رواية سكن روحي الفصل الخامس 5 بقلم سعاد محمد
:الفصل الخامس (الجزء الأول)
*ما قبل البداية!*
قبل عدة سنوات:
وقفت عايدة أمام باب شقة أخيها تنظر له بتوسل هاتفة:
_أرجوك صلاح، أرجوك أنقذني، ليس لي سواك لا تتركني!
صرخ بها بغضب:
_الآن تذكرتِ أن لديكِ أخاً؟ والآن تطلبين مني المساعدة؟ بعدما أجرمتِ بحق نفسك وبحقي؟ حمدا لله أن أمك ليست على قيد الحياة لترى ابنتها وقد أصبحت بذلك الـ….
قاطعته صارخة:
_لا تقلها صلاح، أنا لست مخطئة، لقد تزوجته، أقسم أنني تزوجته.
رد أخوها بحنق:
_وهل الزواج العرفي يعتبر زواج؟ إنه زواج في الظلام لا تستطيعين مواجهة أحد به ولا يعطيكِ أية حقوق، ماذا إن أنجبتِ منه؟
شحب وجهها وهي تتهرب منه بعينيها فحدق بها بصدمة للحظات ثم قال بِتوجس:
_أنتِ..أنتِ لستِ حاملا عايدة، أليس كذلك؟
انهارت أخته باكية فتخلل شعر رأسه بيديه وهو يحوقل مصدوما ثم صرخ بها:
_يا للمصيبة! يا للمصيبة! ماذا سنفعل الآن؟! ماذا سيقول الناس عنا؟!
وعندما لم يجد منها ردا سوى زيادة في البكاء أردف صائحا:
_اسمعي! ذلك الرجل يجب أن يشهر زواجه بك، يجب إتمام عقد قرانكما لدى مأذون وبوجود شهود، وفي أقرب وقت قبل أن يُكتَشَف الحمل.
ناحت أخته وهي تهتف من خلال عويلها:
_لم يوافق صلاح، لم يوافق.
حدَّق بها للحظات بعدم فَهم، ثم ما لبث أن تحولت ملامحه تدريجياً إلى الرعب فسألها:
_ماذا تعني بأنه لم يوافق؟
أجابته بانهيار وهي تقترب منه:
_يقول إنه إن علم أحد بشأني ستقوم زوجته بأخذ طفله وترحل، وهو لن يسمح بذلك.
فأمسك بذراعيها بعنف وسألها بذعر:
_وأنتِ؟! والجنين؟!
لم يجد منها ردا سوى البكاء المرير فتراجع إلى الخلف حتى سقط على أقرب مقعد وعم الصمت إلا من صوت شهقاتها الباكية، لكنه بعد ثوانِ رفع رأسه فجأة هاتفاً:
_لا تخبريني أنكِ لا تمتلكين ما يثبت ذلك الزواج العرفي!
مسحت دمعاتها وهي تجيبه بسرعة:
_لا أخي، معي عقد، وهناك اثنان يعملان معي بالمصنع قد شهِدا عليه.
زفر براحة وهو يهُب واقفاً ويأمرها بصرامة:
_هيا معي إذن إلى ذلك الحقير!
سألته بِحَذَر:
_ماذا ستفعل أخي؟
أجابها بازدراء صارخاً:
_سأجبره على إشهار زواجكما، هناك طفل سيولد الآن وليس له ذنب في فِعلتِك الشنيعة ونذالته!
طأطأت رأسها بحرج ثم تحدثت بخوف:
_لكن.. لكن يا صلاح هو ليس بهين، يستطيع إيذائنا بمنتهى البساطة ولا يخشى أحداً، أنت لا تعلم عنه شيئاً، لا يوجد ما لا يقدر على ارتكابه!
بغيظ واضح هتف بها:
_ألم تدركي ذلك سوى الآن؟ ما الذي ورطك مع من مثله إذن؟!
قالت له بلهجة دفاعية لم تعلم بأنها تُدينها أكثر:
_لقد أخبرني أنه يعاني إهمال زوجته منذ إنجابها ابنه، وأنه سوف يقوم بإشهار زواجه مني ما إن يستطيع تطليقها!
وبكل امتعاضه صاح بها:
_وصدقتِه يا غبية؟! بالطبع سيخبرك بذلك، لأنه كاذب محتال وخائن، وأنتِ لا تختلفين عنه بشيء!
وعندما طأطأت رأسها أرضاً بِذُل شديد زفر يائساً وهو يهتف:
_أيا كان يجب إعلان زواجكما على الفور، حتى وإن طلقك بعد فترة، ذلك الطفل لا يجب تحميله عاراً ليس له شأن به.
واصطحبها وذهبا إلى مصنع شديد بك، وهناك تحقق ما حاولت تنبيه أخيها إليه، طردهما شديد بكل برود بعد أن قام بتهديدهما بفضحهما بين الجميع إن حاولا ابتزازه، فعاد ومعه أخته مهزومين، لا يجدا حلا لتلك المعضلة!
وكي يضمن شديد ألا يُعيدا الكَرَّة حرِص على أذية صلاح في محل عمله، حتى اضطر إلى تغييره وتغيير مكان إقامته أيضاً هرباً من بطشه.
وبعد بضعة أشهر وضعت عايدة مولودتها، نبذتها منذ اليوم الأول وكذلك فعلت زوجة أخيها، فكان صلاح لها الأب والأم.
رضيعة شديدة الجمال، لم تكن تبكي باستمرار كجميع المواليد، ومن يومها الأول كانت هادئة للغاية ليجد نفسه يناديها ب”رهف!”
**********
عودة إلى الوقت الحالي:
“إنها أختي!!”
صاح أبوه بغضب:
_أنت ليس لك إلا أخت واحدة، هي تغريد، ويجب عليك نسيان ما غير ذلك، لأنني لن أقبل بذلك الهراء الذي تريد القيام به.
هز عَمَّار رأسه برفض عنيد وهو يرد بنبرة مشددة:
_لا أبي، لن أخضع لك في ذلك الأمر أيضا، رهف أختي وستنتمي إليّ رغماً عن الجميع.
صرخ شديد بجنون:
_هل جننت؟! أتريد أن تُحضر تلك اللقيطة إلى منزلي؟! أتريد أن تتسبب لنا بالفضائح؟! لن أسمح بذلك العار أبدا.
فقد عَمَّار كل هدوئه وهو يصيح بغضب عارم:
_عاااار؟! عن أي عار تتحدث شديد بك؟! العار هو أن نعيش نحن الرجال في ذلك القصر المنيع محاطين بحُراسك من كل اتجاه بينما ابنتك تقطن غرفة وضيعة يتطاول عليها الرائح والغادي ويتهمها ويحاسبها على ما ليس لها به ذنب، هل لك أن تخبرني كيف تشعر وجزء منك يُهان ويُحاسَب طوال الوقت بسبب غلطة لم يرتكبها؟ هل لك أن تخبرني كيف تنام قرير العين وأنت لا تعلم كيف تقضي هي ليلتها؟ هل تستطيع النوم بأمان؟ألا تتساءل هل يتعرض لها أحد وهي الفريسة الأكثر سهولة على الإطلاق، بمفردها تماما بدون عائلة..
خفتت نبرته مردفا:
_بدون أب.
ثم تابع دامعا مُتحسِّراً:
_وبدون أخ!
ولم ينتظر ردا يعلم أنه أبدا لن يسمعه، فهو قد آمن تماما أن أبيه عقله قد قُد من حجر، وقلبه قد مات منذ زمن، لذا فقد استدار صاعدا ليجد أمه تنظر له بلوم قائلة:
_ما الذي ستفعله عَمَّار؟ ما الذي تريده؟
وبهدوء رد:
_أريد أختي أمي، أريدها معي.
وبنهي صارم صاحت به:
_هي نتاج نزوة أبيك عَمَّار، لن ترضى أن تسكنها بيتي في ذلك العمر، لن ترضى بأن أُفضح بين الناس الآن، لن تقبل بأن تُضر أختك تغريد بسببها، مستقبلها مُشرقاً، ألم تفكر عندما يأتي لها الخاطبون بِمَ نخبرهم؟
نظر لها بقهر مجيبا:
_قولي لهم ابنتي لها أخت أخرى من زواج سري، أخت تعاني ظلم الأهل قبل الأغراب، قولي لهم إن كنتم تريدون حسابا فحاسبوا الذي خان وغدر ثم افترى ، أو حاسبيه أنتِ أمي، فأنا أرى أنكِ سامحتِه هو ورضيتِ بالظلم لفتاة مسكينة لم يطلب أحد رأيها في نسبها وأصلها.
تجاوزها إلى الأعلى ثم توقف فجأة ملتفتا لهم وقال:
_هذا المكان الذي تخافون جلب العار إليه أنا لا يشرفني أن أعيش به.
وهم بالالتفات عندما عاد مرة أخرى رامقا والديه بابتسامة شامتة:
_وبالمناسبة، تغريد تعلم عن وجود أخت لها، بالأصل هي من سمعتك أبي وأنت تتفق مع المجرمين الذين يعملون لديك للذهاب لتهديد خالها.
ثم أردف بخفوت ساخر:
_هذا إن كنت قد لاحظت تهربها منك وانعزالها وتتساءل عن السبب في الأساس.
وبمنتهى البساطة صعد إلى جناحه ليجذب حقيبة ملابسه المُعَدَّة سَلفا وانطلق خارجه يشعر ببوادر الحرية تلوح في الأفق، وعندما وصل لآخر درجة توقف بمواجهة والده، ثم جذب كفه ببطء ووضع مفتاح سيارته بها هامسا بأذنه:
_هاك أبي، مفتاح السيارة الرمادية الكئيبة، لقد ابتعت أخرى.
وبابتسامة متسعة حملت بعض التشفي تابع:
_زرقاء اللون!
ثم انطلق إلى الخارج يهرول على الدرجات الخارجية ويكاد يرقص فرحا وهو يرمق الفيلا بلا تصديق جاذباً نفسا عميقا إلى صدره ثم قفز بسيارته الجديدة، وقبل أن يشرع بالقيادة أخرج هاتفه ليكتب رسالة نصية محددة:
“أحتاجِك، وافيني بالعنوان التالي!”
**********
وقفت أمام الباب تتطلع حولها بفضول وتتململ بتوتر منتظرة بعدما دقت الجرس، فتح لها بلهفة شديدة وعندما وقعت عيناه عليها..
ابتسم!
ابتسم لها عَمَّار بالفعل ابتسامة لم ترها موجهة إليها على الإطلاق، بل_لتكون صادقة_ لم ترها على ملامحه يوماً، بدا سعيدا، مشرقا، مرتاحا.
سألته مُتوجسة:
_ما بك عَمَّار؟ لِمَ تـ…..
وعبارتها بترتها عندما احتضنها فجأة لتتخشب مُتسعة العينين جاهلة ما يجب عليها فعله..
أتدفعه؟!
أم تحيطه بذراعيها؟!
ولما ازدادت حيرتها فضلت الاستسلام، أو الاستمتاع!
والدفء الصادر منه بدأ يصيبها بالدوار؛
دفء تقسم أنه مستجد تماماً!
تلك الحيرة التي لم تصبه هو بينما يعتصرها بين ذراعيه هاتفا:
_لقد تحررت مَوَدَّة، لقد تحررت!
أفاقت من استسلامها المخزي متراجعة للخلف ببطء، ثم تهربت من عينيه متسائلة بارتباك:
_ماذا تقصد عَمَّار؟ مِمَّ تحررت؟
وبِسعادة لم يُخفِها أجابها:
_من سطوته وقسوته، لقد تركت بيته وسأعيش هنا، سنعيش هنا سويا.
عقبت بدهشة لم تخل من الفرحة:
_هل تَقَبَّلتك رهف بهذه السرعة؟!
ارتسم الحزن فورا على ملامحه وهو يزفر بيأس نافياً:
_لا، لم أكن أتحدث عنها، هي لاتزال لا تعرف شيئا عني، أنا قصدت أنني سأعيش معِك أنتِ وإياد هنا.
عقدت حاجبيها بدهشة:
_أنا سأعيش معك؟! متى أخبرتك بذلك؟
هَزَّ كتفيه وهو يرد ببديهية:
_أنتِ زوجتي!
لكنها على الفور هتفت بصرامة:
_نحن سننفصل!
ارتفع حاجباه دهشة بينما سألها:
_من قال أننا سنفعل؟ أتذكر جيدا أن شرطك الوحيد للطلاق كان الخيانة، وهذا ما لم أقم به أنا مطلقاً، ولن أفعل للأبد.
زفرت بيأس تحاول الخروج من تلك الدائرة المؤلمة، ثم رددت بخفوت:
_اسمع عَمَّار! أنت لم تخني بالفعل، لكن.. لكن تلك العلاقة مرهقة لكلينا، لا أجد جدوى من الاستمرار بها، دعنا ننفصل بسلام من أجل إياد ومن أجل أمي وأمك، وستظل أنت ابن خالتي صديقي وأخي وملاذي الآمن طوال العمر.
أنهت عبارتها بابتسامة دبلوماسية مفتعلة اختفت فور أن لمحت عُقدة حاجبيه ونظرته الخطرة قبل أن يهتف بِتحفز:
_أعيدي ما قلتِ!
بتوتر حمحمت وببطء تلعثمت:
_قلت أنت ابن خالتي وصديقي وأخـ…..
قاطعتها صيحته المستنكرة:
_أخوكِ يا امرأة؟! هل أنتِ بلهاء؟! نحن لدينا طفل!
فاجتاحها الغضب وهي تناظره بعينيها البارقتين أثناء صياحها:
_لماذا تصرخ؟ قصدت أن شعورنا تجاه بعضنا مثل الـ…
قاطعها مرة أخرى بتحذير غاضب:
_أعيديها مَوَدَّة، أعيديها وأطلقي شياطيني كلها تلك اللحظة، فأنا بالفعل أبحث عن وسيلة لتفريغ بعض توتري.
كتمت غيظها وهي تحاول التظاهر بالهدوء ثم خاطبته ببرود:
_حسنا عَمَّار، مبارك خروجك من بيت أبيك، ومبارك الشقة الجديدة، إلى اللقاء.
حاولت تجاوزه فتمسك بذراعها قائلا باقتضاب:
_لقد اشتريت سيارة جديدة أيضا!
هزت رأسها بدهشة ثم ردت بِتوجس:
_مبارك السيارة الجديدة أيضا!
حدق بها بنظرة ماكرة ولاحت الابتسامة مرة أخرى على ثغره فتعالت دقات قلبها بينما تحدث بخفوت:
_إنها الجميلة اللامعة ذات اللون الأزرق بالأسفل، بالتأكيد رأيتِها بطريقك.
وعندما لم تجد ردا أو تفهم ما التعليق الذي يتوقعه منها أومأت برأسها بلا معنى فأردف بمكر أشد:
_أريد أن أعلمك بأنني لا أحب اللون الرمادي، ولا أفضل اللون النبيذي، لذا إن فكرتِ يوما بإهدائي قميصا قطنيا ليجعلني أكثر وسامة فاجعليه أزرقا لأنه لوني المفضل.
اتسعت عيناها بدهشة والذكرى المريرة تضرب عقلها، لكنه فورا طردها بتصميم وهو يميل مقتربا من عينيها سابحاً بهما متابعا بهمس:
_أو ربما عسلياً!
شهقة خافتة انطلقت منها رغما عنها فانحدرت عيناه إلى شفتيها لتنتفض هي إلى الخلف متظاهرة بتثبيت حقيبتها، أما هو فقد حاول السيطرة على ضربات قلبه وهو يحمحم بخشونة شاعراً برضا جراء ارتباكها، ثم هتف آمراً:
_غدا سأمر على فيلا والدك لتحضري معي أنتِ وإياد، جهزي جميع أغراضكما.
وبسبب توترها لم تستطع معاندته وهي تومىء برأسها بطاعة فأردف هو بحنان:
_هيا بنا لأقلك وأرى إياد، لقد اشتقت إليه جداً.
تململت في وقفتها وهي تبدي اعتراضا متخاذلا:
_ولكني.. ولكني أتيت بسيارتي، سأعود وحدي.
حدق بعينيها بعاطفة وهو يهز رأسه رافضا، ثم قال بِحزم:
_لا مَوَدَّة! لن تعودي وحدك، ليس بعد الآن!
وبابتسامة بدت طفولية أردف:
_كما أنني أرغب أن تكوني أنتِ أول من يستقل سيارتي الجديدة.
بصعوبة تحكمت بابتسامتها وهي تُشيح ببصرها عنه ثم تقدمته فلحقها بشوق عارم.
ها هي البداية الجديدة يراها كنور الشمس مُحلِّقة في الأفق، وسيكون من الغباء أن يفقدها ثانية..
ربما كان وجوده في ذلك السجن هو ما يضع غشاوة على عينيه تمنعه من الرؤية، ومن الشعور، والآن وقد تخلَّص من ذلك القيد سيضم كلتاهما إليه وسيعوضهما معا..
مَوَدَّة.. ورهف!
**********
قبل عدة سنوات:
في الظلام الدامس وقفت متشبثة بكف طفلتها ذات الستة أعوام وهي تحدق بالبوابة الحديدية الكبيرة بتوتر مشوب بالتصميم، والغضب!
تعلقت بها عينا الصغيرة ببراءة وهي تحاول البحث عم تنتظره أمها بذلك الارتباك، كانت تنقل نظراتها بين ملامح أمها والبوابة الحديدية بانتظام، حتى فُتحت البوابة وخرج!
قوي البنية؛
عريض المنكبين؛
فارع الطول؛
قاسِ الملامح مظلم العينين؛
وبتلقائية تراجعت خلف ظهر أمها وهي تتشبث بذراعها وقلبها يرتجف، بينما اتجه الرجل إليهما وغضبه يزداد مع كل خطوة حتى توقف أمامهما هاتفاً بصوت غاضب منخفض:
_هل فقدتِ عقلك؟ أتجروئين على الحضور إلى بيتي؟ ماذا إن رأتك زوجتي؟ ماذا إن رآك ابني؟
لكن أمها هتفت بنبرة أعلى:
_أنا أيضا زوجتك، وهذه أيضا ابنتك!
مالت رهف برأسها من خلف ظهر أمها تتطلع إليه لوهلة بينما انطلقت الأسئلة داخل عقلها الصغير: أهذا هو أبوها الذي لطالما تساءلت عنه؟
أهذا هو أبوها الذي أغاظتها دينا دوما بعدم وجوده؟ تسللت ابتسامة بريئة إلى شفتيها هاتفة بهمس: مرحى! ستعود اليوم للمنزل وتخبرها أن لها أب، أنها رأته وصافحته، ربما سيحتضنها الآن ثم يعطي لها بعض الحلوى، وربما غداً سيصطحبها إلى مدينة الألعاب!
لكن النظرة التي ارتسمت بعيني الرجل أرعدتها، اتسعت عيناه بصدمة وهو يقترب أكثر من أمها متسائلا بنبرة خافتة تحذيرية:
_ألم تجهضينها؟
وبعناد هزت عايدة رأسها نفيا وهي ترد:
_لا! لم يوافق صلاح، لِذا أقدم لك ابنتك! رهف شديد الناجي!
اندلعت النيران بعينيه للحظات وشعرت هي بارتجاف جسد أمها، أما الرجل فلم يهتم حتى بإلقاء نظرة عليها وهو يبتسم لأمها ببرود قائلاً:
_اثبتي!
أجفلت أمها وهي تنظر له بقلق شديد ثم سألته بِتوتر:
_ماذا تقصد؟
ليعيد نفس الكلمة ببرود أكبر:
_اثبتي عايدة، اثبتي أنني سبق وتزوجتك، اثبتي أن تلك اللقيطة ابنتي.
توترت عايدة وهي ترد:
_أنت..أنت تعلم أنني أملك نسخة من عقد الزواج شديد.
اتسعت ابتسامته الخبيثة متسائلا بلا انتظار الإجابة:
_حقا؟!
وعندما لم ترد هي عم الصمت، تسارعت أنفاسها وهي تتهرب من عينيه بينما الذعر يكتنف قلبها، كيف علم بفقدانها العقد منذ مدة؟ كيف علم بأنها بالفعل ليست لديها ما يثبت زواجه منها؟
نظراته مُتوعدة شامتة؛
نظراتها مرتعبة خاسرة!
أخفضت عينيها ترمق ابنتها ثم جذبتها لتوقفها بينها وبينه ووضعت كفيها فوق كتفيها وهي تهزها بقسوة هاتفة:
_انظر شديد!، تلك هي ابنتك وأخت ولدك المدلل! لها حق بك وباسمك وبذلك القصر الذي تعيش به، هل ستتركها؟ هل ستتخلى عنها؟ هل ستقبل بأن ينعتها الناس بــــ”ابنة الخطيئة؟”
مط شفتيه مُبتسِماً ببرود ثم أجابها:
_لا أهتم في الواقع عايدة، فأنا أتذكر جيدا عند زواجنا اشتراطي عدم الإنجاب لكنكِ خالفتني، أتذكر أيضا طلبي إجهاضها ما إن اكتشفتِ الحمل لكنكِ عاندتِ، الآن تأتين لي راغبة بالإنقاذ؟! أنتِ من تسببتِ لنفسك ولتلك اللقيطة بالفضائح، فلتتحملي نتائج أفعالك! أنا بالفعل لدي زوجة يعلم بأمرها الجميع، لدي ابن سيشرفني وسيُحقق أحلامي، أما أنتِ!.. للأسف عايدة أنتِ تطلعت لمكانة لن تطاليها أبدا.
كل كلمة قالها لم تُفاجئها تماماً، فهي علِمت منذ سنوات كم هو نذل وخسيس، لكنها كانت تأمل في أن يرق قلبه تجاه طفلته عندما يعلم بوجودها ويراها..
والآن لا تملك سوى…تهديده!
صرخت بقهر:
_سأفضحك شديد! سأذهب إلى مصنعك وسأفضحك أمام العاملين لديك، سأخبر الجميع أن شديد بك الذي يتظاهر بالشدة والالتزام والانضباط ويرهبه الجميع لديه ابنة لا يود الاعتراف بها!
وكان رده على تهديدها دَفعة بصدرها أسقطتها أرضا لتصرخ بألم بينما أخذ يسُبَّها بأقذع الألفاظ، فاندفعت إليها رهف بجزع هاتفة:
_أمي! أمي هيا بنا، لا أريد أب، لا أريد ذلك الرجل ولا أريد منه الحلوى، خالي يجلب لي منها الكثير، هيا نبتعد عن ذلك الرجل، وأنا سوف أدعو عليه أن ينتقم الله منه مثلما تدعو عليّ زوجة خالي!
ومع الكلمة الأخيرة شعرت بقوة عاتية تجذبها إلى الأعلى، فالتفتت إليه لتقابلها صفعة مؤلمة اختطفت الأصوات من إحدى أذنيها للحظات، وبينما هي تكافح للاستيعاب إذا بقبضة قاسية تتمسك بذراعها اليسرى لتعتصرها بعنف وجسدها الهش يهتز بين يديه حتى ما عادت تشعر بأية آلام.
_إنكِ وقحة تماما! كيف تتفوهين بذلك الكلام؟ أنتِ حشرة! أنا لست أبيك، وأنت لا تمتلكين أي أب!
ثم دفعها لتسقط بجوار تلك الجاثية أرضاً تنتحب بلا جدوى، الذعر يتملك منها وهي تشعر بالذعر من أن يهجم عليهما ثانية، فتراجعت زاحفة تحتمي بأمها بينما تابع هو بِوعيد خالص:
_إن أتت إحداكما إلى بيتي أو إلى مصنعي أو تجرأت بالاقتراب من أي شخص يخصني سوف أقتلكما، تعلمين عايدة أنني أفعلها ولا أهتم.
من بين دمعاتها ابتسمت بسخرية..بالطبع تعلم!
نظرت له بقهر ثم لملمت عباءتها ووقفت بضعف تستند على طفلتها، وما إن ابتعدتا بضعة خطوات حتى نادتها رهف بضعف:
_أمي!
ومن بين نشيجها ردت بغضب:
_ماذا تريدين أنتِ؟!
وبألم مختلط بذعر أجابتها:
_ذراعي الأيسر تأبى التحرك!
وبدهشة نظرت عايدة إلى ذراع ابنتها لتراها_للمرة الأولى_ متيبسة تماما!
**********
عودة إلى الوقت الحالي:
استيقظت من شرودها في بحر ذكرياتها المظلم وهي تتطلع إلى ذراعها التي فاجأتها صباحا بتيبسها بعد أن قضت ليلتها شاردة في الصورة الأخيرة التي تركت ساري عليها..
مصدوماً، عاجزاً عن الكلام، وقراره لا يحتاج إلى تخمين..
وكأن مقولة “المصائب لا تأتِ فرادى” صادقة تماما!
اجتذبت ابتسامة رقيقة وهي تتطلع إلى الوجوه البريئة أمامها ثم تساءلت بصوت اصطنعت به المرح:
_إذن هل هناك منكم من لم يكتب اسمه على السبورة؟
هز الأطفال رؤوسهم نفيا وتعالت صيحاتهم المُحببة إلى قلبها، فابتسمت لهم ثم التفتت إلى اللوح الخشبي وهي تردد بصوت هاديء:
_مالك أحمد عادل.
_أسيل هاني محمد.
_إياد عَمَّار الناجي.
!!!
تَخَشبت ملامحها كما تخشب جسدها تماما وهي تحدق في الاسم الذي اخترق عقلها فأدركه قبل لسانها، ازدردت لعابها وهي تعيد الاسم بنبرة مرتجفة:
_إياد عَمَّار الناجي!
التفتت ببطء تبحث بعينيها عن الطفل اللطيف الذي استقبلته منذ بضعة أيام فقط فنظر لها بابتسامة بريئة وسألها مترقباً:
_هل كتبت اسمي بطريقة صحيحة آنسة رهف؟
ظلت على صمتها الذاهل لبعض الوقت بينما قلبها يرتجف وبالمثل صوتها وهي ترد:
_نعم إياد، لكن.. لكن هل هذا هو اسمك؟ أعني أن أبيك اسمه عَمَّار وجدك اسمه ناجي؟ أليس كذلك؟!
ازدادت ابتسامة الطفل اتساعا وهو يستشعر اهتمام المعلمة الخاص به فرد بنبرة مُتحمسة:
_لا آنسة رهف، أبي هو من يؤكد علي ترديد ذلك الاسم، لكنني أعلم أن اسمي كاملا هو..إياد عَمَّار شديد الناجي!
تردد الاسم في عقلها ليهتز جسدها بأكمله، شحب وجهها وهي تتطلع إلى الطفل الجميل باحثة عن ملامح سوداء مظلمة تكرهها وتخافها فلم تجد..
باحثة عن قسوة، حقد، نفور.. فلم تجد..
كيف؟! كيف تنتمي تلك البراءة إلى ذلك الوحش؟! كيف_بأي طريقة_ تكون له به صلة دم؟!
لحظة!
أهذا يعني بالتبعية صلته بها؟!
أهذا يعني أنها تتعامل معه منذ أيام غافلة عن الرابط الذي يجمعهما؟!
لملمت أغراضها وبارتباك ثم خرجت مسرعة باعتذار واه للمشرفة، وأمام البوابة كانت تحاول لملمة شتات نفسها، وعندما ظنت أنها قد نجحت شعرت بانفلات دقات قلبها وانهارت أعصابها تماما وهي تراه أمامها مُحدقا بها بألم حائر لينطلق لسانها بنداء مستجد:
_ساري!
وجاءت الابتسامة الحزينة مقترنة بالرد الخافت منه:
_مرحبا يا مشعثة!
**********
وأمام المشفى صف سيارته الجديدة ثم ربت على سطحها بحنو مُريب منطلقا إلى الداخل ومُطلقا صفيرا ناعما فأوقفه نداء هادىء:
_دكتور عَمَّار!
التفت إلى الخلف ثم انعقد حاجبيه بدهشة هاتفا:
_دكتور حمزة، أهلا بك.
تقدم منه حمزة بابتسامة ودودة ثم قال:
_أردت أن أتحدث معك بأمر ضروري.
رحب به عَمَّار وهما يعودان إلى الخارج مرة أخرى، وبأقرب مقهى جلسا ليبادره حمزة:
_لقد جاءت إليّ دينا، وعلمت منها أنك قد قابلتها، ويبدو عليها الذعر تماما.
هتف عَمَّار بحنق:
-عسى أن تعيش طوال عمرها كالفأر مذعورة.
ثم استدرك بحرج:
_آسف، أعلم أنها كانت زوجتك وربما…
قاطعه حمزة بهدوء:
_لا عليك، لم آتِ اليوم للتحدث بشأنها، بل جئت من أجل رهف.
عقد عَمَّار حاجبيه وهو ينظر إليه بتدقيق للحظات، ثم سأله بصرامة:
_أخبرني دكتور حمزة، ماذا تريد من أختي؟ ولماذا تهتم بها بهذا الشكل بالأساس؟
مط حمزة شفتيه بضيق واضح وهو يجيبه:
_لا أريد أن تجنح بخيالك بعيدا، رهف مثل أختي تماما، بالإضافة إلى أن تجربتي السابقة تجعلني أهرب بالأميال من أي امرأة مهما كانت هويتها، لكن.. لكن أنا مُدان لِرهف، وسأساعدها بقدر ما استطعت.
مال عَمَّار برأسه تجاه حمزة وهو يستند بذراعيه على الطاولة مُرددا ببطء:
_أحب أن أعرف عن هذا الدَين، أحب أن أعرف أي شيء يتعلق بأختي دكتور حمزة.
غامت عينا حمزة بحزن مشوب ببعض الغضب ثم زفر بيأس قبل أن يتكلم بخفوت:
_كنت أقطن مع دينا في الطابق الذي يعلو شقة أهلي.
توقف للحظة والألم يقفز بملامحه ثم تابع:
_والدتي .. والدتي قعيدة وتعاني أحيانا من نوبات صرع تتغير شدتها من نوبة لأخرى، لذا يجب أن يظل هناك مُرافق لها.
صمت مرة أخرى فشعر عَمَّار بالإشفاق عليه وهم بإيقافه لكن حمزة استكمل حديثه بنفس النبرة المُتألمة:
_وبأحد الأيام كنت أنا بالمشفى وحدث ظرف طارئ استدعى خروج أخي الأصغر من المنزل، هاتفتُ دينا كي تجالس أمي حتى أعود من العمل فوافَقَت غاضبة بعد أن ترجيتها، لكنها لم تكلف نفسها عناء النزول إليها ظنا منها أن أحد أشقائي سيعود أو ربما والدي، جاءت رهف مُحملة بالأطعمة التي ترسلها زوجة خالها، لتجد دينا بشقتنا، بينما صوت ارتطام أمي من فوق مقعدها يصل لأسماعها، أحضرت أحد الجيران الذي كسر الباب وانطلقت إلى أمي تحاول إنقاذها بينما الجميع يبتعد إلى الخلف عنها كأنها وباء، جئت أنا بآخر لحظة لأجد رهف قد أنقذت أمي من ابتلاع لسانها.
صمت حمزة محاولا التغلب على دمعات قاهرة تود الظهور دائما كلما ارتسمت بعقله صورة أمه ملقاة أرضا ورهف تحاول ستر ما يتكشف منها بعد أن فتحت فمها بالقوة وأخرجت لسانها من حلقها.
نظر له عَمَّار بأسف مُختلط بفخر بتلك الرقيقة التي ستنتمي إليه رغما عنها ورغما عن والده.
حمحم حمزة بخشونة وهو ينظر إلى عَمَّار مرة أخرى مستدركا:
_الآن أخبرني ماذا تنوي أن تفعل مع دينا.
ليحل الغضب عيني عَمَّار وهو يجيبه:
_تلك الحقيرة جاءت مع أمها لتبتز شديد بك حتى يجبر رهف على الرحيل من بيتها، أنا لا أعلم ما هو لكنني متأكد من مدى أهميته، لن يرضخ هو لهما إلا إذا كان ما يمتلكانه خطِراً للغاية.
ثم أردف بغيظ:
_ والآن أختي تعيش وحيدة منبوذة بسبب شيطانة وأمها، لكنني أريد أولا التقرب من رهف، أريد أن تسمح لي بالمحاربة من أجلها، أريد أن أتواجد من أجلها طوال الوقت.
زفر حمزة بتعب معقبا:
_لن تكون محاولتك معها سهلة عَمَّار، رهف تعاني فقدان الثقة بالجميع، خاصة بعدما اصطحب والدك هؤلاء المجرمين إلى خالها وعَلِمَت بتورط زوجته وابنته أيضاً.
شرد عَمَّار بعيدا وهو يردد:
_أعلم، أعلم تماما.
وبلهجة قوية مؤكدة خاطبه حمزة:
_أحببت أن أخبرك أنني معك ومع رهف، سأفعل أي شيء في سبيل إثبات نسبها ورد حقوقها.
ابتسم له عَمَّار بود شاكرا وهو يومىء برأسه شارداً في المُستقبل الضبابي…
لا يعلم هل عليه أن يشع بالقلق من موقف والده أم من موقف أخته نفسها!
*******