رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل الثاني 2 بقلم رؤي صباح مهدي – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

رواية مولاي سمعا وطاعة الفصل الثاني 2 بقلم رؤي صباح مهدي

الفصل 2
مؤامرة الشقيقان
قبل 6 اشهر…
هو لم ير في حياته فتاة بذلك الجمال. الانف الدقيق والبشرة الناعمة والخدود الوردية … لايمكن ان يكون هنالك جمال يضاهي جمالها.. صوتها الناعم لم يصرخ يوما ويدها الحريرية لم تعمل ابدا ولم تذق تلك الشفتين المكتنزتين هذا الخبز المتيبس الذي يحمله في كيسه الأصفر والذي يضطر في بعض الأحيان ليبلله بالماء كي يستطيع اكله. كيف يمكن ان يحقد عليها كما يفعل فرانسوا وجونثان. كيف يمكن ان يتمنى قتلها, مجرد التفكير بالامر يحطمه تماما…
ثم شاهدها وهي تتقدم ناحية العربة التي تحمل متاع العائلة الملكية لتذهب معهم في نزهة صغيرة رتبتها الملكة مع بعض النبيلات اللاتي لا يرفضن للعائلة الملكية طلب. كانت جوزفين اخر من ركب في العربة والسائس الطويل ينظر لها وهو يطعم الحصان الذي سيجر العربة التي ركبتها… لم تلاحظه قبلا.. لم تعرف حتى انه موجود.. كان رجلا كأي رجل يخدم الملك لا يعنيها فقذارته وشعره المنفوش ولحيته المشعثة التي تغطي وجهه كفيلين بانفارها منه فاين رائحة الورد التي لا تفارق رسغها وتنتشر كلما زادت حرارة جلدها من رائحة روث الخيل التي تملؤه من راسه الى اخمص قدمه.
ولكن بعد ذلك اليوم هذه الحسناء لن تخرِج من رأسها صاحب العود الفارع واليد القوية. ذلك اليوم كان انقلاب في حياته وحياتها واصبحت الاميرة الصغيرة جوزفين مولعه بالسائس الشاب وباخباره.
بينما الان فقد انطلقت العربة الخشبية المرصعه بالنقوشات المذهبة الفاخرة بسرعه تدريجية مباشرة بعدما صاح قائد الفريق المشرف على حراسة الموكب الملكي:
“لنذهب”
فانطلق الجميع ومقلتي السائس الشاب معلقة بطرف ثوب جوزفين الذي خرج قليلا من باب العربة الصغير المغلق.
سمع صوتا خشنا يلعن ويصرخ على كل من يقابلهم وعرفه على الفور. انه كبير الخدم الذي لاحظ نسيان صندوق كبير :
“لقد اخبرتكم ان لا تتركوا شيئا خلفكم.. تبا لكم من حثالة لا تقدر على إتمام مهامها”
ابتلع السائس ريقه وقرر القيام بامر قد يندم عليه… سار باتجاه كبير الخدم وهتف بثقة:
“سيدي لو سمحت لي ان اخذ الصندوق خلف العربات اوصله لهم حيث الرحلة “
نظر له كبير الخدم باشمئزاز فمنظره القذر لا يبشر بالخير. هتف السائس:
“سيدي اعدك اني ساصل قبلهم فانا اعرف تماما اين سيذهبون”
عقف كبير الخدم حاجبيه وسأله:
“وكيف عرفت أيها السائس؟”
تراجع السائس للوراء قليلا وشعر انه اعطى معلومة ما كان عليه اعطاؤها… والان عليه ان يجيب. اخفض بصره وأجاب :
“بطريق الصدفة… سمعت سائقي العربة الملكية بالصدفة اقسم لك”
قسما بعيد كل البعد عن الصدق… فان مهمته في هذا القصر هي ان يعرف ما يقدر على معرفته مما يجري خلف اسواره العالية التي لا يدخلها سوى من يحمل لقبا نبيلا او يعمل بتوصية من احد النبلاء وبالتاكيد بعد ان يتم التحقق من خلفيته جيدا جدا لئلا يكون في نيته المساس بالملك … اقتنع كبير الخدم بما قاله السائس الشاب فلا وقت الان للجدال الاولوية تكون لاتمام المهمة.. قال له:
“لا بأس فلا وقت لدي للمشاكل فما في جعبتي يكفيني… خذ الصندوق وارحل بسرعه وحاذر من ان تفقده”
وشدد بسبابته على التحذير الأخير فامتثل له السائس بانحناءة بسيطة ثم نظر الى الصندوق الكبير وقال:
“ساحضر حصانا سريعا “
وغادر راكضا بينما بقي الصندوق ينتظر مع خادم صغير بالسن. بعد ان احضر الحصان انطلق بالصندوق للمحطة الأولى التي ستتوقف فيها النساء. كان تقدمه في البداية سريعا ولكن ثقل الصندوق سبب تباطئا مما أدى الى تأخر وصول السائس الشاب بالصندوق…
شعرت جوزفين بالاختناق بسبب الملل.. فها هم قد وصلوا الى موقع النزهة وجلست النساء كعادتهن كما يجلسن داخل حوائط القصر. سيدات المجتمع الارستقراطيات بحليهن الغالية وثيابهن المبالغ بتصميمها من افخر الاقمشة التي تستورد من بلاد الحرير وتخيط بامهر الايادي في المملكة وتزين بماس افريقيا … بشعرهن الممشط بعناية وبعضهن حتى يضعن الباروكات المبالغ فيها جدا كي يجذبن النظر ويعلن عن مقدار ارتفاع نسبهن وكثرة اموالهن… والكثير الكثير من المكياج حتى بعضهن بدت وجوههن كوجوه المهرجين بسبب تراكم طبقات المبيض الواضح اختلافه عن لون بشرتهن واحمر الشفاه الأحمر وظلال العين الذي بدأ يخطط بشكل غير جذاب… ليس لهن بالطبع بل لاي شخص لا يحب كل هذه البهرجة كالاميرتين ميري وجوزفين اللتين لازالتا تختاران ملابس بتصاميم رغم بواهض اثمانها احتفظت ببساطتها بالكورسيه الذي يلصقها بالجسد ويبرز الصدر وتنورتها الواسعه ذات الطبقات وخيوط تشبك الثوب باحكام كي لا يسقط…
قطبت جوزفين حاجبها وهي تنظر الى ما خلف الشجيرات التي تحيط بمجلسهن ثم تمتمت باذن ميري:
“حسبت انها نزهة كي تروح امي عن نفسها.. حتى لو بقينا في القصر ماشعرنا بمثل هذا الملل”
تبسمت ميري وقالت هامسة:
“هل اعتقدت اننا سنركب الخيل او نلوح بالقوس يا جوزفين؟ بالطبع فهذا ما يجب ان تفعله النساء باي حال… يلبسن افخر ما لديهن ويتباهين امام بعضهن البعض حتى تنتهي الجلسة يحاولن باي شكل من الاشكال ان ينخرطن بالحديث كي لا يتم استبعادهن من الرحلة القادمة”
هزت جوزفين راسها موافقة على كلام اختها فهذا هو ما يحصل دائما…. ولكن هذه المرة هي تشعر بملل لا تستطيع العيش معه… لذا ستتسلل من هذه الجلسة عديمة الفائدة وتتجول قليلا هنا وهناك ليس بعيدا جدا فقط بعيدا عن هذه الجلسة المملة. نهضت من مكانها فسالتها ميري :
“اين ستذهبين ابتها المشاغبة؟”
ردت جوزفين باقتضاب:
“سأرى ما يوجد في الاجواء… لن اتاخر”
لم تستطع ميري الاعتراض فقد انسلت جوزفين بخفة بعيدا عنهم..
كان المكان متشبعا باللون الأخضر. أشجار في أشجار ورائحة الطين تملء الغابة. جميل جدا ماتراه رغم ان القصر وحديقته الانيقة لا يضاهي جمالها أي حديقة أخرى الا ان الطبيعة شي اخر وسحرها يسلب اللب..
بعد قليل من المسير وجدت نفسها امام بحيرة جميلة . كانت اشعه الشمس تتراقص على سطح المياه الزرقاء فكأنها الذهب الخالص يعمي البصر لشدة لمعانه. همهمت وابتسامه شقية على مبسمها:
“لن افوت هذه الفرصة…”
في تلك اللحظة الحاسمة التي قررت فيها جوزفين ان مياة هذه البحيرة الدافئة جميل جدا لا يمكن لاي انسان على وجه المدورة ان يمر من امامه ولا يجرب ملمسه على جسده… كان السائس الشاب قد وصل الى حيث البحيرة الذهبية… نفس اللمعان سلب لبه.. واما حصانه فقد كان عطشا لذا لم يقاوم الحصان الذي أراد الشرب…
من مسافة غير بعيدة لمح الاميرة الجميلة… وسط كل ذلك اللمعان كانت هي الأخرى تلمع.. بشعرها الذهبي الاقرب الى الثلجي وبشرتها البيضاء التي تعكس جمال المكان … ربط الحصان وقرر ان يراقبها قليلا بلا ان تعي للامر ليشبع عينيه منها قبل ان يسلم الصندوق ويعود ادراجه…
شاهدها وهي مبهورة بجمال المكان… وشاهدها وهي تقدم على سحب خيوط ثوبها ليفتح ويصبح سهلا ازالته من على جسدها فتسحبه بهدوء.. ابتلع ريقه بصعوبة وهو يطالع الثوب الأبيض الرقيق الذي يطير مع الريح والذي كانت تلبسه بمثابة الملابس الداخلية لها… كان يكشف عن كثير من تفاصيل جسدها الصغيرة الناعمة ولم تهتم للامر… باعتقادها ان لا احد يشاهدها وهي لا تعلم ان عيناً كهرمانية برموش طويلة سوداء تراقبها بشغف. اقتربت من الماء مترددة بعد ان فكرت قليلا… قد لاتكون هذه فكرة جيدة… هذه البحيرة كبيرة وقد يكون قاعها عميقا جدا فلا تصل قدمها اليها… او …. قد تكون كبحيرات حديقة القصر الاصطناعيات تبدو عميقة ثم ماتلبث القدم ان تصل الى قاعها بكل سهولة.. ثم اغراها ذلك اللمعان والدفئ فقفزت بدون أي أفكار ثانية .. وبلا تردد .. وهي تعلم جيدا انها لا تعرف السباحة!
بادئ الامر لم تواجه جوزفين أي صعوبة في البقاء في الماء بيد ان كل شيء تغير بعد ان ابتعدت جوزفين قليلا عن الشاطئ.. كان المياه اعمق ففقدت السيطرة وبدأت سعادتها تتغير بسرعه الى هلع شديد وهي تلوح بيدها بعشوائية محاولة ان تبقى فوق الماء او ان ترجع للمياه الضحلة ولكن قوة المياه التي تتحرك بفعل تقلبها فيها كانت تجبرها على الابتعاد. هرع السائس من مخبئه وهو يسمع صرخات استنجادها الغارقة بالمياه قفز قلبه قبله اليها وبلا أي تردد خلع قميصه على الشاطئ واتحد مع المياه سابحا حتى وصل اليها وسحبها من الخلف حتى اخرجها تماما من الماء…
في ذلك الوقت كان الحراس والنبيلات قد سمعوا بدورهم صراخ جوزفين العالي وهرع بعضهم الى مكان الصراخ ومن بينهم ميري اختها التي جاءت راكضة وقلبها يخفق لتراها بين أحضان السائس عارية الجسد مغطاة بالرمل وهو يحاول اخراج المياة من رئتيها بسرعه.. بالضغط على صدرها بخفة… سحب قميصه القريب ووضعه عليها ليحميها من عيون كل من بدأ بالاقتراب من المكان .
أخيرا فتحت جوزفين عينيها لتراه امامها. منقذها عاري الصدر يقطر الماء من شعره الطويل ولحيته المشعثة… تبسمت له ولكن ابتسامتها لم تدم فقد سحبه الحراس من امامها وقفزت والدتها او كما تناديها بـ -الملكة- التي وصلت أخيرا الى مكان الحادث واحتضنتها وهي تبكي:
“لماذا يا صغيرتي لماذا؟”
لم تقو جوزفين على الإجابة بل ظلت ساهمة مأخوذة بما حصل لها..
عندما علم جونثان بما فعله السائس لاحقا صرخ فيه وهو ينظر له شزرا:
“انقذتها يا ابراهام ؟؟؟ لماذا لم تدعها للموت؟”
لعق ابراهام شفتيه وأجاب بلا أي ندم:
“انا وافقت على الاشتراك فقط بسبب المال يا جونثان ولا تعتقد ان لدي أي اهتمام بانتقامك… اهتمامي الوحيد هو الخبز والحطب والمحافظة على سقف هذا البيت “
كان فرانسوا الاخ الاكبر لابراهام واقفا بابتسامة استهزاء على شفتيه وهو ينظر لاخيه منفعلا بشأن الحفاظ على أمور هو يعتبرها لا تستحق الاحتفاظ بها.. همهم مستهزءا:
“هذا البيت؟ تتكلم عنه كانك تتحدث عن القصر الصيفي لويليام؟”
طالعه ابراهام وأجاب مشددا:
“في هذا البيت تعيش والدتنا.. ام انك نسيت؟ “
ثم همهم نادما:
“لقد اقنعتني يا فرانسوا بالاشتراك بهذه المؤامرة الخطيرة جعلتني اطيل لحيتي واترك شعري يطول طلبت مني ان اضع السخام على وجهي وان اراقب… وفعلت المثل فبدونا كشخص واحد… لا احد يشك بالامر ولم ندع احدا يشك في امرنا.. ووعدتني -اذا فعلت ما يطلبه جونثان مني- بالمال… فوافقت لاني لم يكن لدي خيار اخر اما الان فانا أرى ان موافقتي كانت غباء مني فاذا اكتشف الملك ما نخطط له… سيحرقنا احياء ومعنا امي… هل تريد ان يصبح مصيرنا كمصير ابي”
عقف فرانسوا حاجبيه في غضب فكلما أشار ابراهام الى والدهما يشتد غضبه ويصرخ:
“ابي كان بطلا… وويليام قتله بلا رحمة ونعته بالخائن… انا اقاتل لاسترداد شرف العائلة.. شرف ابي الذي ضاع بسبب هذا المنتحل ويليام .. ويجب عليك ان تساعدنا في مسعانا لا ان تقف ضدنا”
رفع ابراهام حاجبيه بينما يتابع جونثان المحاورة بينهما ورد ابراهام بحدة مدافعا عن موقفه بينما يقترب من أخيه بانتظام:
“انا لست مع احد… ولست ضد احد… انا رجل عادي اريد فقط ان اعيش فاتركاني لاعيش “
ثم استدار ناحية جونثان الذي كان لايزال يتابع المناقشة الحادة بينهما وتحدي النظرات الذي تصاعد بينهما كأنهما ينظران في مراة من شدة التشابه بينهما بالذات وهما يتماثلان في مواصفاتهما كلها لاجل إتمام تلك المؤامرة التي يعدها جونثان مع نخبه ممن اقسموا على الولاء له.. تابع ابراهام وهو يحملق في جونثان والأخير يحملق به:
“لن أكون تابعك الصغير يا جونثان.. ولن اقتل أحدا لاجلك. لقد تصالحت مع نفسي منذ زمن طويل… وما افعله الان فقط لاني محتاج للمال… محتاج له جدا لاجل امي وفرانسوا لايمد أي يد للعون”
تفرس يه جونثان لهنيهة ثم هز راسه وتبسم بمكر له ولم يتكلم…. ويبدو ان ابراهام انهى حديثه فرمق فرانسوا الواقف بالظل متعصبا بنظرة أخيرة وهم بالخروج من الغرفة ليوقفه سؤال خجول من جونثان:
“كيف كانت الأخرى”
توقف ابراهام مأخوذا بالسؤال فاستفسر:
“ماذا؟”
ابتلع جونثان ريقه وفسر:
“عندما كادت جوزفين ان تغرق كيف كانت اختها ميري”
رد ابراهام وعلى وجهه نظرة استفسار:
“بخير… حزينة ومصدومة ولكن بخير”
اطلق جونثان نفسا ساخنا وترك ابراهام يذهب في حال سبيله بينما بقي فرانسوا ممتعظا من المحادثة التي جرت.. ساله جونثان بتحدي:
“وانت الى أي جانب تحيد”
ليجيب فرانسوا بلا أي تردد:
“انت يا جونثان والى الابد فلا عدالة لمدينتنا بدونك. انت الملك الشرعي وويليام ليس سوى سارق لعين للتاج.. يجب ان يحاكم على جرائمه وتطرد عائلته الى الشارع يعيشوا كما نعيش ويذوقوا طعم الألم والمعاناة جميعهم”
ربت جونثان على كتف فرانسوا وهمهم:
“كل شي خططنا له سيحصل وستتحقق العداله للجميع صدقني يا فرانسوا”

الان
في منزل في الاحياء الجنوبية من المملكة اوقدت سيدة عجوز شيباء الشعر موقدا فحميا قديما فامتلئ وجهها بالدخان والسخام وهي تنفخ في النار كي تشتعل. اطلقت بضع سعلات يابسة وهو تشيح بوجهها قليلا عن الدخان بينما دخل عليها ابنها ابراهام بعد ان شم رائحة الدخان وقال:
“امي .. لماذا لم تنادي علي لاشعله.. الم ينهاك الطبيب عن التعرض المتواصل للدخان؟”
همست وهي لاتزال تعاني من دخول الدخان في عينها وانفها:
“لا اريد عليك اثقالا يا ابراهام”
ابتلع ريقه وهو يراها تعاني بصمت واجاب اخذا منها عدة الاشعال بيد والقدر الاسود بيد اخرى:
“كما ترين يا امي.. ليس لدي عمل بعد ان تركت العمل في القصر”
جلست ماتيلدا والدته على كرسي خشبي مهترأ وسالته:
“الم تسمع منه شيئا منذ ذلك اليوم؟”
كانت تقصد ابنها الاكبر فرانسوا. هز راسه وهو يعمل ورد بعدم مبالاة:
“كلا… منذ اشهر لم يظهر. ولم اسمع عنه او اراه .. على عكس صاحبه”
يقصد جونثان الذي ياتي الى بيتهم احيانا للاختباء, تنهدت وقالت بجزع:
“ساذهب اليوم للكنيسة لاشعل الشموع لكما.. انت لتجد عملا بدل الاعتماد على القروض وفرانسوا كي يحميه الرب من الاذية”
لم يرد ابراهام فهو يعرف اخاه جيدا… يسير وراء جونثان كالاعمى . امسكت ماتيلدا بوعاء فيه بعض الخضار التي اوشكت على التعفن وبدأت تنظفها وتقطعها لتعد الحساء لها ولابنها بينما كان الاثنان محملان بهموم كثيرة لا يشاركانها حتى الان. هذا البيت الذي يسكنانه قديم وايل للسقوط والشتاء على الابواب وعلى ابراهام ان يصلحه ولكن من اين له بالمال. لم يجد عملا منذ ان ترك العمل مع جونثان وفرانسوا لا يعطي لوالدته اي مال لتعيش منه.. معتمد كليا وبشكل اناني على ابراهام ليكرس حياته كلها لها. وهذا امر يفعله ابراهام بطيب خاطر ولكن ماذا ان لم يستطع فعله في يوم ما لسبب او لاخر اليست ماتيلدا ستحتاج الى ابنها الاخر الذي لا يفكر سوى بجونثان؟
بعد ان وضعت ماتيلدا الخضار في القدر قالت لابراهام:
“ماذا ستفعل حيال الضرائب الجديدة على الخشب… هذا الملك لا يشبع”
زفر ابراهام مثقلا ورد:
“لا ادري… قد اذهب الى البدين لاستدين منه”
تفاعلت الام مع كلام ابنها مرعوبة وهتفت:
“لا يا ولدي …. لا تستدين منه مرة اخرى… لقد تراكمت ديونك يعلم الرب كم سيحملك رامون عليها من ارباح… هذا الرجل الجشع البغيض”
ردد ابراهام:
“ليس باليد حيلة يا امي.. فهو الوحيد الذي يقبل اقراض المال لامثالي “
هزت راسها وهي تخبره بقصة سمعتها علها تحيده عن الاستدانة مرة اخرى من رامون البدين:
“اتعلم ذلك الاسكافي المسكين…. لقد اراد ان يعمر الخربة التي يعيش بها مع عائلته ويعمل فيها ايضا. استدان من البدين ووعده بالسداد في غضون شهر بيد ان العمل لم يوفر له كل المبلغ … لقد اخذ البدين احدى بناته مقابل الباقي من المال.. وقال له سيعيدها بعد ان يدفع المتبقي اضافة الى الارباح… الفتاة المسكينة لم تتجاوز ال13 من العمر وهي تعمل اي عمل يطلب منها في حانة البدين… لا قيود ولا مكان لقول كلمة لا”
بحلق فيها ابراهام مشمئزا مما سمع ولم يجبها بل رنا ناحية الشباك وهو يطالع السحب التي تشكلت في السماء… هاهو الشتاء قادم ويجب عليه ان يؤمن الكوخ الذي يسكنون فيه ويصلح كل الشروخ ويستبدل ما تساقط منه من خشب وعليه ان يذهب الى الغابة من اجل الاخشاب قبل ان يبدا المطر بالتزايد فتصبح الاخشاب كلها مبتلة وغير نافعه. لديه الكثير من الالتزامات ناحية والدته كي لا تتجمد من البرد في هذا الشتاء القارص الذي لا يرحم احد. عليه ايضا ان يزيد من ساعات العمل كذلك ليدفع ما تراكم عليه من ديون لرامون اللعين.
قطع عليه تفكيره طرق على الباب فذهب ليفتح وقد كان مبعوث من رامون … قال ابراهام بينه وبين نفسه لاعنا الرجل.. عندما نتحدث عن الشياطين…
هتف الرجل ليخبر ابراهام بالرسالة التي امره رامون بايصاله له:
“ان رامون يريدك في عمل مهم يا ابراهام… يجب ان تاتي الى الحانة حالا”
زفر ابراهام بصوت منزعج وسال الرجل:
“ماذا يريد ذلك البدين؟”
تبسم الرجل بمكر فظهرت اسنانه المسوسة القذرة وأجاب ابراهام:
“لديه عمل لك قد يساعدك في دفع ديونك “
ولم يستبشر ابراهام بل اكفهر وجهه وتغيرت ملامحه لانه يعرف جيدا مخططات رامون الشريرة وبالتاكيد العمل الذي يطلب من ابراهام القيام به سيكون عملا قذرا كعادة اعمال رامون. وضع ابراهام معطفه الرمادي الذي تاكلت اطرافه وتمزق في أماكن شتى .. قال لوالدته:
“امي ساذهب في عمل .. لا ترهقي نفسك ارجوك وارتاحي لحين عودتي”
توقفت الام عن هز كرسيها الخشبي وقالت لابنها:
“عد لي سالما يا ابراهام”

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية صفقة الظهور والاستعادة الفصل الثاني 2 بقلم هاجر نورالدين (الرواية كاملة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top