قبل أن تكون زوجتك، وأنت لن ترضى بأن تهان ابنة عمك وتسحق بكرامتها الأرض!! “.
“جدتي… لا تقولي هذا الكلام!!… الله يعطيك الصحة والعافية، ويطيل بعمرك لتري أحفادي، ومريم بعيني هاتين، وأنا لن أبخسها حقها يا جدتي!! “.
قاطعهما محمد حانقا:
“جدتي.. هل نسيتني؟!!… أم يحق لمريم فقط أن تريها تتزوج وأنا لا؟!! “.
كتف ذراعيه بغضب مصطنع، وأخذ يضرب بقدمه على الأرض بضربات سريعة ومتتالية، وأشاح بوجهه عنها .
ضحك الجميع من غضبه، فنادته الجدة بالاقتراب ولم يهتم، بل أدار ظهره فَعَلتْ قهقهاتهم لتصل عنان السماء من أسلوب محمد المرح، فتركت الجدة أحضان سلطان وتحركت ناحية حفيدها، والتفت حوله لتقف أمامه ومدت يدها تمسك وجنتيه، وقالت بحنان التمسه منها على مدار حياته كلها:
“أنت أغلى من قلبي يا ولدي، وغلاوتك من غلاوة شقيقتك، وأنا أيضا أنتظر ذلك اليوم الذي أزفك فيه لأراك تجلس بهيبتك وبشتك يلتف حولك، وعروسك بفستانها الأبيض تجلس بجانبك، سيكون ذلك يوم المنى بالنسبة لي “.
أمسك بكفها ولثم باطن يدها بكل الحب الذي أودعته بعروقه وقال يكابد دموع تغالب جفونه:
“أنت تعرفين أنني كنت أمزح، وأنا أعرف مقدار محبتك لي، ولا أشك بغلاوتك لي”.
احتضنها وقبل رأسها بامتنان، لتلك السيدة العظيمة التي ربتهم بإخلاص، وحب، وتفان قد خلى العالم منه، اقترب سلطان منهم وقد وجه حديثه لمحمد:
” وأنت.. ألن تبارك على زواجي من شقيقتك؟!! “.
ناظره محمد بقلة حيلة، فهو لم يرد أن يتزوج شقيقته، وكان سيقاوم بكل قوته ضد هذا الزواج، لكن حكم الله قد قيل، ومن هو ليعترض على حكم القدير.
“بالطبع سأهنئك يا صهري، لكن قبلها سأقول لك كلمتين وجب عليك أن تحفظهما جيدا!! “.
أخذ أنفاسا ثم زفرها وتطلع لمن حوله وقال:
“أشهدوا على قولي هذا، سلطان… لا تعتقد بأن ليس لشقيقتي سند تحتمي به، ولا يتبادر لذهنك بأنها دون عائلة، فأنا عائلتها، أنا جدارها، وسأقف ضدك وبوجهك إن علمت بأنك قسوت أو تعديت حدودك عليها، فهي ليست وحيدة، هي لديها أنا، وسأحاربك بكل قوتي لو أشارت لي برغبتها بالخلاص، ولن تهمني القرابة بيننا، فشقيقتي أهم لدي من أي شخص آخر!! “.
سكت يحدجه بنظرات التحدي، وعيون لن تخطئ وعده أبدا .
رفع سلطان يده ووضعها على كتفه، وقال وهو يشير لمن حوله:
“هل ترى هؤلاء يا محمد؟!… جميعهم عائلتك، عائلتها، سندها، جدارها، ورجال العائلة لا يخذلون بناتهم أبدا!! “.
فتداخلت الأصوات، تصرخ بأنه والدها، وذلك شقيقها، فترقرقت الدموع بعينيه وهو يرى الجميع يخبره بأنهم ليسوا يتامى .
“والآن أريد ذلك الحضن الذي تبخل علي به!! “.
تعانقا بقوة، وشدد كل واحد منه على الآخر، فدار حديث خاص بين رجليين جمعتهما أنثى واحدة.
ابتعدا عن بعضهما وقال محمد بمزاحه المعتاد:
” حسنا يا ابن العم، لا تفرح كثيرا، ما زال عليك أن ترضي عروسك الغاضبة “.
” أنت محق، فأنا مستعد لفرسي مادامت أصبحت حليلتي، سأذهب لرؤيتها الآن، أدعو لي بالتوفيق!! “.
” أرجوك!!… حتى لو دعوت لك فلن ينفع، فأمامك بركان ثائر، ولو كانت حياتك مهمة لما ذهبت إليها!! “.
صرخ به محمد لكن هيهات أن تسمع كلماته، فقلب العاشق قد دق وتيرته الخاصة، ولكن بشكل أكبر، فهو لا يصدق حتى الآن بأن مريم أصبحت زوجته، ملك يمينه، كم يتوق إليها ويترقب لقياها، يعرف بأن طريقه لن يكون سهلا لكن يمني نفسه بالنجاح، مهما كانت الأساليب التي سيستخدمها لترويضها، وكم سيكون سعيدا بتجربتها .
وقف عند بابها وقلبه يكاد يخرج من صدره من رهبة اللقاء بينهم، فالوضع اختلف فلم يعد هناك أي حاجز ليبعدهما عن بعض.
طرقة….طرقة أخرى وفتح الباب …..
**************************