رواية إيبار الفصل الثامن والسبعون 78 بقلم رانيا عمارة
رواية إيبار الجزء الثامن والسبعون
رواية إيبار البارت الثامن والسبعون

رواية إيبار الحلقة الثامنة والسبعون
الستر هبةٌ عظيمةٌ لا تدرك قيمتَها سوى أشجارٌ تعرت أوراقها في مهبِّ الرياح، وأعظم ما فيه مراتٌ تمر برحمة الرحمن لتجدد فُرصًا جديدة تزرع أهميتها في العقول وتبني بناءً جديدًا أساسه توبيخ الذات والندم مع عدم تكرار ما وجّهته النفس الأمارة بالسوء. فيظن الأحمق سترَه مع تكرار الذنوب تغافلًا من الله، بل حاشا لله أن يتغافل عن عبدٍ مُنح فرصًا عدة بعدد ذرات الغبار في الهواء ويتركه يسير في الأرض فسادًا، فيُهمله قليلًا لعلّه يتراجع، لكن في كل مرةٍ يزداد إثمًا بلا تأنيب ضمير، لينزع عنه فجأةً غشاء الستر وتظهر نقمةُ العقاب لا بلاؤه، فالابتلاءُ للمتقين مكيالًا يثقل كافّة الحسنات، بينما للمشركين عقابًا رادعًا لتذوق معاني الحياة بأكملها.
منى التي ازدادت أخطاؤها وكثرت إلى درجةٍ لم تُصدّق، ظنت الستر ذكاء منها لا بأمرٍ من الله، وهي في كل مرةٍ تخطو إلى دار كافرٍ متجرد من كافّة الصفات الإنسانية.
لم تهوِ قدماها في ذنبٍ واحد بل حزمة كبائر تلقي بها إلى الدرك الأسفل، لا سيّما ذنوبًا دينيةً وأخلاقيةً عويصة لا تُغفر ما دامت قدماها خاضعتين لنفس الدرب.
حينها وقفَ “مصعب” متمتمًا تعاويذه في صمتٍ، مستدعيًا الكياناتِ الخفية، تلك التي همست في أذنيه همساتٍ أقل خفة من رفرفات الفراشات في حدائق الربيع، وكأنه يملك كاميرا خفيةً أو عينًا سحريةً يتمكن من خلالها معرفة مَن في الخارج دون أن يتحرك خطوةً.
حينها خرجت أنفاسُه ببطءٍ، واستدار إلى منى، وقال بحزمٍ ناصح:
_حرمة برا تبغاني، نزلي البيشة واطلعي برا! بس قبل ما تخرجي خذي هذول…..
ثم تحرك سريعًا نحو حجرته واستحضر زجاجة بلاستيكية لا تتعدّى العشرين مليلترًا، والمياه الصفراء تتراقص في كبدها، ثم عاد ومدّها إليها، واسترسل بنبرةٍ تقطر شرورًا:
_خلي أختك تنقط ثلاث نقط في كل أكلة ياكلها أو شربة يشربها، لين تخلص الماي، ترني عليّ وتبلغيني بالنتيجة.
أدخلت “منى” الزجاجة الصغيرة في حقيبتها، وأنزلت نقابَها على وجهها لتتخفّى من قباحة أفعالها، وقالت:
_طيب، أنا همشي بقى، سلام.
خَرَجَت منى من البوّابة الخلفية للمنزل، فيما تقدَّم مصعب لفتح الباب ليجد امرأةً أُخرى مُنتقبة في انتظاره. اعتادت الساحِرات على التخفّي في النقاب الذي كان بريئًا منهن؛ فليست كل المنتقبات ساحرات، لكن الساحرات أردن التستّر في أرقى رِداء ليتظاهرن بالتقوى، لأنه مثالٌ عظيم للخلُق الشريف.
ما لبِثت منى أن خَرجت حتى انضوت الأخيرة إلى منزل الساحر، وبمجرد أن ابتعدت منى عن المدينة بأكملها، آبت إلى منزل عائلة هشام، وقبل أن تَدلف قلعت نقابها وطوقته داخل حقيبتها كأن شيئًا لم يكن.
وبينما كانت تصعد على درج المنزل، خرجت “حنان”، والدة هشام، من منزلها وتوقفت على عتبة الباب، وتطلَّعت برأسها لأعلى نحو منى، وقالت بهمس صامت لنفسها:
_ودي إيه حكايتها؟ ولا كأنها متجوزة وفي سلطة راجل، كل يومين جاية لأختها حتى عمرها ما فكرت ترمي السلام عليا، صحيح إيش ياخد الريح من البلاط؟ وإنتوا عيلة ما يعلم بيها إلا ربنا.
مُنى المنساقة وراء أهوائها بدَت الأعين تلاحظ انفلاتها، وكأنها لم تكن في قبضة رجل كما ظنّوا. رجل الأريكة تحوي ذكورةً واضحة أكثر منه شخصيًا، ذاك الذي كانت أقصى آماله في الحياة أن تُوافِق عليه منى ليصبح شريكًا مهترئ الشخصية معها.
فتوقّفت إزاء باب أُختها وطرَقته طرَقات متوالية، فخرَجت هناء ملبيةً النداء الصامت، وفتَحت بابها وخرجت إليها وهي تلتفت حولها كبائع المخدرات وعميله في عملية بالغة السرية. فتوقّفتا قبالة السور القصير، وأضواء الطبيعة تلمع على وجهيهما، فاستخرَجت “منى” الزجاجة بصمت، وهمَست بالقرب من أذنيها:
_هتحطي منها في الأكل والشرب بس متحطيش كتير لا يحس بحاجة، أنا همشي بقى وهبقى أكلمك من هناك.
أخفت “هناء” الزجاجة داخل جيب جلبابها، وردّت بهدوء صوتٍ:
_طيب ماشي.
دخلت هناء إلى منزلها وصَكَّت الباب بخفّة وراءها، فيما انطلقت منى للأسفل فوجدت “حنان” في وجهها، تلك التي انفزعت برؤيتها وكأنها رأت شبحًا مفزعًا سرق أمانها. فتطلّعت حماة الأخت في وجهها، وقالت:
_ازيك يا منى؟
ردّت “منى” وهي تهمُّ بالخروج من المنزل دون أن تُطيل الحديث معها:
_الحمدلله.
في الأعلى، سارعت “هناء” بالدخول إلى مطبخها الصغير لتسكب ماء السحر على طعام وشراب زوجها، اعتقادًا منها برعونةٍ أن السحر الأبيض لا إثم فيه، وهي تعلم بكل يقين أن من ارتكب السحر بأشكاله وأنواعه المختلفة فقد أشرك بالله ظنًّا منه أن النفع والضر يأتي من غيره.
مزجت المكونات ببعضها كمن يُخفي آثار الجريمة، حتى الزجاجة أخفتها في الخزانة بين الأواني، ثم رصّت الأطباق والمشروب على الصينية ودخلت حجرة النوم. كان زوجها جالسًا على السرير بغضبٍ جلي، فتقدمت نحوه وجلست إلى جواره، وقالت بابتسامةٍ ماكرة:
_كل بالهنا والشفا.
أشار “هشام” بيده لها بكل نفورٍ وانزعاج، وقال بامتناع:
_مش عايز طفح من إيدك.
ابتسمت “هناء” بابتسامةٍ هادئة تحمل في طيّاتها عتابًا خفيفًا، وقالت وهي تميل بكتفها بدلالٍ لاذع:
_بقى إنت تقولي إن أنا إبتلاء؟ خد بالك بقيت تجرحني بالكلام كتير أوي بس هقول إيه، أهو في الاول والآخر أبو ولادي ومقدرش أتكلم….
رمقها هشام باستغرابٍ لشخصيتها المصطنعة، بدت كالملاك المُتسامح، ليست بالمرأة مُتسلطة اللسان كعادتها، فمدّت يديها الاثنتان بالطعام، واسترسلت بإلحاح:
_اديني بصالحك أهو، حقك عليا لو زعلتك مني، كل يا حبيبي بالهنا والشفا، متكسفش إيديا ألا والله هتزعلني أوي، ده أنا دخلت المطبخ مخصوص علشانك وعلشان أصالحك.
ظلّ “هشام” متشبّثًا برفضه، فأدار رأسه ناحية أُخرى وأزاح الطعام بيده، وهو يقول بفظاظةِ حديث:
_مش عايز حاجة قولت.
نطقت “هناء” بإلحاحٍ أن يتذوّق الطعام من يديها، فابتسمت بلطفٍ وقالت:
_عشان خاطري، وغلاوة ولادك عندك تاكل وما تكسف إيدي!
تطلّع إليها هشام بتردّد، فهزّت هناء رأسها له وكأنها تستأنف إلحاحها بالنظرات لا بالكلمات. فبدأ هشام يتناول الطعام بهدوء، والتجهّم لا يزال راقدًا على وجهه، لكن “هناء” التي لاحظت وجود المصحف الشريف على الطاولة المُجاورة له سألته باستغراب:
_كنت بتقرا قرآن ولا إيه؟
أجابها “هشام” بعفويةٍ، وفمه محتشدٌ بالطعام:
_بقالي فترة ملتزم على سورة البقرة وبحاول أظبط الصلاة ومقطعش فيها….
سرعان ما تبدّلت ملامح هناء من السكينة إلى الصدمة، فاسترسل “هشام” باستغرابٍ وهو يتساءل:
_وشك جاب ألوان كده ليه؟!
تلعثمت “هناء” وهي تجابه لاستدعاء الحروف الضائعة من ثنايا ذهنها، ثم حاولت التصالب وهي تنظر إليه بثباتٍ وتقول:
_أبدًا، ده أنا… ده أنا يعني استغربت عشان إنت عمرك ما مسكت المصحف، بس الحمدلله ربنا يهديك ويهدينا كلنا ويصلح حالنا…
ثم نهضت مسرعةً بفشلٍ ذريع لإخفاء غضبها، وبأسلوبٍ ماكر باحترافية قلبت الطاولة على رأسه بعد أن ضمنت توغّل المادة السحرية في أمعائه، وتابعت باستياء:
_أنا طول عمري عارفة إن زعلي مش فارقلك، حتى مهانش عليك