رواية سكن روحي الفصل الرابع 4 بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

رواية سكن روحي الفصل الرابع 4 بقلم سعاد محمد

 

الفصل الرابع: (الجزء الأول)
*جانِ أم…؟*
**********
هو..
هارب ولا يزال؛
ناقم وإلى الأبد؛
يُعاند ولن يميل!
هي…
جريئة لا تتراجع؛
صريحة لا تتردد؛
عَزَمت على الوصول إلى هدفها رغماً عن أنفه!
وما بين رغبتها ورفضه، اندفاعها وصَدُّه.. تقبع بقايا سلامته النفسية.. وربما قواه العقلية!
**********

العاشرة صباحا:
“هل تأَخَّرت؟!”
مَسحت سما عينيها وهي تفتحمها وتغلقهما بصعوبة عندما أعاد سؤاله مرة أخرى بذعر واضح:
_هل أنا تأخرت؟
رفعت أحد حاجبيها بدهشة قائلة:
_وهل دعوناك؟!
ظل محدقا بها مبهوتاً لبعض الوقت ثم ما لبث أن سألها بتقطع:
_لِمَ..لِمَ ترتدين الأسود وتبكين؟
أخيراً استطاعت فتح عينيها بالكامل وهي تحدق به بدهشة مفتعلة قائلة:
_ياإلهي! قليل الذوق عديم الإتيكيت هو من يسأل عن حالي باهتمام؟ يا لسعدي!
ثم انقلبت ملامحها للامتعاض بلحظة قائلة:
_لا أعتقد أن هناك قانوناً ما يمنعني من ارتداء الأسود كما أحب.
ثم تابعت بِزهو:
_بالإضافة إلى أنه مَلِك الألوان!
تدلَّى فكُه السفلي ببلاهة وهو لا يستطيع استجماع كلمات مناسبة، لكن الأخرى لم تكن تفتقر لتلك الهِبة فهتفت بجفاء:
_لماذا جئت إلى هنا؟
فجاء رده متوجساً متوسلاً:
_أردت رؤية.. رؤية أمي!
وحينما كانت تهم برد عنيف آخر ألجمتها النظرة المعذبة بعينيه، فزفرت بضيق وهي ترد عابسة:
_أم عاصم نائمة الآن.
تيبس مكانه وهو يرتشف معنى عبارتها باستمتاع، تخللت الكلمات البسيطة عقله وقلبه لتعود روحه جرياً إلى جسده فترتسم ابتسامة غريبة على شفتيه بالتدريج حتى شملت وجهه كله، نظرت هي له بتوجس وهي تفسح جانبا لتدعه يدخل.
ودخل!
أخذ يطالع كل شبر بأرجاء ذلك المكان الذي تنعَّم بوجود أمه طوال سنوات حرم هو منها خلالها، بينما الابتسامة البلهاء مقترنة بدقات قلبه التي تتسارع بفرح وصيحات ذاهلة يهتف بها عقله..
“أنت هنا الآن عاصم!”
“أنت ببيت أمك عاصم!”
“أنت ستسترجع حضنها وقُبُلاتها وحكاياتها!”
ظل عقله ينبهه ببطء إلى ما هو مُقدِم إليه حتى لا يجن من فرط فرحته، وحينما التفت وقعت عيناه على قصيرة القامة تنظر له بدهشة، حمحم بخشونة وهو يحاول استعادة رزانته التي ضاعت تماما أمام غريبة الأطوار تلك، ثم سألها:
_لِمَ تبكين إذن؟!
مطت شفتيها بغيظ وهي تجيبه:
_إن كانت حاسة الشم لديك مُعطلة، فأحب أن أخبرك أنني أطهو الطعام وأقطع بعض البصل.
وما إن أنهت عبارتها حتى اتسعت أعينهما سويا ورائحة الاحتراق تصل إلى أنفيهما، فظلت متسمرة مكانها حتى سبقها هو بالإدراك قائلا بِحَذَر:
_يبدو أن هناك حريقا ما!
فانتفضت هي إلى الداخل صارخة:
_البصل!!
نزع قدميه انتزاعًا من مكانه ولحق بها ليجدها تحاول إنقاذ بقايا الطعام المتفحم، وعندما فتح فاهه كي يطمئنها سبقته تمتمتها الغاضبة وهي توليه ظهرها:
_الخير حقا على قدوم الواردين! لأول مرة بحياتي يحترق مني طعام بسبب قليل الذوق هذا!
ضيق عينيه بِشرّ وهو ينظر إلى إحدى السكاكين الضخمة الموجودة بالقرب منها، إلا أنه سرعان ما نبذ ذلك الخاطر وهو يبادرها ببرود:
_ربما كان من البديهي أن تطفئي الموقد قبل أن تجيبي من بالباب.
لكنها كانت أكثر منه جرأة وهي تلتفت مختطفة نفس السكين لتشير بها إليه بتوعد هاتفة:
_اسمع! أخرج من هنا واجلس بغرفة الاستقبال بصمت وهدوء ولا تجعلني أسمع صوتك حتى تصحو أم عاصم، مفهوم؟!
تخشب جسده بأكمله وهو يُحدِّق بها بعينين مُتسعَتين، مذعورتين؛
هو ليس جبانا بالطبع، لكن من التعقل أن يبدي المرء احتراما أمام فتاة مجنونة غاضبة تحمل سلاحا أبيضا ضخما وتشهره أمام وجهه ولا يظهر عليها ترددا في استخدامه على ملامحه.
وهكذا فقد رفع يديه بجانب رأسه استسلاما وهو يتراجع بابتسامة مهذبة حتى ولى هاربا من مطبخها.
وبعد بضعة دقائق قضاها جالسا بأدب وتوتر يحاول انتقاء بعض الكلمات في غرفة الجلوس شعر بحركة بطيئة خلفه أعقبها صوت ضعيف هارب من خفايا ذاكرته اليتيمة فأرسل القشعريرة إلى قلبه وصاحبته تسأل:
_هل أتيت أخيرًا عاصم؟
عندئذ التفت ببطء يحدق في المرأة أمامه بصدمة وهو لا يقوى على إبداء أية ردة فعل!
********
الثانية عشرة ظهرا:
“شكرا لكِ، لكني أريد أن يلتحق ابني بالفصل الذي تدرس به الآنسة رهف!”
ابتسمت لها الموظفة برسمية وهي تعاود إكمال ادخال البيانات، أما مَوَدَّة فقد شردت بعيدا في حوارها السابق مع عَمَّار وقرارها الذي اتخذته بناءا عليه بعد تفكير هادىء.
لن تظل إلى الأبد مستسلمة، لن تدفن رأسها بالرمال وتصمت، بل ستحارب بكل قوة من أجل ما تؤمن به، وما يجب عليها القيام به.
نهرها عقلها بغيظ متسائلاً عن كرامتها التي دعسها عَمَّار طوال تلك السنوات؟ هل سيتلبسها الضعف وستتغاضى عنها؟
لكنها تَعَلَّقت بِصمود مُثير للاهتمام ،بالطبع لا! بل ربما تستردها الآن، يجب عليها فقط أن تنحي قلبها جانبا وتتعامل معه بعقلها فقط!
**********
“أريدك أن تحذري رهف، ربما هناك من يتربص بك!”
ازدادت دهشتها وهي تهتف به بقلق:
_من تقصد يا حمزة؟!
اقترب من بضعة خطوات ثم توقف مقابلها مرددا كلمات بطيئة:
_ أنتِ تعرفين قصدي رهف، أنا.. أنا أعلم كل ما حدث قبل طلاقي ودينا.
شحب وجهها وهي ترتد إلى الخلف بصدمة هاتفة باضطراب:
_أنا.. أنا لا أفهم شيئا حمزة، وما علاقتي بطلاقك ودينا؟
تنهد بألم قائلا:
_ربما ليست لكِ علاقة مباشرة بالطلاق، لكن ما تسببت ابنة خالك به لكِ قد ساهَم في رؤيتي كم إنها إنسانة حقودة طماعة، ولن تهدأ حتى تحقق أهدافها حتى وإن خَرَّبَت حياة الغير.
عقدت حاجبيها بدهشة وهي تنظر له بتساؤل:
_وما الذي تسبَبت به حمزة؟
نظر لها بإشفاق واضح ثم زفر باستسلام وقال:
_دينا وأمها هما اللتان أحضرتا ذلك الرجل إلى بيتكم.
تألم قلبه وهو يطالعها لا تأتِ بأية ردة فعل للحظات، وما إن نطقت حتى سألت بصوت متحشرج به لهجة رفض واضحة:
_م..ماذا تقول؟!
مسح وجهه بكفيه وهو يكرر عبارته مرة أخرى:
_ما سمعتِ رهف، ما سمعته بالضبط، هما ذهبتا إليه، هما طلبتا منه أن يأتي إليكِ ليُرهِبِك، هما تسببتا بما حدث!
وكان ردها الغريب بشرود ذاهل:
_كيف؟! لقد.. لقد كانتا حاضرتين ذلك اليوم، كانت حاضرتين وشاهدتا كل شيء! مُحال حمزة، ما تقوله مُحال!
بألم رد عليها حمزة:
_أعلم رهف، أعلم…
قاطعته بهتاف غاضب:
_لا! ، أنت لا تعلم! أنت لم تكن هناك! بل أنا كنت، ذلك الوحش معدوم الضمير اصطحب ثلاثة مجرمين معه وأوسعوا خالي ضربا، أمامي، وأمام زوجته، وأمام ابنته، وهما.. هما كانتا تصرخان وتبكيان،.. هما كانتا ترجوانه ألا يؤذوه، ألا تفهم؟! مستحيل!
أغمض حمزة عينيه بإشفاق ثم أعاد فتحهما وعم الصمت! كان يترك لها الفرصة كاملة لاستيعاب تلك الصدمة، وعندما بدأت بهز رأسها برفض خاطبها بحسرة:
_إن كان هناك درس تعلمته من خلال تجربتي مع دينا طوال ثلاثة سنوات فهو أن بعض البشر يمكنهم التمثيل والاصطناع بإتقان تام، فلا تستطيعين كشف حقيقتهم إلا بأدلة قاطعة، وهذا ما حدث، دينا وأمها لم يتمنيا بحياتهما شيئا أكثر من إبعادك عن بيتهما، وفي سبيل ذلك كانتا على استعداد لفعل الأسوأ على الإطلاق.
وعيناها الدامعتان سألتاه بعذاب:
_لِمَاذا؟! ما الذي فعلته أنا؟ أنا لم أؤذِهِما أبدا! لقد.. لقد حاولت مرارا الانتماء إليهما والتقرب منهما، وفي سبيل ذلك تحملت ما لا يُطاق لسنوات.
أجابتها ابتسامته الساخرة:
_معدوم الضمير الحاقد لا ينتظر أذى الآخرين له، بل يخطط ويدبر ثم ينقض!
جلست على أقرب مقعد واضعة رأسها بين كفيها فزفر بتعب:
_اسمعي رهف! أنا معك دائما، لن أتركك ولن أدعه يتسبب لكِ بالأذى، سأساعدك بكل طاقتي.
نظرت له بألم ساخر ثم قالت:
_أنت لم تر ماذا فعل بخالي وهو لم يؤذه أبدا، ولا تعلم إلى أي مدى يمكن أن يصل، ابتعد حمزة، ابتعد عني قدر ما تستطيع، فكل من يقترب مني يحترق.
وبتصميم أسمعها رده:
_لا رهف، أنا لم أنس يوما ما فعلته معي، والآن حان دوري، لن أتخلى عنكِ أبدا، هذا وعد!
رمقته بامتنان فأضاف:
_واحذري جيدا رهف، احذري من كل من يقترب منك!
نظرت له بشرود وهي تومىء برأسها ببطء، بينما أخذت تفكر في كم الأذى الذي عاد ليحوم حولها بعد أن ظنَّت أنها ستنعُم بحياة هادئة أخيراً.
**********
الواحدة ظهرا:
“وماذا يكون هذا الشيء دكتور عَمَّار؟”
تراجع إلى ظهر مقعده وهو ينظر إليها بابتسامة أرسلت القشعريرة على طول عامودها الفقري ثم أجابها متسائلاً:
_أنتِ أخبريني سيدة دينا، أخبريني ما الذي تريدينه من رهف؟
شحب وجهها تماما وهي ترتد إلى الخلف بصدمة مُرددة:
_رهف؟!
والابتسامة اشتدت أكثر وهو يجيبها:
_نعم رهف، ابنة عمتك.
وبحقد هائل شمل ملامحها سألته:
_كيف تعرفها؟
انمحت ابتسامته بلحظة ليحل محلها نظرة تحذيرية أرعبتها وهو يجيب:
_اعتقد أنكِ يجب عليكِ إجابتي أولا، لكنني سأكون أكرم منكِ أخلاقا وسأجيبك.
وبمنتهي البرود تابع:
-رهف تخصني جدا، ويهمني أمرها جدا، ومن يحاول الاقتراب منها بِشر سأجعله يندم أشد الندم.
ازدردت لعابها بخوف وهي تحاول العثور على حيلة تخرج بها من ذلك المأزق متسائلة:
_هل.. هل هي حبيبة سرية؟!
انقلبت ملامحه على الفور إلى غضب عارم، ومن بين أسنانه هتف:
_أنتِ تتجاوزين حدودك هنا، وأنا لن أخبرك بعلاقتي بها، لكن أنتِ من ستخبرينني الآن، ما الذي تمتلكينه أنتِ ووالدتك ليشجعكما على الابتزاز؟، ما الذي بحوزتكما ومن شأنه أن يؤذي رهف؟
وبرغم ذهولها بسبب معرفته بأمر ابتزازها السابق، وبرغم جهلها بِعلاقته بابنة عمتها فإنها هبِّت واقفة ترتجف بذعر وهي تصيح به بتوتر:
_اسمع! أنا لا أخافك ولا أخاف سطوتك، إن كنت تعتقد أنك تستطيع تهديدي أو إيذائي فأنت مخطىء.
ثم تَغَلَّبَت على حالتها سريعاً ومالت على الطاولة تنظر له بِغِل خالص قائلة:
_أنت تعلم أنني استطيع الابتزاز ثانية، لكن تلك المرة لن تكن من أجل إبعاد رهف، بل من أجل إبعادك أنت، صدقني دكتور عَمَّار ليس من الصواب أبدا أن تهددني أنا على الأخص، لأنني بالفعل لدي شيء يخص رهف، لكنه ليس كما تتوقع أنت، هو لن يضرها.
توقفت تناظر عينيه المهتمتين بِشِدة ثم لاحت على شفتيها ابتسامة مُقلِقة وهي تتابع:
_ بل على العكس، هي لا تجرؤ على الحُلم بوجوده من الأصل، لذا أنا أستطيع استخدامه بالطريقة التي ستفيدني تماما، أو إخفاؤه إلى الأبد إذا اضُطررت لذلك، فابتعد دكتور عَمَّار لأنني لست بالخصم الذي تود مجابهته.
وما إن أنهت عبارتها حتى عادت ابتسامته التي تحولت إلى ضحكات عالية، ثم بعد لحظات جاء رده الهادىء:
_كيف حال دكتور حمزة؟
تسمرت مكانها محدقة به بصدمة أشد فتابع وهو يستقيم أمامها ببطء:
_أوصلي له تحياتي من فضلك، وأخبريه بتهنئتي الحارة لتخلصه منك.
وبنفس البطء تجاوزها وانصرف وهي لازالت مكانها لا تتحرك ولا تفهم شيئا..
هل تداعت أحلامها؟
هل فقدت أملها الوليد معه؟
هل نبذت طارق بلا جدوى؟
وما علاقته هو بتلك اللعينة؟
وكيف يعرف بذلك الأمر الذي لم يشهده أي شخص سواها هي وأمها؟
أما هو فقد وصل إلى سيارته الرمادية واستقل مقعد السائق وهو يزفر بغضب، لتبادره مجاورته:
_ألم تخبرك بشيء؟
بغضب شديد أجاب من بين أسنانه:
_لا، لم تقل شيئا، تلك الحقيرة لن تتحدث بسهولة، لقد منعت نفسي بصعوبة عن خنقها، لكنني سأصل إلى ذلك الشيء الذي بحوزتها ويخص رهف أيا كان هو، لن أستسلم وسأحارب من أجلها.
عدلت من وشاحها وهي تحاول تهدئته:
_لا تقلق عَمَّار! اتركها على حالها مرتعبة حتى تقوم بخطوتها التالية.
زفر باستسلام ثم استدار إليها رامقا إياها بتمعن..
ازدرد لعابه مراقباً جانب وجهها؛
لطالما كانت الأجمل؛
ولطالما تشاجر من أجلها منذ بدأت أنوثتها في الظهور؛
كانت من الأوقات القليلة التي يشعرر خلالها بِقوته؛
ألهذا السبب فقط كان ينزعج من النظرات الموجهة إليها؟ أم أن هناك شيئ بداخله كان ينتفض مدافعاً؟!
ورضوى؟!
كانت حُلم..ربما علاقته الواهنة بها كانت وسيلة!
وسيلة لها كي تتهرب من أشباح ومسميات مجتمعية لا يعلم أحد متى تم اختراعها؛ ووسيلة له كي يفخر بنفسه يوماً قائلاً: لقد اخترت، لقد اتخذت قراراً، لقد فعلت ما أردت!!!
هرِب من ذكريات لا أهمية لها الآن مُرَحِّبَاً بواقع لم يكن يتخيل أنه سيكون بذلك الجمال؛
بذلك الحنان؛
بتلك الرقة؛
وذلك..الدعم!
طرف وشاحها يطير ويغطي وجهها فأزاحته وظلت متمسكة به، لم يستطع منع نفسه وهو يمد يده ليتلمس كفها، أجفلتها حركته فاستدارت إليه مندهشة ، توترت ملامحها وهي تبتعد بعينيها عنه، فحمحم بخشونة وهو يتساءل:
_ماذا فعلتِ أنتِ؟
وبهدوء أجابته:
_لقد سجَّلت إياد في الفصل الذي تُدرِّس به.
ابتسم لها بتمعن وهو يخاطبها بنبرة ممتنة:
_شكرا لكِ مَوَدَّة!
**********
“ضريرة!!”
ازدرد لعابه وهو يقف مكانه لا يُبدي أية ردة فعل بينما عاودت أمه سؤالها بنفس الضعف:
_هل أتيت أخيرا يا عاصم؟
ولا يزال لا يجد ردا وهو يحدق في هيئتها ضعيفة الجسد وهي تقترب منه ببطء متحسسة الجدران بجوارها حتى وصلت إليه…
انخفض نظره إلى يدها المرتعشة الحرة بينما الأخرى مُتمسكة بالعصا التي تتوكأ عليها، تعلقت أنظاره بها وهي ترفع يدها لتتجه إلى ذقنه،ثم أغمض عينيه مستعيدا ذكرى آخر لمسة من نفس اليد منذ سنوات عديدة، فصعدت يدها إلى:
أنفه..
وجنتيه..
عينيه..
جبهته..
وتخللت شعره..
ودمعتان منه هطلتا بدون شعوره؛
ودمعات منها مختلطة بابتسامة من عينين منطفئتين؛
أهدابه مبللة..
شفتاها ترتعشان..
صدره يعلو ويهبط..
أناملها على بشرة وجهه تتجول بلهفة..
ونداء هامس:
_عاصم!!
وفتح عينيه..
ثم أطلق زفرة مُحَمَّلة بيُتم سنوات..
ونداء هامس متكرر:
_عاصم!!
دمعات متوسلة تهرب منه إليها..
وللمرة الأخيرة:
_ابني!!
ليندفع إلى أحضانها..
يجذبها إلى صدره؛
يشهق ببكاء محروم..
وتنتحب ببكاء أكثر حرمانا؛
اختفت تماما بين ذراعيه حتى ما عاد يظهر من جذعها شيء وهو يعتصرها على صدره مُقبِّلا جبهتها بلهفة حارقة وصوت شهقات بكائه الرجولي يصدح بالغرفة..
وأخيرا أكرمها بسماع صوته:
_اشتقت إليكِ!
_سامحيني!
_احتاج إليك، أمي!!
_أمي!!
_أمي!!
وعند الباب وقفت سما تمسح دمعات_ليس للبصل ذنبا بها_ وهي تعترف لنفسها بِذهول:
“عديم الإتيكيت ربما، لكنه أبدا ليس بعديم الشعور!”
**********
“يا إلهي! ماذا فعلتِ أيتها المجنونة؟”
زفرت بتوتر وهي تدور في الصالة بقلق وتجيب أمها:
_لقد..لقد اعتقدت أنه يتقرب مني لشخصي، لم أكن…
قاطعتها أمها بثورة:
_لشخصك؟! هل تعتقدين أنه من الممكن أن يفكر بك؟ ألا تدركين أن القُرب ممن مثله خطر؟ إنه يستطيع هدم بيتنا فوق رؤوسنا بإشارة من إصبعه.
فقابلتها بنفس الثورة:
_وما أدراني أنا؟ لم أكن أعلم بهويته بالأصل، كل ما أخبرني به أنه طبيب يعمل بمشفى مرموق وقريباً سيفتتح عيادة خاصة، والثراء الفاحش يصرخ من ملابسه وسيارته وهاتفه.
صاحت بها أمها:
_لِمَ لم تخبريني عنه؟ لكنت حذرتك!
تأففت دينا بحنق ثم قالت:
_بدلا من أن تبدئي في تعنيفي يجب أن تفكري معي بحل لتلك المصيبة، إنه يعلم بوجود الورقة معنا ولن يهدأ حتى يأخذها.
هتفت أمها بسرعة:
_إذن نعطيها له بسرعة ونتخلص من تهديده.
صاحت بها باستنكار:
_هل تمزحين أمي؟! إنها ليست مجرد ورقة، إنها الضمان الوحيد لنا، إن أعطيناها له بكل ترحيب ما الذي يمنعه من إلحاق أشد الأذى بنا؟
والصياح الآخر كان أعلى:
_ماذا تقترحين إذن؟ أن نقضي حياتنا مذعورين منتظرين هجوما منه؟
وقبل أن ترد انطلق رنين جرس الباب فاتجهت لتفتحه، ثم ما لبثت أن تسمرت مكانها وهي تحدق أمامها بصدمة متسائلة:
_ما الذي أحضرِك؟
لحقتها أمها ثم انقلبت ملامحها إلى الكراهية الخالصة وهي تهتف:
_ألن نتخلص منكِ أبدا؟
فانطلق السؤال الضعيف من رهف بدلا من الإجابة عليهما:
_ماذا تريدان مني؟
من بين أسنانها هتفت دينا:
_نريد ألا نرى وجهك ثانية، نريد أن يموت اسمك بهذا البيت، نريد أن نمحوكِ من حياتنا تماما، أتستطيعين فعل ذلك؟
هالتها الكراهية الصارخة بعينيها ثم أجابت بصوت متقطع:
_لقد رحلت! لقد تركت بيت خالي الوحيد ورحلت! لم آتِ إلى هنا منذ خرجت من ذلك الباب، لا أتصل بخالي إلا أثناء موعد عمله حتى لا تشعرا بالانزعاج، ماذا تريدان مني بعد؟ أتعتقدان أن بإمكانكما قطع علاقتي به تماما؟
وبدمعة أردفت:
_إنه الشخص الوحيد الذي يحبني برغم ماهيتي، الوحيد الذي يحنو عليّ، الوحيد الذي يتمنى لي السعادة، لِمَ تستكثران علي بعض الراحة؟!، تعلمان أن اهتمامه بي لن يُنقص من اهتمامه بكما شيئا، أليس كذلك؟
والرد من زوجة خالها جاء صارخا حاقداً:
_ليس من حقك، هو ليس بأبيك، هو زوجي أنا ، ولديه ابنة واحدة فقط، ولولا وجودك أنتِ بحياتنا ربما كان لدي أولاد آخرين يتمتعون بالحنان والاهتمام والحب الذين اغتصبتيهم أنتِ منا دون وجه حق !
نظرت لها رهف بصدمة وانعقد لسانها لِثوان؛
الكراهية بعينيها ليست بشأن جديد؛
لقد أيقنت بذلك منذ زمن، لكن لماذا تُلقي عليها بتلك التهمة الآن؟!
أجلت حنجرتها ثم سألتها:
_وما ذنبي أنا؟
فأجابتها المرأة وهي تزيح ابنتها لتقف بمواجهتها هاتفة:
_ ذنبك أن أمك ماتت وتركتكِ لنا، ذنبك أن أبيك رماكِ، ذنبك أن خالك الذي تريدين مشاركتنا به قد رفض إنجاب أطفال آخرين حتى يستطيع الإنفاق عليكِ معنا!
ثم أردفت بحقد هائل:
_أنتِ السبب!
انتفضت رهف وهي تضع يديها تلقائياً على أذنيها طاردة تلك العبارة التي لم تكره مثلها:
_أنتِ السبب!
“لو لم تولدي لم عانيت أنا تلك السنوات”
_أنتِ السبب!
” ليتني لم أر وجهك أبدا”
_أنتِ السبب!
“الآن سأتخلص منك للأبد”
_كفــــــــــى!!!
والصرخة انطلقت مختلطة بشهقات باكية، هي لم تقصد أن تؤذي أحدا، لم تقصد أن تموت أمها، لم تقصد أن ينبذها أبوها، ولا أن يقرر خالها عدم الإنجاب خوفا من الحاجة، هي لم تقصد أبدا التسبب بالضرر لغيرها.
انتزعها هتاف ابنة خالها الغاضب:
_اغربي ولا تعودي، اغربي وإياكِ أن تأتي إلى هنا مرة أخرى، وإلا أنتِ تعلمين كيف يمكننا أن نمنعك، كفانا فضائح بسببك!
نقلت نظراتها بينهما بألم، ثم تطلعت باشتياق إلى أركان البيت الذي نشأت به والآن لا يُسمح لها بتجاوز عتبته، تنفست بعمق وهي تخفض رأسها قائلة بهدوء:
_سأذهب بالتأكيد.
ثم رفعت رأسها تنقل نرمقهما بالتبادل ببرود ظاهري متابعة:
_لكن رغما عنكما هو خالي وأماني الوحيد، واعلما أنكما إن تسببتما بالأذى له مرة أخرى أنا لن التزم الصمت، سوف أخبره بأنكما من قمتما بتحريض ذلك الوحش كي يأتي إلى هنا، سأخبره أنه حين كان يتعرض للضرب والإهانة على يد ذلك الرجل ومن معه كنتما تتظاهران بالعويل والبكاء والرعب بينما بالواقع لم تفكرا إلا بالتخلص مني، حتى وإن كان في سبيل ذلك يُؤْذَى الزوج والأب!
تحولت نظرتا المرأتين إلى التوجس وهي تُضيف بمرارة:
_لَكَم تحملت إيذاءكما لي، نعوتكما البذيئة، إهانات وضرب وتقييد وحبس،حرمان من المصروف ومن الطعام أحياناً، اعتقدتما أنني كنت أتقبل كل ذلك بدون رد فعل لأنني ببيتكما ومُضطرة للصمت شاكرة أليس كذلك؟
لم تكن تسألهما حقا، لذا استأنفت حديثها بهدوء:
_لكن بالواقع أنا تحملت صاغرة من أجل خالي، كي لا أضعه في موقف حيرة أو اختيار يوما ما، يكفيه مسئوليتي التي اُلقِيت على عاتقه منذ مولدي، لكن الآن، وبعدما تعداني أذاكما ووصل إليه فأنا لا أجد ما يجعلني أتمسك بالصمت، ولِهذا أتمنى أن تفكرا جيدا قبل تقوما بفعل آخر متهور وغبي.
والتحية المودعة كانت ابتسامة مُحذِّرة أثارت دهشتهما، ربما لأنها للمرة الأولى ترتسم على محياها، لطالما كانت وديعة بريئة صامتة، لكن يبدو أن هناك شيئاً ما قد تَبَدَّل بها!
وعندما هبطت جريا مَحَت ابتسامتها المُفتَعَلة وحررت دمعاتها التي سُجِنَت طويلا، وأمام مدخل البناية قابلها البائع بالمحل المجاور، وما إن رآها الرجل حتى طأطأ رأسه عابسا وهو يخاطبها بحنق شديد:
_أعوذ بالله! ألم نتخلص منكِ وتتطهر البناية من الفضائح التي تحيط بكِ؟! ما الذي أعادكِ إلى هنا ثانية؟!
ارتجفت شفتاها وهي تحدق به بألم مختلط بالحرج ثم رددت بارتباك:
_أنا.. أنا…
هنا نظر إليها الرجل باشمئزاز واضح هاتفا:
_أستتحدثين معي؟! ابتعدي يا فتاة واغربي عن ذلك الحي كله، لدينا نساء وفتيات ولا تنقصنا المصائب!
وأغلق باب المحل بوجهها وهو يستعيذ بالله عدة مرات!
ظلت محدقة في إثره بشرود وعيناها مغروقتين بدموع الاضطهاد، إلى أن ارتفع رنين هاتفها فأجابت بلا تركيز:
_نعم؟
ليأتيها الصوت الرائق المرح الرخيم بنبرة فشلت أن تبدو جادة كما كان يحاول:
_استشارة عاجلة آنسة رهف وأرجو أن تساعدينني، إن أردت ترجمة تلك العبارة إلى اللغة الإنجليزية ماذا أقول:
“أنا لا أفهم ما الذي يحدث لي، لكنني أفكر بكِ منذ رأيتك، هلا خرجتِ من عقلي قليلا كي أستطيع التركيز بعملي يا مشعثة؟!”
للحظات حاولت تذكُّر الصوت المُميز ثم أطلقت زفرتها الباكية مع كلمته الأخيرة وهي تقول بخفوت:
_مهندس ساري!!
وعلى الطرف الآخر انطلق صوته متسائلا بقلق:
_ما بكِ رهف؟، ما بال صوتك؟! أتبكين؟
وخرج ردها بدون تفكير وهي تهُز كتفيها مُتلفِتة حولها شاهقة بألم:
_أنا.. ضائعة!
ووصلها صوته مرة أخرى مُتسائلاً بمهادنة كي لا تفزع:
_اهدئي رهف! قفي مكانك ولا تتحركي، فقط إن استطعتِ أن تخبريني باسم الشارع الذي ضعتِ به أو أي علامة مُميزة، وفورا سأكون عندك.
أجابته بسرعة من بين دمعاتها:
_أنا لست ضائعة بالمكان، أنا أعلم أين أنا، لكن..لكن أنا ضائعة بالحياة، لا أدري ماذا عليّ أن أفعل، لا أدري لِمَ يحدث لي ذلك، لا أدري لماذا أعاني منذ مولدي، لا أدري لِمَ كل تلك القسوة التي يتعامل بها الجميع معي، ما ذنبي؟!
أطلق أنفاسه المحتبسة بصدره وهو يغمض عينيه براحة ثم سألها بهدوء:
_أين أنتِ رهف؟ أخبريني! أريد أن أراكِ الآن.
ثم أردف بهمس:
_أرجوكِ!
عندئذٍ انتبهت إلى ما يحدث، وانتبهت إلى استرسالها بالكلام معه أكثر من اللازم فَهزَّت رأسها رفضاً بسرعة قائلة:
_لا! شكرا، أنا آسفة، إلى اللقاء!
وبدون انتظار رده انهت المكالمة وأغلقت الهاتف فورا وهي تجر قدميها جرا كي تنصرف من ذلك المكان الذي لطالما نبذها بقسوة.
*******

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية نار وهدان الفصل الخامس والعشرين 25 بقلم شيماء سعيد - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top