رواية عشق ودموع الفصل الثالث عشر 13 بقلم سهر أحمد
رواية عشق ودموع الجزء الثالث عشر
رواية عشق ودموع البارت الثالث عشر

رواية عشق ودموع الحلقة الثالثة عشر
الاسم الذي لا يُمحى
في اليوم التالي، لم يُستدعَ آدم… بل استُقبل.
دخل القاعة نفسها، لكن الإحساس كان مختلفًا، لم يعد واقفًا في المنتصف كمتهم، بل كقطعة أُعيد تصنيفها. الوجوه ذاتها، الطاولة ذاتها، الصمت ذاته، لكن شيئًا واحدًا تغيّر: العيون لم تعد تزن… بل تُسجّل. الصوت الهادئ خرج أولًا، بلا مقدمات، بلا اختبار جديد، كأن القرار اتُخذ قبل حضوره: من اللحظة دي، آدم انتهى. الاسم ما عادش ينفع هنا. هنا الأسماء بتتولد من الدم. ثم أضاف ببطء متعمد: اسمك من النهارده… مايكل أروسيوس.
لم يهتز آدم. الاسم لم يُفاجئه، كان يعرف أن الخطوة التالية بعد أول دم هي محو ما قبله. قال بصوت منخفض ثابت: الاسم بيغيّر إيه؟ جاءه الرد من أحدهم ساخرًا: الاسم ما بيغيّرش اللي جواك… الاسم بيخلّي اللي جواك ما يرجعش. تدخل صوت آخر أكثر قسوة: مايكل أروسيوس مش شخص، ده توقيع، توقيع على كل اللي جاي.
تقدّم رجل من جانب الطاولة، نظرته حادة، كأنه ينقّب في العظم: إنت دخلت هنا وإنت فاكر إنك بتحمي بيتك، دلوقتي لازم تفهم إن البيت بقى تحت اسمنا. كل خطوة هتاخدها باسم مايكل أروسيوس، هتتحسب علينا، وأي غلطة منك… مش هتدفعها لوحدك. رد آدم لأول مرة بسؤال مباشر: وأنا إيه مكاني؟ جاءه صوت الكبير بهدوء قاتل: مكانك بينا… بس مش فوق ومش تحت. إنت حلقة وصل، واللي بيبقى حلقة ما ينفعش يتكسر.
سكت لحظة، ثم أضاف: اللي عملته امبارح ما كانش اختبار قوة، كان اختبار صمت. ونجحت. تدخل صوت آخر من الطرف المقابل: من النهارده، اسمك هيبدأ يتقال في الغرف المقفولة. مش كزعيم… لكن كرسالة. الرسالة اللي بتوصل قبل الرصاصة. شدّ آدم فكه وقال: والحدود؟ ضحك أحدهم ضحكة قصيرة بلا فرح: الحدود رفاهية، وإحنا هنا ما نحبش الرفاهيات.
اقترب الكبير خطوة واحدة: اسمع كويس يا مايكل. إنت مش مطلوب منك تكون دموي، ولا ذكي، ولا شجاع. المطلوب حاجة واحدة بس. الطاعة من غير سؤال، والتنفيذ من غير تردد، والنسيان من غير ندم. رفع آدم عينيه بثبات: ومريم؟ الصمت وقع كضربة. ثم جاء الرد ببرود تام: طول ما الاسم ده شغّال صح… البيت هيفضل واقف. إنما لو الاسم اهتز… البيت أول حاجة تقع.
فهم. لم يعد هناك سوء تفاهم. قال بهدوء: إمتى أبدأ؟ تبادلت العيون نظرة قصيرة، ثم جاء الصوت الأخير: إنت بدأت بالفعل. أول تحرك ليك باسم مايكل أروسيوس هيكون النهارده. مش علشان تقتل… علشان تُعرّف. الاسم لازم يتسمع.
خرج آدم من القاعة، لكن هذه المرة لم يشعر أنه يغادر مكانًا، بل يشعر أنه خرج من نفسه. في الممر، انعكاس صورته في الزجاج لم يعد يشبه آدم، الملامح نفسها، لكن النظرة مختلفة، أهدأ… أخطر. وفي بيت بعيد، كانت مريم تقف عند الشباك، تشعر أن العالم أوسع من قدرتها وأضيق من قلبها، لا تعرف لماذا شعرت فجأة أن اسم آدم يُسحب من حياتها ببطء.
أما هو، فكان يسير إلى الأمام، يحمل اسمًا جديدًا، وثقلًا أثقل من الدم نفسه، ويدرك لأول مرة حقيقة لم يكن مستعدًا لها: أخطر ما في السقوط… أنك لا تشعر به. أنت فقط تمشي، وتكتشف متأخرًا أنك لم تعد تعرف طريق الرجوع.
لم يعد آدم معروفًا باسمه داخل الدوائر المغلقة.
هناك، في الغرف التي تُغلق قبل أن تُفتح، كان له اسم آخر يتردّد همسًا قبل أن يُنطق جهرًا: مايكل أروسيوس.
المافيا هي من أطلقت عليه اللقب، لا مجاملة ولا تهديدًا، بل توصيفًا دقيقًا لرجل لا يمنح خصومه وقتًا للفهم.
وكان لقبه الذي سبق اسمه دائمًا: الحصّاد الأسود.
لم يكن اللقب من فراغ.
مايكل أروسيوس كان يتحرك بسرعة لا تُلحق، يضرب بلا إنذار، ويختفي قبل أن يُحسب ردّ الفعل.
قويّ، حاسم، اندفاعه محسوب، تمامًا كحصان جامح يعرف متى يركض ومتى يتوقّف، ومتى يدهس كل ما في طريقه دون تردّد.
في عالمهم، من يُشبه الحصان لا يُستخدم للزينة، بل للمعارك التي لا تحتمل الخطأ.
قال أحد الزعماء ذات مرة:
الحصّاد الأسود لا يترك وراءه فوضى… يترك فراغ.
والفراغ هو أكثر ما تخشاه المافيا، لأنه دليل أن المهمة انتهت.
بهذا الاسم، لم يعد مايكل رجلًا له ماضٍ، بل أداة لها حاضر فقط.
الاسم صار علامة، واللقب صار إنذارًا،
ومن يسمعه يعرف أن الوقت قد تأخر… وأن الهروب لم يعد خيارًا.
في اليوم التالي…
لم يبدأ النهار بشمس، بل بطرقة واحدة على الباب المعدني.
طرقة قصيرة، محسوبة، كأنها توقيع جديد على اسمه.
فتح مايكل أروسيوس عينيه دون فزع. النوم لم يزره أصلًا، لكنه تعلّم أن يقفز من اللاشيء إلى الجاهزية في لحظة.
دخل رجلان. لا تحية، لا أوامر. إيماءة واحدة كانت كافية.
سار معهما في ممرات يعرفها الآن بذاكرة الجسد، لا بذاكرة المكان. كل زاوية هنا لها صدى، وكل صدى يذكّره أن ما صار عليه ليس مرحلة… بل تعريف.
في غرفة جانبية، انتظرته وجوه قليلة. لم يكن اجتماعًا، كان تثبيتًا.
قال الصوت الذي صار يعرفه:
— الاسم اتقال. واللقب اتسمّع.
ثم أضاف بلا اهتمام:
— النهارده مش هنطلب منك حاجة. أحيانًا أقسى رسالة إننا ما نطلبش.
فهم مايكل المعنى. حين لا يُطلب منك شيء، فهذا لأنك صرت مفترضًا.
نهض، انحنى انحناءة بالكاد تُرى، وخرج.
خروجه من مقرّ المافيا لم يكن تحرّرًا.
البوابات فُتحت ببطء، الهواء البارد لفح وجهه، والسيارة السوداء كانت في انتظاره كظل لا ينفصل.
جلس في الخلف، زجاج داكن، مدينة موسكو تمرّ صامتة كأنها لا تراه.
الثلج يذوب تحت العجلات، كما تذوب الخطوط تحت القرارات.
حين وصل إلى القصر، لم يشعر بالفخامة.
القصر ليس بيتًا، هو مساحة آمنة للأدوات.
غرفته كانت واسعة، نظيفة، مرتّبة أكثر من اللازم. كل شيء في مكانه، كأن أحدهم رتّب أفكاره بدلًا عنه.
خلع سترته، وقف أمام المرآة.
لم يحدّق طويلًا. تعلّم أن المرآة قد تكون خيانة.
جلس على حافة السرير، أخرج هاتفًا لم يستخدمه من قبل. رقم واحد فقط مسموح به.
رنّ الهاتف في مكان آخر من العالم.
في البيت، كانت مريم تحاول أن تصنع صباحًا طبيعيًا.
غزل تضحك وهي تمسك كوب اللبن، مؤيد يطلب حقيبته، سيف يتشاجر على لعبة، وجنّات تتشبث بثوبها بلا سبب.
البيت مليء بالحياة، لكن قلبها كان مشدودًا بخيط لا تراه.
رنّ الهاتف.
تجمّدت لحظة، ثم ردّت.
— ألو؟
جاء صوته هادئًا أكثر من اللازم.
— صباح الخير.
لم تسأله أين هو. السؤال كان أكبر من قدرتها.
قالت فقط:
— وحشتني.
سكت لحظة.
— أنا كويس… أهم حاجة إنكم تكونوا كويسين.
نظرت إلى الأولاد، واحدًا واحدًا.
— إحنا تمام… بس رجعلي.
لم يعدها. لم يستطع.