رواية سكن روحي الفصل العشرين 20 والاخير بقلم سعاد محمد – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

رواية سكن روحي الفصل العشرين 20 والاخير بقلم سعاد محمد

 

*بداية سعيدة*
في صالة الاستقبال بمكتب المُحاماة بإحدى المناطق المتوسطة هَبَّت تلك المرأة التي يبدو عليها نفاد الصبر واضحاً لتتجه إلى موظفة الاستقبال هاتفة بِنَزَق:
_هل سننتظر كثيراً بعد؟! لقد سمحتِ لتلك المرأة بالدخول قبلنا رغم أننا على موعد مع الأستاذ، هل أنتِ جديدة التعيين هنا أم ماذا؟
حدَّقت دينا بالمرأة التي تقف قُبالتها برُعب ثم انحدرت نظراتها إلى السلاسل الذهبية الضخمة التي تتدلى على صدرها ، ثم انتقلت إلى ذراعيها المُثقلين حتى المرفقين بالأساور الذهبية وتساءلت في نفسها:
“كيف تتحمل وزنهم؟!”
_هل أنتِ صَمَّاء؟!
حمحمت دينا بقلق وهي تتهرب من عيني المرأة المُخيفتين ثم ردَّت بتوتر:
_الأستاذ ماجد سيُقابل حضرتك بعد أن تخرُج المُوكِّلة بالداخل.
هنا اتسعت عينا المرأة بطريقة أكثر إرعاباً وهي تشيح بيدها في وجهها قبل أثناء هتافها بها:
_الفتاة التي كانت تعمل هنا قبلك كانت نشيطة وذكية، بينما أنتِ بطيئة وتُثيرين الأعصاب وأنا أتحمل نفسي بصعوبة هذه اللحظة، أنصحك بالتركيز قليلاً فأنتِ لا تُريدين أن تتعرضي لغضب أحد من.. الزبائن!
وعندما تأمَّلت دينا وجوه “الزبائن” وجدتهم جميعاً ينظرون إليها بفضول؛
وبعض التحذير؛
وبعض السخرية؛
وبعض الـــ… خُبث!!
وها هو الرجل ذي الجرح الطولي بوجهه ينظر إليها بطريقة أثارت الامتعاض في نفسها مُقترِناً بالخوف الشديد.
لقد مرت أربعة أيام منذ أن بدأت بالعمل في مكتب الأستاذ ماجد المُحامي بعد التوصية التي حصلت عليها عن طريق حمزة، وعلى العكس من توقُعها أنها ستستفيد بدراستها الحقوق فوجئت به يشترط عليها العمل بمكتب الاستقبال لفترة قصيرة أولاً حتى تُهييء نفسها للــ”زبائن” الذين ستتعامل معهم مُستقبلاً..
وقد أبدت رفضاً قاطعاً في باديء الأمر مُستهجنة فكرة انحدارها إلى تلك المرحلة وظناً منها أن حمزة قد أكد على تخطيها لتلك المرحلة، لكنها لم تلق سوى اللامبالاة والأستاذ ماجد يعتذر لها بلباقة.
وهكذا وجدت نفسها باليوم التالي تتجه إلى المكتب مُبدِية استسلامها واستعدادها إلى تسلُّم مهام وظيفة الاستقبال بعد أن أخبرها أبيها _الذي يتحمل رؤيتها بصعوبة_ أنها يجب أن تبدأ بالاعتماد على نفسها وتُلقي التدليل الذي تشرَّبته حتى عُنُقها خلف ظهرها.
وعندما حاولت التواصل مع أمها التي تقيم لدى خالها نهرتها آمرة إياها بعدم الاتصال بها ثانية لأنها ستظل إلى الأبد غاضبة عليها.
وهكذا وأدت أملها في استقبال خالها وزوجته لها لتتقبل رغماً عنها معاملة والدها الجافة.
ومشكلتها الحقيقية حتى الآن أنها للأسف لم تعتد نظرات هؤلاء الـ.. زبائن!!
**********
استيقظت على قُبُلات رقيقة حانية تناثرت على جيدها ووجنتيها، فابتسمت ثم فتحت عينيها لتجده يُناظرها بِعِشق وهدوء يتناقضان تماماً مع غضبه الذي كان كامناً بكل خلجاته منذ ساعات.
رَفَع يدها إلى شِفتيه مُقبلاً إياها ثم هَمَس بأذنها:
_شكراً حبيبتي.
انعقد حاجباها بتساؤل مُستعيدة كل عبارات الشُكر والامتنان التي لم يتوقف عن التلفظ بها منذ الليلة الماضية فابتسمت بِرِقة ثم قالت مُحاوِلة التغلب على خجلها:
_علام تشكرني منذ الأمس ساري؟
جذبها إلى صدره قائلاً بِنبرة رخيمة هادئة:
_أشكرك لأنكِ خلصتني من عبء أثقل كاهلي لسنوات، أشكرك لأنكِ ظهرتِ بحياتي لتمنحينني حُباً لم أكن أنتظره مُطلقاً، وأشكرك لأنكِ ستمنحينني المزيد كما أثق.
أغرقت نفسها بداخل أحضانه ثم سألته بعد قليل بِصوت مُتَوَجِّس:
_هل ننصرف من هنا؟
رَفَع وجهها إليه وابتسم قائلا بِصِدق:
_اطمئني رهف، أنا أريد أن أبدأ بسلام معك، لا أريد الانشغال بأي أحقاد أخرى.
ابتسمت بِحنان ثم سألته باهتمام:
_وماذا ستفعل في هذا المنزل؟
ظهر التفكير على وجهه لِدقائق ثم قال بِحزم:
_سأبيعه، سأتحرر منه إلى الأبد.
اتسعت ابتسامتها أكثر ثم اشرأبت بعنقها لِتقبل جبهته وهي تقول بلهجة واعدة:
_سأعوضك ساري عن كل عذاب وكل ألم، ستنسى كل ما فقدت هنا، ستعيش بِسعادة تفوق أي حُزن سبق أن تعرضت له، هذا الماضي الذي تسبب بِجراحك الغائرة سيمحوه حاضرنا ثم مستقبلنا معاً.
تعلقت عيناها بعينيه واستأنفت بِتَمَنِ حالِم:
_بيت سعيد، أطفال مشاغبون، بِعيون خضراء…
قاطعها مُكملاً نفس الوعد:
_وأهداب مُشعثة!
أومأت برأسها إيجاباً وابتسامتها تتسع أكثر هامسة:
_وأهداب مشعثة!
صمت قليلاً ثم تسللت يده إلى وجنتها وقال:
_أحياناً أفكر بدهشة في كيفية وصولك إليّ سالمة بعد كل هذه الوقت، أراقبك منذ سنوات باهتمام كابنته فقط لا غير، تعرضتِ للكثير والكثير لكن لم يُصِبكِ أذى.
ثم التهم ملامحها بِعينيه مُتابعاً:
_أتساءل هل كان هناك شيء بداخلي يعلم أنكِ لي؟، أن اهتمامي بكِ يتعدى اعتقاداتي؟، أنني لن أسمح بوقوع أي أذى لكِ؟، ليس لأنكِ رهف من ستحقق هدفي، لكن لأنكِ رهف من ستصيرين يوماً زوجتي.
وَضمَّها مرة أخرى متسائلاً بندم:
_هل كنت أهرب؟! هل كنت أعمى؟! هل أدركك قلبي منذ الأزل ولم يفعل عقلي إلا حينما قابلتك بالشركة؟ أو.. أو ربما حينما استمعت لِصوتك الهاديء بالهاتف؟
ثم أضاف بِلوم مصطنع:
_عندما نعتيني باللص!
تعالت ضحكاتها المستمتعة فارتسم الغيظ على وجهه لتعتدل هي قائلة بِصِدق:
_لا أهتم متى حدث ذلك ساري، أنا أعلم أنكَ قد صِرت حبيبي الوحيد منذ أن رأيتك للمرة الأولى، وهذا يكفيني.
ثم أضافت بِمرح:
_ومنذ أن طلبت مني بعض الدروس الخصوصية.
شَعَّ وجهه بابتسامة ماكرة ويده تتجه إلى كتفها ببطء قائلاً بخفوت:
_على ذكر الدروس الخصوصية، هناك نقطة هامة لم أستوعبها جيداً وأريدك أن تعيديها عليّ مرة أخرى.
ارتفعت ضحكاتها التي شابها بعض الخجل ثم سألته باستنكار:
_ألم تمل دروسك هذه يا ساري؟
لكنه كان اجتذبها إليه تماماً ثم نظر إليها بجرأة هامساً:
_أي ملل حبيبتي؟! ربما سأطالبك ببعض فصول التقوية الإضافية أيضاً، تعلمين أنني مُجتهد جداً وأحب التركيز جداً!
**********
ما إن أجابت سما هاتفها الذي تعالى رنينه منذ دقائق حتى صدح صوته في أذنها مُنزعجاً.. مُصمماً:
“أنا أريد الزواج سما!”
اتسعت عيناها بذهول وهي تتشرب عبارته ثم ما لبثت أن هتفت به حانقة:
_أتريد الزواج عليّ عاصم؟! منذ الآن؟! بِمَ قَصَّرت أنا معك؟! هكذا أنتم الرجال..
قاطعها حانقاً أكثر:
_وهل تزوجتك أنتِ بعد؟!
تداركت تسرعها وحمحمت بِحرج ثم قالت:
_كنت.. كنت أمزح فَحَسْب، ماذا تعني إذن؟!
هدأت نبرة صوته وهو يقول بتفكير:
_بعدما مَرَّ الزفاف بالأمس _للغرابة_ على خير أجد نفسي أرغب بالزواج منكِ في أقرب وقت!
شاركته تفكيره..ورغبته، متسائلة:
_لكن كيف سنفعل ذلك؟ لايزال أمامنا وقت طويل كي ننتهي من تجهيز الشقق الثلاث.
زفر بضيق وقال بِنزق:
_لا أعلم سما، لكن لا يعقل أن يتزوج ساري ثلاثة مرات وأنا أكتفي بالمشاهدة، حتى سارة تبدو أنها ستوافق على الزواج من ذلك الطبيب، وهكذا يعيش الجميع في سعادة وهناء بينما أنا أظل متمسكاً بحلقة فضية في خنصري الأيمن لم أكتشف مدى أهميتها إلا مؤخراً!
وتابع بغيظ:
_لقد شقيت أكثر منهم جميعاً وهذا ليس عدلاً!
تعالت ضحكتها المستمتعة في أذنه فابتسم رغماً عنه قائلاً بنبرة مُشاكِسَة:
_يا للضحكة الرقيقة يا سما! من أين اختلقتِها؟!
عَضَّت على شفتها وقالت بخفوت:
_أنا بالأصل رقيقة يا عاصم لكنك من تدفعني إلى إخفاء ذلك معك.
واكتسبت لهجته مكراً غريباً بالنسبة له فقال:
_لا تفعليها ثانية إذن!
ثم تابع هامساً:
_أو افعلي! أنا أحبك بجميع حالاتك.
وأضاف مستغلاً احتباس كلماتها النادر:
_أحب سما الرقيقة التي يتورد وجهها الآن بخجل وأنا لا أستطيع رؤيتها.
واستطرد مازحاً:
_وأحب سما سليطة اللسان التي تتعمد إزعاجي كلما واجهتني.
وبنبرة امتزجت بها السعادة بالدهشة سألته:
_ماذا بك عاصم؟ لم أعتد منك على هذه الكلمات العاطفية!
تظاهر بالحنق هاتفاً:
_إنها المشاعر الجميلة المتبادلة سما! هل نسيتِها؟!
وعادت ضحكتها مرة أخرى فاستأنف باهتمام شارداً:
_يبدو أن حفل الزفاف الأخير كان به فأل حَسَن للجميع فعلاً، منذ استيقظت وأنا أرغب بالتغزل بكِ بلا داعِ، حتى أنني أشعر بالاشتياق إليكِ أيضاً.
زاد خجلها بينما قالت بصوت متقطع:
_لقد.. كنا سوياً منذ عدة ساعات فقط عاصم.
ابتسم بلؤم ثم ردد بخفوت:
_لقد أخذت إجازة من صديقي المزعج وتفرغت لكِ، وعدتك أنني سأبهرك وسأفعل، أحضري دفتراً وسجلي كل كلمات الغزل التي سألقيها على مسامعك، واستعدي لتُذهلي بأي رجل حالم ستتزوجين، كما أن….
وعندما بتر عبارته انتظرته بحماس طال قليلاً، ولما شعرت بالقلق جراء صمته سألته:
_ماذا هناك؟
استمعت إلى صوته المتوتر قائلاً:
_إنه ساري أرسل لي رسالة، انتظريني سأرى ماذا هناك!
وحينما التقط السماعة المستقلة ووضعها على أذنه، فتح الرسالة ليجُّز على أسنانه بغيظ بينما يقرأ الكلمات بها:
“عاصم! أحضر سيارتي إلى ذلك البيت بالحي القديم، أنا ورهف هناك منذ الأمس وسنذهب إلى مكانٍ ما، ولا أريد استخدام سيارة أجرة!”
وعندما أنهى قراءة الكلمات تمتم بكل غيظه:
_لا حول ولا قوة إلا بالله! أعلم أنني لن أتخلص منه أبداً!
والتوتر بات من نصيب سما التي سألته بسرعة:
_ماذا حدث عاصم؟ هل هو ورهف بخير؟
تأفف متأوهاً ثم قال بدهشة:
_لا أعلم، لكن أخبريني أنتِ ماذا يجعل شخصين لديهما خلية ذهنية واحدة يقضيان ليلة زفافهما بمنزل قديم متهالك ذي قبو لن أعجب مُطلقاً إن كان مسكوناً بالأشباح؟!
زفرت براحة بينما تابع هو متهكماً:
_والآن العريس يريدني أن أحضر له سيارته إلى هناك!
خاطبته برفق قائلة:
_اهدأ عاصم، ما يهم أنهما بخير.
ومن بين أسنانه تحدث:
_دوماً ما يكونا بخير سما، دوماً ما يكونا بخير، وأنا وحدي من أعاني بسببهما.
وبحنق أضاف:
_حتى في اللحظة التي أردت أن أغازلك بها قاطعني ذلك الوغد الذي سألقي له بسيارته أمام ذلك الوكر ثم سأقطع علاقتي به اليوم حتماً و…!
وعندما بتر عبارته ثانية عاد القلق إليها ثانية وهي تسأله:
_ماذا هناك؟
لم يرد وهو يحدق في الرسالة الأخرى التي جاءته حاملة اسم سارة:
“عاصم! أمي ترفض حضور حمزة وأهله رفضاً قاطعاً، يجب أن تتحدث معها وتخبرها أنني لن أتزوج سواه!”
وبابتسامة واسعة لا يشعر بها حقاً ردد:
_أهلاً وسهلاً.. أهلاً وسهلاً، ها هي المجنونة شقيقته ترسل لي لتخبرني أن والدتها ترفض ذلك الطبيب الذي يتظاهر بالوقار وتطلب مني التدخل لإقناعها.
ثم ضرب قبضته بفراشه متسائلاً باعتراض:
_لماذا يحدث لي ذلك؟! هما أصلاً ليسا ابني خالتي حقَّاً!
وعادت ضحكتها أيضاً قائلة بهدوء سببه كلماته الرقيقة برغم قلتها:
_اذهب أنت إلى العروسين وأنا سأهاتف سارة الآن لأفهم ماذا حدث.
مط شفتيه بضيق ثم قال مستسلماً:
_سأفعل! لكن تذكري جيداً أنني حاولت أن أصير عاطفياً لكن الظروف كلها قد وقفت ضدي!
وأنهت المكالمة فَهَمَّ بارتداء ملابسه ليرتفع صوت وصول رسالة أخرى، ورغماً عنه صاح غاضباً:
_ماذا هناك هذه المرة؟! هل قامت الحرب ويطلبونني على الجبهة؟!
لكن حاجباه انعقدا دهشةً ثم ابتسم فجأة وهو يقرأ الكلمات القليلة بعينيه.. ذات الأثر العظيم في قلبه..:
“عاصم! أنا أحبك جداً!”
وبعدما أعاد القراءة مرتين اتسعت الابتسامة وهو يعلق بزهو:
_وهكذا تكون الرسائل.. وإلا فلا!
**********
شَبَّكَت أصابعها بأصابعه بعد أن قام بإيصاد باب المنزل جيداً وتقهقر إلى الخلف في صمت حتى وقفا أمام سيارته التي أحضرها عاصم بناءاً على طلبه، اختلست النظر إليه عندما جلس خلف مقعد القيادة، واجماً شارداً..
لا هو يتراجع.. ولا هو يتقدم؛
ملامح مُصمتة؛
أنفاس هادئة؛
خسارة…فوز!
ووداع..؛
يودع كابوساً وقبراً وأدوات تعذيب احتفظ بها لسنوات..؛
يودع حسرةً وألماً يبدأ بالانسحاب منه تدريجياً..؛
يودع ذكريات خِزيُه وقيوده وثمانية أيام من القهر الذي احتبسه معه هنا بالتحديد..!
“أشتهي المثلجات ساري!”
قالتها بنبرة طفولية فالتفت إليها مستغرباً، لتتابع بِعبوس:
_لقد وعدتني من قبل أنك ستبتاع لي المثلجات لكنك لم تفي بوعدك إلى الآن رغم مرور أكثر من أسبوع على عقد قراننا، أريد تناولها الآن إن سمحت!
التفت إليها بحدة قائلاً بسخرية:
_أعذريني إن انشغلت قليلاً في البحث عن عروسي المخطوفة بين حرائق الأخشاب وكأنني بطل أحد الأفلام الهندية أو ما شابه!
وعندما ابتسمت بزهو لتغيظه رمقها ملياً في صمت محاولاً تحليل ما يشعر به منذ الليلة الماضية فلا ينجح؛
لقد تأكد منذ مدة أنها ليست مجرد حبيبة، ليست مجرد امرأة يرغب ببدء حياته معها..
وبالأمس أدرك أنه لا يجرؤ على تصور يوماً واحداً يقضيه دونها..
والأغرب أن الفكرة التي تسيطر عليه منذ استيقظ صباحاً هي رغبته برؤية طفله منها وحدها!
عقدت حاجبيها بضيق مُفتعل.. فَزَفَر بحرارة؛
واحتلت الابتسامة وجهه مُدركاً محاولتها لإلهائه..فاستجاب!
_أنا لم أعدك أننا سنتناولها في الشارع مُطلقاً.
وتابع بمكر:
_لكننا سنبتاعها اليوم لتكون أول ما نتناوله ببيتنا!
أشاحت بوجهها بعيداً بابتسامة خَجِلة، إلا أن قُبلته على كفها أدارتها إليه مرة أخرى، لتجده ينظر إليها برجاء ثم سألها:
_هل سامحتِني رهف؟
رمقته بحنان ثم قالت ببساطة:
_ألازلت تسألني؟! لقد أخبرتك مراراً أنني فعلت ساري، لِمَ لا تنفك تكرر نفس السؤال؟
ورجاؤه زاد؛
وندمه أكثر وضوحاً؛
_لأنني لن أسامح نفسي مُطلقاً رهف، لِذا افعلي أنتِ نيابةً عني!
وبإصرار طالبها:
_أحب سماعها منكِ، فلا تتوقفي عن ترديدها مُطلقاً!
أومأت برأسها موافِقة، فأضاف هو بحماس:
_والآن هل أنتِ مُستعدة لزيارة مدينة الألعاب؟!
انسحبت الابتسامة من وجهها بالتدريج وهي تسأله بتوجس:
_متى سنذهب إلى مدينة الألعاب؟
وكان ردُّه أن استخرج من جيب سترته تذكرتين رافعاً إياهما أمام وجهها قائلاً:
_الآن!
لتهتف به باستنكار:
_هل تريدنا أن نزور مدينة الألعاب في صبيحة زفافنا ساري؟
قام بتشغيل المُحرك وهو يُجيبها ساخراً:
_بعدما قضينا ليلة زفافنا نفسها بقبو مظلم بناءاً على إصرارك حبيبتي، احمدي ربك أنني سأصطحبك إلى مدينة الألعاب الآن، ليس إلى المقابر مثلاً!
**********
فتحت مَوَدَّة الباب ثم ابتسمت بتوتر واضح قائلة بترحيب:
“خالتي!”
نظرت لها نهال ببرود وهي تسألها:
_كيف حالك مَوَدَّة؟
ازدردت لُعابها بقلق وهي ترد:
_أنا بخير، تفضلي خالتي بالدخول!
دخلت نهال تتطلع باستنكار واضح إلى الشقة لكنها لم تُعَلِّق ثم سألتها:
_أين هو عَمَّار؟
أجابتها مَوَدَّة بقلق:
_إنه يبتاع بعض الأغراض وعلى وشك الوصول، كنت أحسبك هو.
هزت نهال رأسها بلا معنى فسألتها مَوَدَّة:
_ماذا تريدين أن تشربي؟
وبكل البرود أجابت نهال:
_لا شيء.
ثم أردفت بامتعاض:
_هل تلك الفتاة هنا؟
اتسعت عينا مَوَدَّة بحذر وهي ترد:
_رهف؟ لا، لقد تزوجت بالأمس فقط.
اومأت نهال رأسها بلا اكتراث، ثم قالت:
_أخبرتني تغريد بالحمل، مُبارك.
اتسعت ابتسامة مَوَدَّة وهي تجلس بالقرب منها قائلة:
_بارك الله بكِ خالتي، أتمنى أن يرزقنا الله بفتاة تلك المرة، عَمَّار أيضاً يتمنى ذلك، لكن إياد يغضب بشدة عندما نُعبِّر عن أُمنيتنا تلك، يتمنى صبي و….
بترت مَوَدَّة عبارتها عندما سمعت صوت دوران مُفتاح عَمَّار في الباب فوقفت زافرة براحة:
_ها هو عَمَّار قد وصل!
اتجهت إلى زوجها الذي اختطفها بأحضانه ما إن رآها فهمست في أُذُنه:
_خالتي هنا عَمَّار.
اكتنفه قلق شديد وهو يترك زوجته ويتجه إلى غرفة الاستقبال صائحاً:
_مرحباً أمي!
وترحيبها جاء في هيئة استنكار:
_هل لازلت تتذكر أنني أمك بالفعل عَمَّار؟
ورده هو جاء صادقاً:
_وهل ينسى المرء أهله يا أمي؟
هنا هبَّت هي من مِقعدها صارخة بعد أن فقدت كل برودها بسببه:
_لقد نسيت أبيك عَمَّار، لقد نسيته وساعدت في الوضع المُخزي الذي يتعرض له الآن، لا أفهم كيف تتحمل مُشاهدته في السجن بين المُجرمين واللصوص والقتلة؟
وقف هو مُحدِّقاً بها بصلابة:
_ماذا تتوقعين أن أفعل أمي؟! ليس بإمكاني إنقاذه، ما يعيشه الآن هو العدل الذي يستحقه كل من يظلم الآخرين إلى حد ارتكاب الجرائم.
صرخت بوجهه والغضب يتراقص بعينيها:
_عَمَّار!
ابتسم ساخراً وهو يرد:
_ما بكِ أمي، الجميع يعلم كل ما ارتكب، وأنتِ تعلمين ذلك ولا أجد منكِ أي اعتراضاً على أفعاله طالما ظلت في طي الكتمان، مُشكلتك الوحيدة أنه كُشِف، وهذا هو حقاً ما لا أفهمه!
حدَّقت به بِغِل شديد ثم هتفت:
_أيعني هذا أنك لن تُساعد أبيك؟
ضَيَّق عينيه بِدهشة ثم قال باستهجان واضح:
_أتعتقدين أن هناك ما يمكن أن يساعده الآن؟ الوثائق المُقدَّمَة ضِدُّه لن يستطيع إنكارها، هم حتى ليسوا بحاجة لاعترافه كي يستطيعوا إدانته.
ثم اقترب منها أكثر مُتحدِثاً بهدوء:
_ما سيُفيده حقاً الآن هو أن يدرك أخطاءه التي اقترفها على مر السنوات، وإن كان هناك مَظالِم يستطيع ردَّها فليُسرِع إذن، وليعِنه الله على الباقي!
ضغطت نهال أسنانه بغيظ شديد ثم اتجهت إلى الخارج فهتف بها:
_أمي!
توقفت مكانها بدون أن تلتفت إليه فتابع بحنان:
_أنتِ لازلتِ أمي، بيتي هذا هو بيتك ومُرحَب بك به بأي وقت، وسأنتظرك أثناء ولادة طفلي القادم مثلما كنتِ حاضرة أثناء ولادة إياد.
وأيضاً بدون أن تلتفت صاحت ببرود:
_أنت اخترت عَمَّار، وطالما تضم تلك اللقيطة، أنا لن آتِ إلى هنا مُطلقاً.
وبدون كلمة إضافية فتحت الباب وانصرفت، حدَّق عَمَّار في إثرها بحزن حتى شعر بيد حبيبته تُربِّت على كتفه قائلة بخفوت:
_عَمَّار! أريد تيناً شوكِياً!
انمحت نظرة الحزن من عينيه لتحتل الابتسامة وجهه وهو يستدير مُحتضِناً إياها:
_يبدو أن ابنتنا ستحصل على شامة بشِعة إذن! من أين أحضر لكِ تيناً شوكِياً بهذا الوقت؟!
**********
تعثرت في خطواتها إلى مدخل البيت وهي تتمسك بهاتفها لتحدق في الصور التي التقطها لهما سوياً..
وبعقلها أخذت تقارن بين زيارتها لنفس المكان مع أخيها منذ فترة قصيرة، وزيارتها مع زوجها اليوم..
مرتين فقط ذهبت إلى مدينة الألعاب لتتأكد اليوم أنها لم تحب المكان بقدر ما أحبت الصُحبة؛
لقد شعرت أنه وضع نفسه بمقام الأب المفقود؛
لم يسمح لها برفض ركوب أية لعبة، لم يسمح لها بإظهار خوفاً قصدت به تدللاً عليه، وكما أخبرها يوماً أنها ستفعل.. ضحكت حتى اختنقت سُعالاً!
والمقارنة بين صحبة عَمَّار وساري كانت عادلة؛
فالسعادة وعدها بها عَمَّار فنفذ.. وكذلك فعل ساري؛
والانطلاق وعدها به عَمَّار فنفذ.. وكذلك فعل ساري؛
والتعويض وعدها به عَمَّار فنفذ.. وكذلك فعل ساري؛
صحيح أن الأخير تفوق ببعض المغازلات الجريئة التي ظهر تأثيرها في صورهما واضحاً، لكنها اليوم أدركت أنها قد حُرِمت عمرها بأكمله من الأب، لتجد بدلاً منه اثنين!
“انتظري رهف!”
ناداها بخفوت قبل أن تدق باب شقة والدته بعد أن صف سيارته ولحق بها، فالتفتت إليه بنظرة مستغربة، ليتابع بنفس الهمس:
_سنُلقي التحية سريعاً لكننا لن ندخل.
ضاقت عيناها بدهشة وهي تسأله:
_لماذا؟
مط شفتيه بضيق قائلاً بتعب واضح وهو يشير إلى العلبة الصغيرة التي يحملها بيده:
_لأنني أشعر بالإرهاق وأريد النوم رهف، والمثلجات ستذوب أيضاً، غداً بإمكاننا تناول الغداء جميعاً إن أردتِ.
بان الاعتراض على ملامحها وهي تقول برجاء:
_لكنني أريد معرفة تفاصيل مشكلة والدتك مع حمزة، لم أفهم من رسالة سما شيئاً!
تَلَمَّس وجنتها بحنان هامساً:
_سأخبرك أنا فيما بعد، لكنني مُتعب الآن حقاً وأريد تناول المثلجات ثم الخلود للراحة.
احتل الحماس عينيها، وابتسمت هامسة وهي تتشبث بكفه:
_كما تشاء حبيبي، هيا …
وبترت عبارتها لتلتفت إلى الخلف معه، حينما صدحت العبارة الساخرة:
“الطالب المجتهد؟! كيف حالك؟!”
وبنظرة جامدة رمق سما المبتسمة التي وصلت لتوها، قبل أن يقول بصوت واضح:
_لقد طلبت منكِ أن نصعد، كنت أشعر أن هناك ما يحثني على الانصراف من هنا، سبحان الله!
ولم تُعلق على رده وعيناها تتعلقان بالدمية التي تحملها رهف بإحدى يديها قبل أن تسألها:
_من أهداكِ هدية زواج مثل هذه؟!
ازدردت رهف لعابها وقالت بحرج:
_لم يهدني أحد إياها، أعني.. أن ساري فاز بها بمدينة الألعاب لأجلي.
فغرت سما فاهها بذهول وهي تنقل نظراتها بينهما قائلة:
_هل.. كنتما في مدينة الألعاب بصبيحة زواجكما؟!!
أومأت رهف برأسها إيجاباً بينما سألها ساري بسخرية:
_نحن نحب المرح بطريقة مختلفة، ما هو وجه اعتراض سيادتك آنسة سما؟
ابتسمت سما باستفزاز قائلة:
_لا أعترض على شيء، إنما أرجو أن تكون قد شاهدت فقرة مسرح العرائس التي فاتتك لدينا بالمكتب!
ضحكت رهف وهي تنقل نظراتها بينهما ثم طرقت سما على الباب لتفتح سارة التي بدى عليها الحُزن الشديد!

أحاط ساري شقيقته بحنان وهو يسألها بقلق:
_ماذا بكِ حبيبتي؟ لماذا هذا العبوس؟
أطرقت سارة رأسها أرضاً قائلة بخفوت:
_منزعجة للغاية، أمي معترضة على حمزة بشدة ولا تتقبل حتى حضوره…
“ويجب أن يكون هذا هو رأي الجميع أيضاً.”
التفت الأربعة إلى السيدة سوسن التي دخلت إلى غرفة سارة والحنق يصرخ بملامحها، ليمسك ساري بخيط الحديث متسائلاً بهدوء:
_ماذا هناك أمي؟ ما وجه اعتراضك على الدكتور حمزة؟
اتسعت عينا والدته بدهشة ثم هتفت باعتراض:
_أتسألني حقاً؟
وتابعت بلا انتظار إجابة:
_لقد سبق له الزواج يا ساري، بينما أختك لم تفعل، لِمَ نوافق عليه حينما رفضت هي الأفضل منه عدة مرات؟
تبادل ساري النظرات القلِقة مع رهف ثم وقف مواجهاً أمه بهدوء:
_أولاً : أنا لا أرى أن زواجه السابق يُدينه بأي شكل، من الوارد جداً ألا يُوَفّق المرء في إحدى التجارب، هل نحكم عليه بالوحدة إلى الأبد؟! أو هل نجبره على تحديد اختياراته فيمن يريدها؟!
وقبل أن ترد رَفع كفها إليه ليقبله، ثم قال بتهكم:
_ثانياً: انظري ممن كان متزوجاً!
وأردف بامتعاض:
_يا أمي! شخص قام بتطليق امرأة مثلها يجب أن نرفع له القُبعة تحيةً، لا نلومه ونعاقبه! أنا شخصياً أغبطه على احتماله! الرجل بالفعل يستحق حفل تكريم مع استلام دِرع الصبر من الدرجة الأولى!
اندفعت سما التي تراقب في صمت هاتفة:
_أقسم أنك مُحق في هذا!
ثم أضافت:
_يا خالة، لقد علمت أهوالاً عنها، مكائد وضغائن ومؤامرات وكأنها كانت تعمل لصالح رؤساء “المافيا”، لا يجب أن يُعاقب دكتور حمزة، بل يجب أن يجد سعادته أخيراً، وسعادته مع ابنتك.
وتدخلت رهف قائلة بحنان:
_صدقيني حمزة شخص مهذب جداً، وأهله ذوي أصل وكرم، ستلاقي سارة منهم معاملة طيبة للغاية.
بان التأثر على وجه سوسن فخاطبها ساري بِجِدية:
_لقد سألت عنه جيداً، ثِقي بي أمي! ما علمته عنه يُشرِّف أي أسرة يقوم بمصاهرتها.
وهمس لها في أذنها:
_ثالثاً: سارة تميل إليه، وأنا لا أريد لها الألم، ولا أنتِ أيضاً تفعلي.
ووضع يديه على كتفيها مُطالباً بِرِفق:
_امنحيه فرصة أمي، ربما.. يكن لكِ تعويضاً أيضاً.
تغضن وجهها بألم فحمحم هو مازحاً بسرعة:
_رابعاً: المُثلجات ذابت تماماً وأنا أكاد أنصهر مثلها!
انعقد حاجباها بدهشة وهي تسأله:
_ هل ستتناول المثلجات على العشاء؟!
وهتفت سما بتهكم:
_أهو طقس اخترعته أنت يجب أن يعقب ركوب الألعاب؟!
ابتسم مُختلساً النظر إلى رهف التي توردت وجنتاها وهي تشيح ببصرها بعيداً، لكن والدته قالت بسرعة:
_اصعد أنت ورهف إلى شقتكما وأنا سأرسل لكما طعاماً سينال إعجابكما.
لكنه قَبَّل كفها ثانية قائلاً بِتعب واضح:
_لا أريد سوى المثلجات أمي، إلى اللقاء!
وانتقل بنظراته إلى رهف قائلاً بجدية زائفة.. غامزاً:
_هيا رهف.. ستنصهر المثلجات!
*******

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية دوبلير الفصل الثالث عشر 13 بقلم فاطمة علي - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top