رواية حنين طفلة مكسورة الفصل العاشر 10 بقلم سعاد
رواية حنين طفلة مكسورة الجزء العاشر
رواية حنين طفلة مكسورة البارت العاشر

رواية حنين طفلة مكسورة الحلقة العاشرة
……✍️نزلا من السيارة، تقدّمت ديلان لتأخذ أكياس الهدايا، التفتت إلى باران الذي كان يقف بجانبها بلا حراك وقالت بنبرة حازمة:
— ألا ستساعدني؟
أجاب بحدّة :
— يا سيدة، هذه الأمور لا تعنيني، أنا أدوس عليها أصلًا.
نظرت إليه باستغراب، فلاحظ نظرتها وتراجع بسرعة وقال:
— أمزح… ما بكِ؟
قطّبت جبينها وقالت بصدقٍ جارح:
— لا أعلم، لكنك تبدو كأن لديك شخصيتين… وجهين لا يشبه أحدهما الآخر.
توتر باران، وتهرّب بنظره وهو يقول:
— هيا، لنذهب.
حمل معها الهدايا ودخلا الميتم.
كان الأطفال جالسين في زاوية القاعة، عيونهم متسعة، صامتون كأن الخوف أصبح لغتهم الأولى.
ابتسمت ديلان وقالت بلطف:
— مرحبًا يا أطفال…
لم يجب أحد.
اقتربت خطوة وقالت بصوتٍ أكثر دفئًا:
— تعالوا، لا تخافوا… لن أؤذيكم.
في تلك اللحظة، ظهر شاب قوي البنية، وسيم الملامح، وقال بابتسامة رسمية:
— مرحبًا آنسة، أنا شريف… مدير الميتم.
مدّ يده، لكنها لم تصافحه. نظرت إليه بحدّة وقالت:
— ما الذي يحدث لهؤلاء الأطفال؟ لماذا الخوف في عيونهم؟
تنهد وقال بصراحة:
— بدأت عملي اليوم فقط… يبدو أنهم تعرّضوا للقسوة سابقًا، لذلك يخافون.
ثم انحنى نحو الأطفال وقال بلطف:
— تعالوا، لا تخافوا… لن يحدث شيء.
كأن الكلمات كسرت قيدًا غير مرئي، أسرع الأطفال نحو ديلان، أحاطوها، عانقوها.
وكانت الطفلة التي أنقذتها هناك، ركضت نحوها بعينين تلمعان.
ابتسمت ديلان وقالت:
— ألم أقل إنني سأعود؟ ها أنا هنا… وهذه هديتك.
بدأت توزّع الهدايا، الضحكات الصغيرة تملأ المكان، ثم قالت بحماس:
— هيا، لنلعب!
كان باران يقف جانبًا، يراقب المشهد بصمت.
لم تكن ديلان شجاعة فقط… كانت حنونة، دافئة، تحمل في قوتها جرحًا عميقًا، جرحًا فهمه دون أن يعرف سببه.
اقترب طفل صغير من باران وقال ببراءة:
— يا عم… تعال العب معنا.
ردّ ببرود:
— لا، لن ألعب.
انكسرت ابتسامة الطفل، فعاد إلى ديلان وقال:
— هو لا يريد اللعب.
تدخّل شريف ضاحكًا:
— تعالوا، سألعب أنا معكم.
واندمج مع الأطفال.
لكن باران كان يراقب بغيظ، وما إن لاحظ قرب شريف من ديلان حتى اجتاحه غضب غير مفهوم.
تمتم بغضب:
— ما شأني أنا؟ عد إلى صوابك… ماذا تفعل هنا أصلًا؟
خرج مسرعًا، ركب سيارته، وانتظر.
بعد أن أنهت ديلان اللعب، ودّعت الأطفال وخرجت. وجدته ينتظرها. ركبت السيارة وقالت ببرود:
— لماذا خرجت؟
— لا عمل لي مع الأطفال.
— يبدو أنك قاسٍ.
— من لم يعش شيئًا… لا يعطيه، بل يأخذه من الناس ليجعلهم يعيشون ألمه.
تجمّدت ديلان.
عادت إلى ذاكرتها كلمات الوحش يومًا:
«لم ينقذني أحد… لم يحتفل أحد بعيد ميلادي… لم يتذكرني أحد.»
نظرت إليه بغضب وقالت:
— عديم الشرف فقط من يبرر أفعاله بألمه، ويستغل الأطفال ليشفي غليله!
فتحت الباب ونزلت.
ضرب باران المقود بغضب، ثم قاد السيارة حتى لحق بها وقال:
— هيا، اركبي… سأوصلك.
— لا أريد.
— لم أسألك.
— ما شأنك؟ دخلت حياتي اليوم، والآن تريد التحكم بي؟
اقتربت منه وقالت بحدة:
— من أنت؟ وماذا تخطط؟ باران كارابي… أم أن هذا ليس اسمك أصلًا؟
ارتبك، توتر صوته:
— ماذا تقولين؟ جننتِ؟
— لا، لم أجنّ. إن لم أكشفك اليوم… فغدًا.
تنفس بعمق وقال:
— اركبي الآن… ويمكنك التحقيق لاحقًا.
ركبت بصمت، غارقة في التفكير.
قال فجأة:
— حالة الأطفال لا تطمئن….ولا أعلم لماذا
— نعم….و شريف… لا يبدو كما يظهر.
نظرت إليه بدهشة:
— كيف عرفت؟
— لا أعلم… إحساس فقط.
وصلت إلى البيت، طلبت منه التوقف ونزلت.
دخلت لتجد ناريمان جالسة بقلق، وما إن رأتها حتى اندفعت نحوها تعانقها:
— ديلان! أين كنتِ طوال اليوم؟
— حدثت أشياء كثيرة… آسفة لتأخري.
— على الأقل كان عليك الرد على الهاتف.
— آسفة خالتي… حقًا لم أنتبه.
جلست ناريمان قرب ديلان، قربٌ يشبه الحضن قبل أن يكون جلوسًا. نظرت إليها طويلًا، نظرة أمّ تعرف أن خلف الصمت عاصفة، ثم قالت بهدوءٍ حذر:
– أجل يا ديلان… أخبريني، ماذا حدث؟
تنفست ديلان بعمق، وكأنها تفتح بابًا ثقيلاً في صدرها، وبدأت تسرد… عن الطفلة، عن الصراخ، عن الضرب، عن باران الذي ظهر فجأة كقدرٍ مباغت، عن الميتم، وعن شريف الذي لم تطمئن له منذ اللحظة الأولى.
كانت ناريمان تستمع دون مقاطعة، ملامحها تزداد قلقًا مع كل كلمة، حتى قالت أخيرًا بصوتٍ مشوب بالخوف:
– ابنتي… أنتِ تدخلين نفسكِ في متاهات خطيرة. هذا الطريق مليء بالأشواك، احذري، أرجوكِ.
رفعت ديلان رأسها، وعيناها تلمعان بعناد لا يعرف التراجع:
– هذا ليس ما يقلقني يا خالتي. هناك شيء غريب… شيء لا يستقيم.
– ماذا تقصدين؟
– باران… وشريف. كلاهما لا يشبهان ما يظهران عليه. أشعر أن وراء الهدوء أقنعة، ووراء الكلمات نوايا مظلمة. يجب أن نتحرّى عنهما… ولنبدأ بشريف. أريد أن أعرف: هل هو حقًا ملاك الميتم؟ أم ذئبٌ آخر يرتدي ثوب الرحمة؟
صمتت ناريمان لحظة، ثم أومأت بإدراك ثقيل:
– حسنًا يا ابنتي… سأهتم بالأمر.
مدّت يدها إلى الهاتف، واتصلت بأحد معارفها الموثوقين، صوتها كان منخفضًا، حازمًا، طلبت منه التحري عن شريف، عن ماضيه، عن كل خطوة مشى فيها، ثم أغلقت الهاتف وكأنها أغلقت بابًا على سرٍّ خطير.
التفتت إلى الخدم وطلبت بهدوء: – أحضروا لنا الشاي.
جلسَتا تشربان الشاي، لكن دفء الكوب لم ينجح في إذابة برودة القلق. تبادلتا الحديث، كلمات متقطعة، أفكار معلّقة، ثم قالت ناريمان بنبرة متعبة:
– الشرطة ألقت القبض على الكثير من الرجال… لكن الوجوه الكبيرة ما زالت في الظل. لا أحد يعرفهم.
ابتسمت ديلان ابتسامة باهتة، وقالت بصوتٍ يعرف الحقيقة جيدًا: – لأنهم لا يُظهرون وجوههم أبدًا… الوحوش الحقيقية لا تحب الضوء.
▰▰▰في الجانب الآخر، بعيدًا عن دفء الشاي وصدق القلق، كان الظلام يبتسم.
جلس ذاك الوحش في وكره، قناع أسود يخفي ملامحه، لكنه لا يخفي قسوته. كان رجاله يحيطون به، ينتظرون كلمة، إشارة، إذنًا بالفوضى.
قال أحدهم: – سيدي… ماذا نفعل؟ تلك المرأة…
رفع رأسه ببطء، ونظر إليه نظرة حادة كالسيف: – تلك المرأة… ليست كما تبدو.
ساد الصمت، ثم أكمل بصوتٍ منخفض، لكنه ثقيل: – لا نريد لفت الأنظار الآن. لا أحد يتحرك. لا أحد يتصرف من تلقاء نفسه. سأتعامل مع الأمر بنفسي.
تبادل الرجال النظرات، قبل أن يقول: – ومن هذه اللحظة… لا تأتوا إلى هذا المكان. وإن رأيتموني في الطريق، لا تعرفوني. لا تنظروا إليّ. هل فهمتم؟
– حاضر… أيها القائد.
خرجوا واحدًا تلو الآخر، تاركين خلفهم صمتًا كثيفًا، صمتًا مليئًا بالأفكار والشكوك.
بقي وحده… يفكر.
في المرأة التي هزّت توازنه. في النظرة التي لم تخَف. في القوة التي لم يكن مستعدًا لها.
ولم يكن يعلم… أن خيوط المصير بدأت تلتفّ حول عنقه ببطء، وأن تلك المرأة… ليست مجرد عابرة طريق، بل بداية
يتبع….
لقراءة الفصل التالي : اضغط هنا
لقراءة الرواية كاملة اضغط على : (رواية حنين طفلة مكسورة