بينما بالشقة بالدور العلوى، ابتسامة افتقرت لها منذ ليلة أمس، عادت مرة أخرى ترتسم على محياها وقد أرتاح قلبها على أنه لن يقطع الحبل الواصل بينهما ولن يكون مصير تلك المحادثة كمسير باب النافذة التى تغلق بوجهها.
أخذت بعضا من الملابس النظيفة واتجهت إلى دورة المياة، جلست بحوض الاستحمام بعدما أغدقت عليه بالصابون السائل ليمتلئ بالفقاقيع، لتسقط هى به وهى تجلس بجسدها بإريحيه، تدتدن بسعادة
“الوصل جميل حلو يا محلاه”
حدثت تفسها بعتاب: ازاى سبت نفسى لحد ما ده بقا حالى، للزم دايما يشوفني على احسن هيئة أومال هخليه يميل ناحيتي أزاى “
حل الليل بستائره على الجميع، يرحل جميع العاملين
تباعا، ليبقى عبدالله وابنته التى غلب عليها النعاس باكرا هذا اليوم ليضعها على كتفه، يحملها يسير بها عائدا إلى منزله.
وهناك اخر مشغول الفكر، منزوى على جانب الطريق،يفتح هاتفه وهو يطلب رقما ما، ينتظر إجابه من الطرف الآخر بفارغ الصبر، بعد وقت أتى إلى مسامعة صوت، تشوق لسماعه منذ أن تركه صباحا، لتتقافز تلك الدقات بداخله بصخب وقد طربت أذنيه من جوابها.
وردة من على الجهة الأخرى: الووو.
لم تتلقى جوابا وعندما طال الصمت نادت عليه برقة وهى تعلم أنه لا يزال على الهاتف:
سي ممدوح.
ممدوح وهو بعالم أخر حيرة من الخجل والجراءة الجديدة عليه وعلى طباعه، تلك اللهفة لسماع صوتها وطيب حديثها لا يعلم من اين اتت وكيف تشتعل هكذا؟ لا يعلم.
لكنه على يقين أنه فى هذة اللحظة لا يرغب بأى حديث سوا فقط سماعها والغرق بمعسول حديثها مرة تلو الأخرى لعله يروى من ظمأ سنين عجاف عاشها بمرارة مع أرض قاحلة جرداء؛ مهما أغدق عليها يسقيها بماء حبه، ينثر عليها بذور عشقه؛ لا ينبت بها زرع.
_معاكى.
الأخرى على الجانب الأخر وهى تستند على حافة نافذتها بدلال تضع الهاتف على أذنها تجيبه بلؤم أنثوى أتقنته من واقع ما عاشته، هامسه له بدفء: وما ردتش عليا ليه بقا؟
_الأخر بهيام وقدماه تسحبه سحبا كأمواج بحر ترتد عن الشاطئ لا يعلم الى اين المسير، هائم بها وبصورتها الحاضرة بذهنه الان يجيب بصدق وبقلب رجل لم يتعامل كثيرا مع النساء قبلا سوى زوجته:
يمكن علشان كنت عايز اسمع صوتك وهو بينادى عليا بطريقتك دى.
_وردة بإشفاق على حالة هذا الرجل تسأله بإستغراب ونبرة تغلفها الدهشة، التى لم تستطع إخفائها:
معقول، للدرجة دى؟!
_ممدوح وهو مغيب عن كل ما يحيط به، لم ينتبه لسؤالها ولا لتلك الدهشة المسيطرة عليه، ليغمض عينيه وهو يأمرها بلهفة مبطنه برجاء مغلفة بالحرمان، تخفى وراءها بصيص أمل لها:
_كرريه.
_وردة وهى تعقد حاجبيها بدون فهم:
ايه هو؟
_يتنهد بحرارة وهو يمسك بالهاتف يعصره بيده وهو على أذنه:
أسمى.
_تبسمت بمحبة صافية بدأت تنمو داخلها لهذا الرجل، فبعدما عاملته وفهمت طباعه، أدركت اى حال عليها هو وبنظرتها بالرجال فهو الطيب الخاضع الخنوع العاشق، هنيئا لمن ملكت قلبه وأمسكت بلجامه وتقلدت زمام أموره.
لفت نظرها شئ ما وهى تنظر من نافذتها المطلة على الطريق، تستشعر نسمات الهواء الليلية الباردة، المختلطة ببعض الهدوء وقد خلت الطرق الا من قليل، تحولت ابتسامتها الصغيرة إلى أخرى تتسع تدريجيا حتى ملئت وجهها وهى تمتد من أحدى أذنيها إلى الأخرى: تنطقه بدلال ورقة أذابت قلبها قبل قلبه، وهى تقول اسمه كأنما تتغزل به كأنشودة تطرب لها الأذان عند سماعها:
“ممدوح.”
توقف فى مكانه مغمض عينيه وقد أخترق أسمه قلبه؛ كسهم نافذ أصاب هدفه، علا صدره وهو يعبأه بالهواء وكأنه سينفذ من حوله، ليطلقه براحه ترسخت بخلاياه؛ فلانت، راحة هدأ بها صراع عقله؛ فأستكانت أعصابه المشدودة منذ الصباح فتراخت، راحة عانقت قلبه فهدأت دقاته المتضاربة، لتسيرعلى وتيرة واحدة؛ تنطق بين كل دقة وأخرى بأسمها “وردة، وردة”
_وهى تتابعه لا تحيد بلؤلؤة عيناها عنه، مشاعر جديدة عليها، لم تألفها قبلا مع أحدهم، أصبحت تكتشف وجودها بداخلها منذ دلوف ذاك الرجل إلى حياتها أو بمعنى أدق منذ دلوفها هى إلى حياته.
أخرجها من تأملاتها وأخرجه من ثوره مشاعره،أمر قلبه الذى خرج منه دون وعى، ليعاود لسانه النطق به من جديد:
كررريه.
صمتت وهى تستمع له ولطلبه وقد مستها هيىئته التى تراه عليه كثيرا، تهم بالحديث، ليقاطعها هو بنفاذ صبر بعدما أطالت فى الإجابة على نداء قلبه لها.
_انتى فين عنى؟
_انا معاك.
_ما جاوبتنيش يعنى.
_بفكر أجاوب بطريقة احسن.
_عقد حاجبيه وهو لا يزال مغمض لعينيه متلهفا: ايه هى؟
_ ايه رايك لوفتحت عنيك الاول.
تسمر بمكانه وقد أفاق عقله الان فقط، متسائلا داخله ” كيف عرفت هذا؟!”
لم يتأخر فى فهم الإجابة عقب فتحه لعينيه،التى أتسعت بالتدريج عقب إبصاره ما يحيط حوله؛ فبغمرة إشتياقه ولهفته ساقته قدماه لها من جديد، ليجد نفسه يقف أمام بنايتها ولم يشعر على حاله.
رفع رأسه ببطئ لأعلى، حتى استقرت عيناه عليها، أبتلع ريقه بصعوبه وهو يرى تلك النظرات المصحوبة بلمعة أضاءت عتمة قلبه، تراخت يده وهو ممسك بالهاتف لتستقر بجانبه وعينه لا تحيد عنها، تنهد بصمت يشكو لها إرهاق قلبه.
“القلب للقلب رسول” الجملة الوحيدة التى تصلح لوصف ما يشعرا به قلبهما الان، لتشير له بالهاتف أن يعيد وضعه على أذنه من جديد، ليفعل كما قالت دون أن يفقد اتصاله البصرى معها.
_ابتسمت ابتسامة صغيرة عقبها ضغطة صغيرة على شفاها السفلى بإغراء، هامسة له: مش شايف ان كده احسن.
_ممدوح بغباء وقد أنسته رؤيته لها كل شئ: احسن ايه؟!!
ضحكة مجلة ولكنها حرصت على خفض صوتها؛ حتى لا تجذب لها الأنظار،ولكنها وصلت له عالية رنانه، أخترقت أذناه من الهاتف، ليرقص عليها قلبه داخل أضلعه طربا.
_شكلك بتنسى بسرعة يا ممدوح.
هكذا علقت عليه وهى تتكأ على حروف أسمه ببطء، ليعاود أغماض عينيه وصوت تنهيداته الحائرة يخترق الهاتف وصولا لها، يتمتم بعدها بصدق.
_عمرى ما كنت كده.
_وايه ال جد؟
_أنتى.
_وهو انا وحشة اوى كده؟
_حلوة اوى
_بجد
يكتفى بأماءة من رأسه، مؤكدا لها صدق حديثه، ليسألها برجاء بعدها.
“أطلع”
_”تو تو، لا، لا”
هكذا أجابته، ليفتح عيناه ناظرا لها وعيناه تتساءل
_ليه؟
تغمض هى عينيها بحزن تخبره
_يا سى ممدوح انا عايشة لوحدى وفى الحته هنا زى ما انت عارف كله معين نفسه غفير على التانى، هفتح على نفسى باب شوشرة لو حد شافك انت وطالع ولا انت وخارج ،مين ده وتعرفيه منين ويقربلى ايه؟ “
يرضيك يحصل معايا كده؟
_يهز رأسه وهو يتمتم بخيبة وحسرة على الرغم من يقينه بصدق حديثها، يخبرها: لا، بس.
_ايه؟
هكذا قاطعته هى بلهفة فى إنتظار جوابه، ليطأطأ رأسه لأسفل يتنهد بقلة حيلة ولا يزال يضع الهاتف على أذنه، يولى لها ظهره دون أن يرفع رأسه متمتا: ولو حد شافني وانا واقف كده مش هتخلصى منهم برضه، علشان كده تصبحي على خير.
_طب هو مش المفروض تقولها وانت بتبصلى ولا انت زعلت من كلامى؟!
_ازعل ازاى وانا عارف انه صح.
_اومال!
_خايف.
_من ايه؟
_مقدرش اسيطر على نفسى واضرب كلامك واسئلتهم بالحيطه.
صدمة ألجمتها من كلماته التى خرجت منه بعفوية، لتتساءل بدون فهم وهى للمرة الأولى لا تعلم إلما يرمى حديث أحدهم معها أو مالغرض منه وما يحاول الوصول إليه، لتسائله بهتهته.
_ايه؟
ليتسمر هو فى مكانه بعدما خرج من فاهه من تصريح لا يعلم من أين جاء، ليخرجه سؤالها من صدمته يوقفه أمام قلبه وعقله، ليجيبها بسرعة وهو يفر هاربا من أمامها بسرعة.
_مش عارف.
قالها وأغلق الاتصال معها وكأنه هكذا أغلق باب تساؤلاتها، التى لا يمتلك لها أى إجابة، على الأقل بالوقت الحالى،لا يعلم أن هناك بابين أخرين وقد فتحا على مصراعيهما.