رواية إيبار الفصل الرابع والثمانون 84 بقلم رانيا عمارة – مدونة كامو – قراءة وتحميل pdf

رواية إيبار الفصل الرابع والثمانون 84 بقلم رانيا عمارة

رواية إيبار الجزء الرابع والثمانون

رواية إيبار البارت الرابع والثمانون

إيبار
إيبار

رواية إيبار الحلقة الرابعة والثمانون

في تحقيق الآمالِ لنا حُظوةٌ مهّدت لنا دروبنا ونثرت عليها أزهار الربيع، وصنعت من جحائمنا شمسًا أشرقتْ جنّتَنا. السعيُ قربنا أميالًا من أحلامنا، ولولا النضالُ ما كنّا هنا مُنعمين. دقوا المزاهر حين بلغا العروسين أرض موطنهما الجديد بسلام، وتسابقوا بأنغام الزغاريد العذبة التي خرجت من حناجر النساء محمّلةً بالتباريك والتهاني. فهنا، على أرض النِّعم، خرج العروسان من فوهة السيارة، وأيادي النساء تتكاتفُ لحمل فستان العروس المعيق لسلاسة حركتِها.
وعلى بُعد أمتارٍ قليلة توقّف ناجي وشباب العائلة يعلنون النصر بطلقاتِ أسلحتهم الفتّاكة التي عانقت السماء على بغتةٍ، وأثارتْ ذعر الخرعين وبهجةَ المعتادين عليها. وفي الخلفية كانت الأنغام تدق باب الحيِّ بشدّة، وقبل أن يدلف العروسان إلى الداخل، بدأ ناجي والشباب يترقّصون مع العريس بحركات أجسادهم الحماسية، فيما النساءُ يرقصن مع العروس، والزغاريدُ الناعمة تُطرب الآذان.
انحلّت العُقد بصلابة حُبِّنا، وصعدنا إلى أعالي الفوز، باذخين الرؤوس باعتلاءٍ بعد أن تغلّبنا على صعاب أهلكت ثباتنا. حتى حُطامنا لم تتركه وشأنَه، وكأنّ المعادين أرادوا تحطيم شتات أرواحِنا، متراهنين ألّا يتركوا قوّةً فينا إلا وسحقوها. لكن الآن، وأنا حاملًا كأس النصرِ الذي فاض حبورًا، أستطيعُ قول: قد فعلتُها، وتغلبتُ على أعدائنا بأزر الهوى.
توقّف “رمزي” ممسكًا بيد جيهان قبالة باب دارهما، ورفع ذراعه لأعلى ليخاطب الجميع بصوتٍ صاخب يملؤه الفرح، قائلًا:
_مشكورين يا جماعة عوقفتكم معاي، إن شاء الله نجيكم في الأفراح.
قلب الأم الحنون يخشى مجرد ريشةٍ تجرحُ أبدان أبناءها، فما بالك لو سلّمَتها بيديها إلى حياةٍ جديدة في عالمٍ ناءٍ تجهل عواقبه؟
انكتمت أنفاسُ أسماء في صدرها، وكأن فؤادها ينزف استياءً لفراق ابنتها. فلمعت العيون في عينيها، فيما ريم تقفُ جوارها تشاركُها نفس البكاء الصامت، على عقبهم سهيلة زوجة العم وباقي نساء عائلة رمزي. حينئذٍ ضمّت “أسماء” ابنتها لحضنها كما لو كانت تحميها من عواصف المجهول، ثم نظرت إلى عينيها وقالت بابتسامةٍ:
_خدي بالك من نفسك يا حبيبتي، واحنا إن شاء الله هنجيلكم بكرا.
انقضت “ريم” نحو العروس جيهان في عناقٍ أخويٍّ حزين، كأنه نهرٌ من المشاعر الصامتة، ثم قالت بابتسامةٍ:
_هتوحشيني أوي أوي يا جوجو يا حبيبتي.
ردّت “جيهان” بابتسامة حزن، وكأنّ قلبها بحرٌ عميق تخفي داخله عواطف الأسى:
_وإنتي كمان هتوحشيني أوي ريمو.
قفز “ناجي” فوق رمزي كعصفورٍ صغير يودعُ أليفه، وضمه إلى صدره بوداعٍ مؤقت:
_دير بالك عحالك يا رمزي إنت وعروسك، نشوفكم بكرا بالصباحية يا زين العرسان.
ضحك “رمزي” بخفة، وبينما يتأهّب لفتح باب عالمهم الجديد المرصّع بالمودة، قال:
_حاضر، مشي إنت بس ويلا اتكل على الله!
خرج صوتُ “غزالة” من قلب إحدى السيارات، وهي تقول بنداءٍ عالٍ للعروسين:
_الأكل مرّوح عرخامة المطبخ يا رمزي، بس حُطه بالفرن يسخن، وألف مبروك يا ولد الغالية.
وعندما عانقت صبا جيهان بكل حبٍّ، ابتسم “رمزي” لزوجة خاله وبادلها بنفس النبرة المسموعة، قائلًا:
_الله يبارك فيكي يا خالة.
ازداد العروسان سرورًا وهما يعبُران بوابة المنزل الرئيسية وصولًا إلى بابه، حيثُ كانت عقارب الساعة تشير إلى وقتٍ متأخر من الليل، والضجيج لا يزال يحيي الشارع بعد. حينها استخرج رمزي دلايةَ المفاتيح من بين ظلام جيبه، كمن يرفع القلم ليدون أول خطوةٍ سعيدة في كتابه. تفاقمت دقاتُ قلبيهما، كأنها طبولٌ صاخبة تزيد من رجفاتِ الرهبة.
المرةُ الأولى التي سيجمعهما فيها منزلٌ واحد سيعمر بالوداد والرحمة، والأملُ الذي توهّج في أفق اليأس يُرشدهما إلى أن المستحيل هينٌ بالجهاد والصلاة والصدقات التي أطفأت نيران الرب وأبدلتها برضاءٍ منحهما تصريحًا جديدًا لتذوّق معاني البهجة.
رفع رمزي مفتاحه ومنحه لجيهان، وتشاركت يداهما في فتح الباب سويًا ليجدا جنةً في الداخل تنبض بالحياة، كلُّ ركنٍ ينادي العروسين لنشر السكينة فيه. فتوغّل رئتيهما أريجُ الأثاث الجديد الذي لم يُستخدم بعد، فكل شيءٍ ما هو إلا نداء لتجربةٍ أولى حديثة. حينها تطلّع “رمزي” إلى جيهان بابتسامةٍ، وقال:
_أدخلي دارك يا عروس برجلك اليمين، الله يباركلك ويعطيكي الخير.
انضوت جيهان إلى الداخل بقدمها اليمنى أولًا، حاملةً فستانها بكلتا يديها، فيما كان رمزي في الوراء يُعينها على رفع أطراف فستانها إلى أن دخلا منزلهما وصكّا الباب وراءهما برفق. توقفت جيهان لدقائق تتفحص زوايا وأثاثَ المنزل بعيني الاندهاش، و”رمزي” إلى جوارها يترصّد ردةَ فعلها.
فجأةً تنهد بهدوء والتف نحوها ليقف موازيًا لها، وسحب الفرحُ تمطر على رأسيهما. نظر إليها كمن يستعيد الماضي بأكمله من ذكريات الهروب والاستقرار، ثم رفع يديه محتضنًا يديها، ناظرًا إلى عينيها بثبات، وقال بارتياحٍ لا يضاهيه شيء:
_من هالساعة إنتي صرتي لي، زوجتي الغالية عقلبي وروحي، لو عشت عمري كله أدور عجميلة مثلك ما كنت لقيت، أمثالك قلوا بهالدنيا واندثروا، وكل يوم كنت أهون عحالي وأقول بيجي اليوم اللي نكون فيه سوا، وها هو اليوم جا، عشان تصيرين حلالي ونصيبي، يا زين النصيب اللي ربي كتبه لي.
رفع يدَها بالقرب من فمه ليقبلها، باعتبارها ملكةَ وجدانه المتوجه بحبه، فيما هو فارسٌ متسلّحٌ بقلبها العاشق. فابتسمت “جيهان” وجسدُها يرتجف تحت وطأة الخجل، وقالت بغرامٍ:
_وإنت فارس عمري اللي أنقذني من الموت، الشخص الوحيد اللي حبيته أكتر ما حبيت نفسي، اللي في وجوده بكون متطمنة وفي غيابه مُت بدل المرة مليون، أنا اللي من اللحظة دي مش عايزة أي حاجة من الدنيا غيرك، ونفسي نفضل مع بعض لآخر يوم في عمري، أنا مشاعري متلغبطة ما بين فرحتي بإننا بقينا لبعض وحزني على فراق أهلي…
“جيهان”، التي على الرغم من انكشاف مشاعرها المُولعة بحُبه في هذه اللحظة، أرادت تغيير الحديث، كأنها اختارت الطريقة الأنسب لرفع الإحراج عنها بأسلوبٍ غير مباشر. فضحكت وهي تتجول في منزلِ الزوجية، إلى أن دخلت غرفة النوم وأضاءت أنوارَها، فدلف رمزي وراءها على عجل، ليجدها تسترسل بانبهارٍ واضح:
_ما شاء الله، البيت ولا غلطة، عارف؟ كان نفسي أوي أشوف البيت بعد ما خلص، مش فاهمة إيه المشكلة يعني لو كنت وريتني إنشالله لو صورة صغيرة أرضي بيها فضولي اللي كان هيموتني؟
لاحظ “رمزي” ارتباكَها الواضح ومحاولاتها للابتعاد عن كلِّ ما يشعل أجيج رهبتها، فابتسم بسمةً حانية، وقال بمزاح:
_كان لا بدك تصبرين، عشان أشوف هالدهشة بوجهك، لو شفتي الدار من قبل ما كنتي تنبهرين، وبعدين وش فيها لو تتحملين؟ ترى أنا تحملت وصبرت واجد عشان نكون لبعض.
تحركت “جيهان” نحو نافذة غرفة النوم، حاملةً الفستان بكلتا يديها، بدت في مشهدِها كما لو كانت تحمل صخرًا ثقيلًا. فمدّت يديها لتفتح النافذة، ثم جالت بنظرها في الحيِّ لتجد السكون ابتلعه منذ ثوانٍ. ازدادت اضطرابًا وارتجفت أطرافُها، وهي تسأله بخوف:
_هما كلهم مشوا ولا إيه؟
تعالت ضحكاتُ “رمزي” كالشموس الصغيرة في باكورة الصباح، فتقدّم

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  مدونة كامو - رواية لعنة إبريل الفصل الثاني 2 بقلم منال كريم - قراءة وتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top