رواية عديل الروح الفصل الثالث عشر 13 بقلم الكاتبة ام حمدة – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

الفصل الثالث عشر – عديل الروح – بقلمي \ ام حمدة
**************
الرغبة… هي شيء جنوني يطيح بالشخص ويأخذه لعوالم غريبة عجيبة، يدخله بأحاسيس وعواطف تطيح بجسده وعقله على حد سواء, يتوقف العالم من حوله ويدخله بدوامة من المشاعر المشبوبة والمحملة بذرات من العواصف التي تفقدك اتزانك وواقعك، فيتلاشى كل ما هو حولك و أن لا وجود له فقط ( هو وهي ).
قبلها وبجنون, أحاطها بذراعيه يشدها لجسده العضلي فشعر بارتعاشها, هي بين ذراعيه تشعر بحرارته، تحس باختلاجاته وتوقه لها وليس كما السابق
( عندما مرضت ) كانت بين أحضانه ولكنها كانت بعالم آخر لم تكن تشعر به, أما الآن هو يتنفس هواءها, يتلمس بشرتها الناعمة وهي بالمقابل تريده.
زادت من نشوته وإثارته, فشد باحتضانها وزاد من تعميق قبلته التي اجتاحتها كطوفان جارف أفقدها تعقلها وحنكتها, تأوهت بفمه فاشتعل نارا, اعتصرها بين يديه وإحساس كبير بأنه قد طار إلى السماء العالية……
همس من بعيد يناديه، يخرجه من ضباب أحلامه الذي غشيه، لم يرد أن يبعدها عنه أو أن يخرج من الشرنقة التي أحاطت بهم، أرادها هكذا مدى العمر.
عاد يهرب إلى أحضانها، لشفتيها يلثمهما بقوة يكاد لا يصدق نفسه بأنه استطاع تقبيل تلك الشفتين اللتين طالما ناكدته، استطاع الآن إخراسهما كما تمنى مؤخرا, تمسك بها يشدها إليه ويغيبها من جديد بعناق آخر، قاطعة ذلك الهمس مرة أخرى يبعده عن رحيق عسله و يجبره على تركها فكان أن انصاع لذلك الصوت حانقا ومتوعدا المتطفل.
نظر لصاحب الصوت بتيه وضياع فصورته مشوشة كلوحة فنية ضربتها عاصفة من الألوان المتناثرة هنا وهناك لتمحو ملامح الشخص القابع خلف الألوان، رمش بعينيه عدة مرات وكمن عادت روحه إلى جسده وعاد لعالم الواقع ليصدم به:
” ما بك يا ابن العم؟! هل أنت بخير؟؟ “.
نظر واستغرب, وعقد حاجبيه دون فهم, كانت بين ذراعيه للتو ينهل من شهد شفتيها والآن هي بعيدة كبعد السماء عن الأرض, كان يعيش أحلام اليقظة.
جف حلقه وشعر ببلعومه يتمزق ويتقرح كمن كان في صحراء قاحلة وكان يرتوي من سراب.
حاول ابتلاع لعابه لعله يخفف من حدة الألم الذي ألم به لكن من أين سيطفئ نار أحرقته بلهيب نظراتها المشعة بالقوة, وتقف شامخة بأنفة امرأة أبدا لن تنحدر لذلك المستوى وتتركه يفعل بها ما يريد.
أغمض عينيه بإعياء تلبسه, وجهد أضعف جسده المنهك بحلم سلبه كل قوته وطاقته, كان مجرد حلم أراد به فقط أن يخرسها…أن يقطع سيل الكلمات التي تنخر قلبه ولكن استيقاظه من هذا الحلم كان الأشد إيلاما!!…. كأنه وقع من على جرف شاهق وارتد جسده على الأرض متحطما لأشلاء.
تأملها وشاهد الخوف بعينيها، كان ذلك الخوف المتوج بداخل مقلتيها من أجله!! وتساءل باستغراب.. إذا.. لما البعد ولما الرفض؟!!
اقترب منها دون أن يشعر أراد هزها بقوة والصراخ عليها لتستيقظ ويجبرها على الموافقة عليه.
تراجعت بخوف من تلك النظرة التي تألقت بمقلتيه فاصطدم ظهرها بعمود خشبي منعها من التحرك, حركت رأسها تبحث عن مخرج لكن هيهات فقد شعرت به يحاصرها من كل الجهات, وقبل أن يقترب منها صرخت بوجهه تنقذ نفسها مما ينوي فعله بها:
” توقف بمكانك يا ابن العم وإلا ستنال مني ما لا ترضاه!! “.
توقف وشاهد الارتباك على ملامحها وهمس والغضب بدأ يعرف طريقه إليه، فخرجت كلماته باردة محملة بتهكم وشيء آخر لم تعرف ما هو :
” خائفة يا ابنة العم؟؟ “.
هزت رأسها بعد حين بالرفض فلوى شفتيه وتكتك بلسانه قائلا:
” مخطئة عزيزتي، وجب عليك الخوف مني!! “.
شملتها عيناه بحلتها الجديدة، وجهها الذي تغيرت معالمه كليا بعد أن كان ممتلئ أصبح الآن آية من الجمال.
هبطت عيناه لجسدها وتطلع إليها من خلف عباءتها الواسعة، لم يعرف مقدار الوزن الذي خسرته لكن يبدوا أنه كبير، وبلحظة كاد أن يبدي إعجابه لمثابرتها ورغبتها بانقاص وزنها, فتسلل إليه هاجس بالخوف من أنها الآن ستكون محل أنظار الجميع، وسيتوافد الرجال من أجلها، بل سيتقاتلون للحصول عليها فهي لم تعد كما السابق، فقد كانت محمية من عيون الجميع والآن……
نار استعرت بداخله, ونفسه البدائية تخبره بأن يحملها لمكان قصي ويخفيها عن الجميع, لم يستطع أن يحد عن ملامحها المستنفرة التي زادت وجهها توهجا جميلا, وهي بدورها ناظرته بتحدي سافر لا تخطئه عين.
أراد الاقتراب وخنقها بيديه والتخلص من ذلك الغرور والكبرياء التي تنطقها بندقيتها لعل وعسى يستطيع بعدها إخضاعها بسهولة، لكن كيف السبيل لإقناع فرسه المتمردة؟!
تحرك ناحيتها بخطوات متأنية كنمر يستعد للانقضاض على فريسته, وتوسعت عيناها وهي تراه يقترب منها، رفعت مقلتيها لعينيه لترى ذلك التوهج المشتعل بآتون حارق موجه ناحيتها تكاد تشعر بحرارته من هذه المسافة الفاصلة بينهما.
اقترب وتحفزت لهجومه, اشتعلت وهاجت مشاعرها, تأهبت لتلك المعركة التي نطقت بها عيناه, وفجأة تغير كل شيء وغادرتها قوتها وتجمدت بمكانها ما أن أدركت ما سيحصل بعد قليل.
خطوة واحدة صغيرة وسيلامسها، خرجت شهقة دون إرادتها, وارتفعت وتيرة أنفاسها, ودقات قلبها تقرع مثل الطبول الهادرة, سيلمسها… سيجتاحها، هذا ما أدركه عقلها و ما أخبرتها بها عسليتيه.
ثواني هي فقط وستشعر به يأخذها بأحضانه، وستشعر بعضلات صدره النافرة والقوية, وسخونة جسده المشتعلة, ارتعش جسدها بلذة لهذا الاكتساح الذي سيحل به و يا للعجب كانت مستسلمة لذلك الهجوم.
خطوة.. خطوتان و….لتتفاجأ به ينحرف بالخطوة الثالثة ويتجه لحصانها, لم تصدق ما حصل, لم تعتقد بأنه سيتخلى عما يريد وأنه سيرتد عنها باللحظة الأخيرة وبعمق أعماق قلبها شيء ما شعر بالخسارة.
زفرت بارتياح وارتخت أعصابها المشدودة ولكن لم تلبث أن عادت وتحفزت ما أن بدأ بسؤالها :
” هل صحيح أن أحدهم تقدم لخطبتك، وأنك موافقة عليه؟؟ “.
التفتت إليه وناظرته يربت بلطف على فرسها… كفه الضخمة تداعب شعرها برقة فسرت قشعريرة دغدغت حواسها، وتابعت عيناها يديه وهي تتحرك فوق الفرس فتخيلت نفسها مكانها وتلك الأصابع تجول فوق جسدها، أغمضت عينيها تنتشي بجنوح تخيلاتها هو يداعبها ويقبلها كما حلمت دائما، يأخذها بأحضانه ويمطرها بكلمات العشق والغزل ليحملها ويطير بها بين الغيوم وتعيش معه بسعادة للأبد.
فتحت عيناها وحدقت به بألم، أليست تلك الأحلام التي تحقق المستحيل تجعلنا نخوض تلك التجربة التي تتوق بها أرواحنا فتحول أحلامنا لحقيقة ملموسة بين يدينا؟؟.. تجعلنا نعيش اللحظة بوقت مسروق من حياتنا الواقعية، لا يهم مدته فالمهم هو أننا نعيشه ونختبر ما منعته عنا الأقدار.
دفعت تلك التخيلات جانبا وأخذت أنفاسا طويلة تستجمع قوتها المهدورة بحضوره, نعم هي ضعيفة بجانبه وهو لا يشعر بها, قوتها تلك ما هي إلى قناع تحمي نفسها من هذا الضعف والخذلان، فهي إن تخلت عن قناعها فلن تصمد طويلا أمامه وستخر أمامه ذليلة مكسورة, فتحدثت لتخرج كلماتها كما أرادتها صلبة:
” أجل يا ابن العم، ألن تهنئني على خطوبتي؟!! “.
تجمدت يده على الفرس ما أن قذفته بكلماتها القاتلة, تريد منه أن يبارك لها على زواجها من رجل آخر غيره؟!!..
نبضت نواذجه, واشتدت عروقه, ودون أي تحكم بأعصابه انطلق ناحيتها كإعصار عنيف سيجتث كل ما هو أمامه، لقد كان يمسك نفسه المشتاقة لتعنيفها من قبل إلا أنه لم يستطع مداراتها الآن، ليمسكها بعضدها ويهمس لها بفحيح بارد شعرت به يسري بعظامها لترتجف بخوف من هجومه الكاسح والمفاجئ لها:
” تحلمين يا ابنة العم فأنت لن تكوني لغيري، أنت لي أنا، هل تفهمين ما أقوله؟!! “.
كلمات التملك صعقتها, وهالة القوة المحيط به تسربت لداخلها لتجري بدمها كجريان الدم لتثور كرياتها الحمراء معلنة العصيان، وتشتعل عيناها بتحدي التقطته نظراته التي كانت تجري على صفحة وجهها تتأملها من هذا القرب الشديد, شعر بالبداية بجسدها يرتجف برعب من تعديه عليها، أراد الصراخ بوجهها وإخبارها بأن لا داعي لأن تخشاه, أراد أن يأخذها ليحيطها بأضلاعه يخبرها بأنه أمانها وأن هذا مكانها, وبعدها شعر بانقلاب حالها، رجفة الهلع تبدلت لارتعاشه غضب وحنق, تجاهل تقلبات حالها فحاله لم يكن أحسن منها، فهي السبب بما يحصل بينهم ولو لم ترفضه لما وصلت بهم الأمور لهذا الحد.
تحركت عينيها عليه ثم على كفه القابضة على ذراعها وتحدثت إليه وهي تطحن بأسنانها:
” أترك يدي بالحال!! “.
” وإن لم أفعل؟؟ “.
” ستواجهني أنا يا سلطان!! “.
التفت الرأسين ناحية الصوت الذي هدر بصرامة يعلن عن تواجده, فهمست مريم بدهشة لرؤية شقيقها بهذا الشكل كان مختلفا كليا كان يشبهه….يشبه ” أباها “.
” محمد!! “
ترقرقت عيناها بدموع لم تنسكب, وشاهدته يقترب ما أن لمح اسمه بين شفتيها, سحبها من يد ابن عمه وأحاطها بذراعيه يحميها فهو سندها… هو ظهرها وحاميها…ونطقت كلماته العاصفة بعزيمة لن تتزعزع, فرفعت ذراعيها تحيط بجذعه تبحث عن ملاذها وجدارها، فهي ليست وحيدة فشقيقها بجانبها, همس عند أذنيها بحنان وقال:
” لا تقلقي أنا هنا، ولن أسمح لأي كان بأن يؤذيك!! “.
رفع رأسه يحدج ابن عمه بنظرات صلبه لا تهتز وهو يقول كلماته الأخيرة بصوت عالي.
كان تحذير لا يخطئه أحد, تحذير بالابتعاد عن شقيقته الحبيبة، بأنه لن يتهاون بمن يحاول التعدي عليها.
أعجب سلطان بشجاعة محمد ووقوفه بجانب شقيقته دون أن يهاب من أمامه، حتى لو كان فرق الحجم والعمر شاهقا بينهما، بالرغم من بهجته بشكيمة الصغير إلا أنه كان مخطأ باعتقاده بأنه سيبتعد عنها ويتركها بحال سبيلها، ويبدوا أنه سيحارب لوحده هذه المرة.
أبعد شقيقته عنه ثم دفعها خلفه والتفت بجسده كاملا يواجه سلطان، وقال بتهكم لم يعتده أحد عليه:
” لم أعهدك يا ابن العم تعتدي على النساء!! “.
قذف تلك الفتاة المختفية خلف شقيقها بنظرات حارقة وحادث نفسه:
” وهل تترك لي شقيقتك مجال للتفكير, فمعها أفقد كل قدرتي بالتحكم بأعصابي “.
التفتت عيناه تطالع أخاها ورد عليه بهدوء:
” وهل تظن بي هذي الخصلة السيئة يا محمد؟!! “.
زفر محمد بتوتر وضيق لاح على وجهه فهو ما أن علم بوصول سلطان من جدته وتوجهه مباشرة ليحادث شقيقته بشأن خطبتها من رجل آخر, قد علم بأن ابن عمه سيغلي ويرفض وسيعاند ويطالب بها، فكما اعترف له من قبل بأنه لن يتخلى عن مريم وسيحارب الجميع من أجلها, حتى هي سيحاربها بسبيل الحصول عليها بجانبه.
تلك الكلمات أسعدته بل جعلته يشعر بالفخر والاعتزاز بأن مكانة شقيقته كبيرة جدا بقلب ابن عمها، و بأنها قد حصلت على الرجل المناسب الذي سيكون سندها بهذا العالم, وسيعوضها عن الحنان والحب الذي افتقدته بموت والديهم, وسيجعلها ترتاح من الأعباء التي تحملها فوق أكتافها منذ الصغر. لكن رغباته تلك قد تغيرت واندثرت تحت الثرى ما أن واجهتهم زوجته سلمى بعقر دارهم, وإلقاء اتهاماتها جزافا بحق شقيقته, وتفكيره بحياة شقيقته السعيدة قد طارت مع أدراج الرياح, فمريم لن تستطيع العيش بهناء بوجود تلك الحية بجانبها, فهي ستحول حياتها لجحيم وربما قد تؤذيها, لهذا آثر وتقبل أن زواجها من سلطان لا يناسبها أبدا, فاستقرار شقيقته النفسي أهم من رغبات الجميع.
تطلع لابن عمه وجالت أفكاره بكيف يقنع هذا الرجل بأن ما يريده لم يعد من نصيبه:
” لا يا ابن العم لم أعهد بك تلك الخصلة أبدا، لكن رؤيتك تمسك بشقيقتي بتلك الطريقة لم أستسغها مطلقا!!”.
عبثت أصابعه في شعره بتوتر وقال بارتباك:
” نعم أعرف، وأعتذر لفعلتي تلك “.
أخفض محمد رأسه وهو يحركه بضيق, فأمامه موقف صعب عليه أن يجتازه دون الخروج بأي إصابات.
تخللت أصابعه خصلات شعره يشده بقوة دون أن يفقه لفعلته، ثم زفر أنفاسه ورفع رأسه وقذف قنبلته وليكن ما يكن:
” سلطان… عليك أن تنسحب من حياة شقيقتي!!”.
عقد سلطان ما بين حاجبيه وشخص بعينيه للفتى الواقف أمامه يحادثه بشيء لم يفقه ما يقوله:
” لم أفهم ما تقوله يا ابن العم!!.. فهل لك أن تعيد ما هذرت به للتو؟! “.
” أنظر يا سلطان!!.. سأحدثك بكل صراحة، لقد تمنيت دائما أن تكون أنت زوج شقيقتي, فأنا لن أجد من هو يستحقها غيرك, صدقني تمنيت ودعوت من كل قلبي أن تكون من نصيبها لكن….”.
هز رأسه بحسرة ويأس أحبط حلمه.
” كما ترى…. “.
فتح ذراعيه على وسعهما….
” الواقع دائما مختلف ويعاكس رغبات الجميع, زواجك من شقيقتي لم يعد يناسبها بتاتا “.
” محمد!!… ما الذي تنطق به يا رجل؟! “.
” أرجوك لا تقاطعني ودعني أتحدث لننهي هذا الأمر نهائيا, فالموضوع قد طال وأنا لا أريد لشقيقتي الشقاء والحزن, وزواجك منها سيدخلها بدوامة الحزن والبؤس “.
” أنا يا محمد!!… سأجعل شقيقتك تعيش بالبؤس… أنا!! “.
حرك محمد رأسه برفض وقال:
” لا.. ليس أنت….. بل زوجتك سلمى…..هي من ستحول حياة شقيقتي لجحيم “.
شهقة خرجت من خلفه وهمست باسم شقيقها توقفه عن الاسترسال بالحديث, لم يلتفت ناحيتها بل واصل حديثه:
” لا يا شقيقتي، دعيه يعلم ما حدث بغيابه….دعيه يعلم عن زيارة زوجته لبيتنا, وكلامها وتحقيرها لك….دعيه يعلم عن تمنياتها ودعواتها لك…. بالموت “.
كان يتحدث بحرقة أخ لم يستطع وقف سيل الدعوات عن شقيقته, كانت تريد لها الموت كي ترتاح من وجودها, كانت تريد أن تحرمه من عائلته الوحيدة!!… نعم هي الوحيدة الباقية من عائلته، تريد أن تعيد له شعور اليتم من جديد.
تغضن حاجبيه بتكشيرة كبيرة, وتحجرت دموع أبية ترفض النزول, وتابع حديثه دون أن يرف له جفن:
” لهذا يا سلطان, أطلب منك أن تترك شقيقتي بحالها “.
كان يستمع, وكل كلمة ينطقها محمد يشعر بها كسهم ناري يخترق أضلاعه, وينغرس بخافقه بقوة يدميه ويوجعه, وكلمة الموت يتردد صداها بأعماقه زلزلت كيانه…الرحيل يعني الاختفاء….يعني يغيب جسدها تحت الثرى وتختفي نهائيا من حياته!!
صرخ قلبه بلوعة لتلك الحروف التي شقت جدار الصمت, ورحيل مرفوض بقاموسه, أبدا لن يسمح لها بالرحيل والابتعاد, ونطق دون أن يشعر بها تخرج هائجة, ثائرة, رافضة كل الرفض تلك التسمية:
” لا!!!… لن أسمح برحيلها أبدا!! “.
” لكن…”.
” لا يوجد لكن يا ابن العم!!… وسلمى سيكون لي تصرف آخر معها “.
” لكن أنا من ترفض تلك الحياة معك, لما لا تفهم هذا يا ابن عمي؟!… لما تجبرني على شيء لا أريده معك؟!! “.
تحدثت بعد صمت طويل وقد تركت المجال لشقيقها ليقف بوجهه ويرفض، وتعرف عز المعرفة كما تعرف دواخل نفسها بأن ذلك الرجل الذي يقبع أمامها وأمارات التحدي والغضب تشع من عينيه لن يتخلى عن أمر يريده، لذا وقع عليها الأمر بأن تنهي هذا الجدل وكل واحد منهم يسير بطريقه.
” أنا أرفض طلبك بالرفض, وزواجك مني شيء مفروغ منه, وسلمى لا تخشيها أبدا بوجودك معي!!”.
باغتها بتلك العنجهية التي كرهتها دوما فيه وقالت:
” كم أنت مغرور وواثق من نفسك يا ابن العم, بأن زواجنا شيء حتمي وانتهى البتات فيه!!… كأن موافقتي لا لزوم لها!!… كما أني لا أخشى أحدا يا ابن العم، لكن أرفض أن تكون حياتي كلها معك مليئة بالمعارك، ورفضي رفض قطعي لا رجوع فيه أبدا, والزواج قسمة ونصيب وعليك أن ترضى بنصيبك فلعله خير لك “.
صمت حل بالمكان, وجبهتين من أقوى الجبهات تقفان وتناظران لبعضهما البعض, فقد انتهى كل شيء, ولم يعد هناك مجال للمزيد من الكلام, فقد أسدل الستار, وأقفل الكتاب ولم يعد هناك ما يقال.
هل شعرت يوما بكيف تكون سكرات الموت؟!… هل شعرت بكيف تنزع روحك من جسدك بقوة دون أي رحمة بها؟!!… هل شعرت باليتم وعائلتك ما تزال على قيد الحياة؟!!
إحساس بالفراغ طغى عليه, وشعور بالوحدة تسلل لداخله, لقد انتهى الأمر, خسرها بسبب عماه وغباءه, لم يستطع التفوه بحرف واحد يحيدها عن قرارها المتعسف بحقه, كيف استطاعت أن تربط بؤسها بزواجها منه؟!…. كيف استطاعت أن تختار بعدها عنه راحة لها؟!…. بسبب خطأ لم يكن له دخل فيه….وزواج اكتشف أنه لم يكن له رغبة فيه!!
نعم، أخطئ ويعترف بغلطته، بطريقة حله لذلك الخطأ الجسيم الذي وقع فيه ووجده شيء مسلم به، لكن الآن كم يتمنى أن يعود بالزمن ويجد حل آخر غير الذي سار عليه.
صهيل الحصان أخرجه من دوامة كلمة لو…..
صهل مرة أخرى لشعوره بالجو المتكهرب بالحظيرة, فأخذ يصهل ويرفع قائمتيه يبعد ما يصله من شحنات سالبة تضيق به, وهنا لمعت وبرقت فكرة شيطانية, وشعاع بسيط من الأمل أنار طريقه وقالها بلهفة لم يستطع مداراتها, قالها دون أن يتفكر أو يخطط لها ما أن شاهدها تنوي التحرك والمغادرة:
” سباق الخيل…ما رأيك بسباق للخيل, إذا فزت أنت أرحل أنا ولن أعترض طريقك, وإن فزت أنا فستصبحين زوجتي في التو واللحظة!! “.
قال جملته الأخيرة بقوة وصلابة وعزيمة انبثقت من جسده وعينيه نطقت بوعد بالفوز، فتلك هي فرصته الوحيدة للحصول على فرسه العنيدة.
” ونحن موافقون يا بني على هذا التحدي “.
التفتت الرؤوس للخلف وهتفت:
” جدتي!! “.
**********************” لن أسمح لك بفعل هذا بي يا سلطان “.
اقترب منها لاويا ذراعها للخلف وقربها من وجهه وعلامات الشر تظهر على محياه، وقال بهسيس مخيف ارتجفت أضلاعها على أثره:
” ما الذي لن تسمحي لي فيه ها؟!… هيا تكلمي أمامي أم أنك تحبين الطعن بالظهر كما هي حالك دائما, طعنة تلو الطعنة, أنت غادرة, ومنافقة وأنا لن أسمح لك بتدمير حياتي مع مريم “.
لم يعرف ما حل بها بعد أن قال جملته الأخيرة مقرنة باسم ابنة عمه حتى جعلها تتحول وتتغير لامرأة أخرى غريبة لم يعرفها أبدا, كأنه لم يسكن لجوار تلك المرأة التي أمامه أبدا!!
” اخرس… اخرس، اياك وأن تنطق اسم تلك اللعينة أمامي, تلك العاهرة الرخي….”.
لم تكمل جملتها فكفه العملاقة أبت أن تخدش براءة أطهر خلق الله, فما كان منها سوى أن تخرس ذلك الفاه الذي يخرج السموم من بين شفتين لطالما أغرته ونادته بأنوثة لم يجدها سوى فيها، لكن تلك كانت من النوع البراق الذي يغشى النظر ثم بعد أن ينتهي لمعانها تظهر حقيقتها جلية أمام العين.
وقعت على الأرض مصدومة من صفعته, لم تصدق بأنه سيأتي اليوم الذي ستضرب فيه بسبب تلك الحقيرة السمينة وهمست بحقد:
” أتضربني أنا من أجل تلك السمينة!!”.
” سلمى!! “
هدر بها بصوت عالٍ لكن هيهات أن تسكت فوهة الجحيم التي فتحت لتحرق كل ما هو أمامها، لم يتبقى لها شيء لتخسره .
” لا لن أسكت يا سلطان, فأنا من حقي أن أدافع عما لي, وأنت زوجي أنا, أنا زوجتك, أتريد مني أن أقف وأراقبك تتزوج من أخرى غيري؟! “.
وبدأت دموعها تنسكب على وجنتيها وشهقاتها تعلوا وترتفع, زفر سلطان بضيق واستغفر الله على فعلته تلك, لم يكن يريد ضربها لكن سماعه لتلك الكلمات بحق ابنة عمه لم ترضيه أبدا.
اقترب منها ورفعها من على الأرض وأحاطها بذراعيه وتقبلت هي أحضانه بكل صدر رحب, وعانقته بقوة وأخذ يهدهدها بلطف, ويمسح على ظهرها برقة, فهي مهما كان زوجته وعليه أن يلتمس لها العذر فيما فعلته, فأي زوجه لن ترضى بوجود امرأة أخرى تزاحمها مكانها ولكن عليها أن تتقبل هذا الأمر شاءت أم أبت.
أبعدها عنه وبإبهامه مسح دموعها السوداء التي تمازجت مع كحلها المسال وشوه جمالها وقال بهدوء:
” اهدئي يا سلمى، لا تبكي “.
قاطعته بلهفة وقالت تغالب دموع أخرى تتحين السقوط:
” أرجوك يا سلطان لا تتزوجها… أنا أتوسلك أتركها, ألا تحبني أنا؟.. أنا أعجبك، أنت قلت لي هذا, ألم تقل ها؟؟… أرجوك!! “.
هوت بوجهها تقبل وجهه تحاول إغراقه بجسدها كما اعتقدت أنها تفعل, ولم تعلم بأن هذا يحدث بمزاج ذلك الرجل الجلف الذي أبدا لن يترك امرأة تقوده وبالطبع لن يكون جسدها سلعة لإغوائه.
أبعدها عنه بصعوبة بعد أن كانت متشبثة به كما يتشبث الغريق بقطعة خشب.
” سلمى!!… بالله عليك أتركيني، فهذا ليس بوقته “.
ابتعدت عنه مجبرة, وطالعته وهو يقف مبتعدا عنها وهو بحالة من التفكير العميق، فنطقت ملامح وجهها بالسعادة بأنها استطاعت أن تغير رأيه لكن حديثه التالي كان كالرصاصة الفاصلة بين الجنون والتعقل:
” سلمى… اسمعيني جيدا وأنا لا أحب أن أعيد حديثي مرتين كما تعرفين…زواجي من مريم لن يغير شيء من حياتنا, وأنا لن أقصر بحقك أبدا, بل سأغدقك بالكثير من المال والهدايا, كما أيضا يمكنك السفر أينما شئت ومتى ما أردت كما تحبين، وسوف أعدل بينكما وكل واحدة منكما ستأخذ حقوقها كاملة دون أي نقصان “.
تجمدت بمكانها وهي تعيد وتكرر حديثه بارتباطه بابنة عمه وأنه لن ينقص بحقوقها, كانت تهذي بكلماته وتعيدها وتكررها, إذا هو لم يغير رأيه فتحدثت وكلماتها تحمل من الغل الكثير:
” لما إصرارك عليها؟!!… لما هي بالذات؟!!… ألن تغفر لي زلتي أبدا!! “.
توحشت عيناه ونطق بصوت جلدي مفخم بالغضب:
” فعلتك كبيرة يا سلمى ولا تغتفر أبدا “.
” أنت لا تسامح بسهولة!!… ولا تعطيني فرصة كي أبدي ندمي على فعلتي تلك!! “
اقتربت منه وأمسكت كفيه وتوسلته بعينيها، فأشاح بوجهه بعيدا مشمئزا وغاضبا منها, ففعلتها تلك لم يستطع أن يسامح عليها.
شاهدت معالم وجهه تنطق بالصلابة فهي تعرف بأنه لن يتزحزح عن قراره أبدا، فتوسدت عيناها حقد وبغض ونطقت مهددة إياه كحل أخير يثنيه عن الزواج من ابنة عمه:
“سأخبر والدي بما أنت عازم عليه، وسيرميك أنت وهي خلف الشمس “.
ابتسامه شامتة انزوت بجانب شفتيه، وعينيه ناظرتاها من الأعلى للأسفل بغرور صرف، وقال يغالب اشمئزازه من تهديده بوالدها:
“أرجوك!!… أنت تهددينني بوالدك لزواجي من أخرى؟! “.
شخر بصوت عالي واستطرد مكملا تهكمه منها:
“عزيزتي!!… أنت تعرفين والدك جيدا كما أعرفه، وتعرفين أيضا أن والدك من النوع المزواج وحاليا توجد على عصمته زوجتان غير والدتك، هل ترين بأن لديه الحق بإقصائي عما أريد؟! “.
تهدلت كتفيها باستسلام, ونكست رأسها بانهزام, فهو محق فيما يقوله، فوالدها لن يقف بجانبها أبدا فهو مشغول بزوجاته، وليس لديه الوقت ليضيعه بسخافاتها هذه كما أنها تخمن بأنه سيدعمه بزواجه من أخرى، فقانون والدها ” استمتع بالحياة فهي قصيرة جدا “
ثوان هي فقط لتقفز بسعادة وتحدثت بلهفة كمن وجدت حل لمعضلتها العويصة:
” أرجوك يا سلطان لا تتزوجها هي….لما لا تتزوج من أخرى وأنا… “.
مسحت دموعها أين كان ولم تهتم بشكلها.
” أنا سأختار لك واحدة أو اختر أنت وأنا سأزوجك إياها, وسأرقص بعرسك و….و….”.
وأخذت تهذي بجنون كمن مسه خطب ما, وهو ينظر إليها ولا يصدق ما تتفوه به من كلمات, لا يصدق بأنها زوجته, وأنها هي من تتحدث عن زواجه بهذه اللهفة ولا الترتيبات التي ستقوم بها, وهنا لمع شيء غفل عنه تماما وحادثها يستشفي ما توصل إليه:
” إذا أنت لا تمانعين زواجي من أخرى، هل ما فهمته صحيح؟!! “.
هزت رأسها بالموافقة وصرخت بسعادة:
” نعم…نعم أنا موافقة على زواجك, واختر أي واحدة أو يمكنني أن أعد لك قائمة بالفتيات المناسبات “.
حدق بها ثم قال:
” وأختار من أريد وأنت ستذهبين لخطبتها لي؟! “.
” أجل يمكنك أن تختار وأنا سأزوجك إياها “.
” حسنا، أنت من قال بأن أختار وستذهبين من فورك لخطبتها لي؟! “.
هزت رأسها تكاد تطير من الفرح بنصرها هذا, استجمع قوته وقال ما أراد أن يكتشف ردة الفعل عليه:
” وأنا اخترت مريم ابنة عمي للزواج بها “.
” لا… لا…إلا هي, إلا هي, أي واحدة غيرها, هي لا، لن أسمح لك بالزواج منها أبدا!! “.
صرخت بهيستريا وأخذت تشد شعر رأسها بقهر وغل, ولسان حالها يردد برفض لتلك التي اختارها هو.
أغمض عينيه وصوت صراخها يصم أذنيه وبلحظة أخرى عندما بدأت بلعناتها وتمنياتها بالموت لغريمتها انقض عليها يخرجها من هلوستها التي أصابتها بالجنون وصرخ بها ينهرها ويخرس تمنياتها:
” أخرسي…أخرسي واسمعيني جيدا، هي من اخترت وسأتزوجها شئت أم أبيت, كما أنني أعطيك أيضا الحق بالخيار!! “.
هدأت قليلا وأنصتت, شاهد سكونها ونظراتها مصوبة ناحيته بانتظار كلماته التالية, سحب هواء يهدئ من أعصابه الثائرة وأمسك أكتافها ونظر إليها بقوة, وصاغ لها حروف سهلة لتستوعبها جيدا:
” لكي أن تختاري يا سلمى, أن تبقي معي….ولكي أن تختاري حريتك “.
فتحت فمها تعترض فأخرسها بوضع سبابته على شفتيها، وقال بهدوء وبأعصابه الباردة:
” اختاري جيدا يا سلمى إما أن تبقي كملكة حولها الجاه والمال مثل والدتك التي اختارت المال بدل الزوج, وإما أن تعودي وتبحثي عن زوج غني آخر تخدعينه, أو تقبعي بمنزل والديك إلى أن تشيخي”.
وتركها ورحل ليترك لها المجال لتختار ولو نظر للخلف ورأى هول ما اختارت، لعاد وانتهى منها إلى الأبد.
*********************

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية في طي الكتمان الفصل الثالث 3 بقلم نور اسماعيل – مدونة كامو - قراءة وتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top