****
جمعت مرام ملابسها فى حقيبتين متوسطتي الحجم ووضعت مستلزماتها الشخصية فى حقيبة ظهر واحتارت أين ستضع لفافة فودة فقد قررت أخذها معها حتى تجبره على أن يعيد اليها نقودها أولا .. وفى الأخير أستقرت أن تضعها فى جيب حقيبة ملابسها .
عندما أنتهت قامت باستدعاء حارس الأمن عن طريق جهاز الأستدعاء الداخلى ولكنها فوجأت بأن صالح هو من آتى وقال لها مبتسما
– كنت جالسا مع عم محمود بالأسفل .. لقد دعانى لشرب كوب من الشاى .
ابتسمت له ابتسامة مجاملة وشكرته عندما حمل حقائبها ووضعهما فى المصعد ثم تنحى ليسمح لها بالدخول أولا .
قبل أن تصعد مرام الى السيارة تلفتت حولها قلقة من أن يكون فودة مختبئا فى مكان ما ويراقبها ولاحظ صالح حركتها وقال
– لا تخشى شيئا فأنا معك .
ثم استطرد مبتسما
– معك ضابط شرطة سابق .
ألتفتت اليه بحده وقالت
– قلت ضابط شرطة ؟
صحح لها قائلا
– وقلت سابق .
تمثلت أمام عينيها لفافة المخدرات القابعة فى قعر حقيبة ملابسها وابتلعت ريقها بصعوبة وسألته
– ولماذا سابق .. ماذا فعلت ليطردونك من الخدمة ؟
ضحك بمرح وقال
– لم يتم تسريحى أو طردي كما تقولين .. لقد قدمت استقالتى بمحض ارادتى .
– لماذا ؟
أجابها وكانا قد أصبحا خارج شارعها الأن
– عندما أصبح أبى مريضا وغير قادر على ادارة المزرعة والمصنع رأيت أن من واجبى مساعدته .
– لا أرى ثمة علاقة بين عملك كضابط شرطة ومزارع .
– انا مزارع قبل أن أكون ضابط شرطة وكنت اساعد بعمل المصنع منذ كان عمرى عشر سنوات وكنت أعى جيدا أننى سأدير كل هذا فى يوم من الأيام .
استدارت اليه بفضول وسألته
– ولماذا ألتحقت بكلية الشرطة اذن ؟
ابتسم
– نوع من التمرد فى الواقع .. طريقى كان مرسوما ومستقبلى محدد منذ صغرى ووالدى كان شخصية قوية شديد الحماية يخاف علينا كثيرا .. أعنى أنا وشقيقتى .. فأردت أن أثبت شخصيتى .. هذا كل شئ .
فكرت مرام بمرارة شاخرة .. لا أحد يعجبه حاله .
قال صالح وهو يتأمل وجهها المجهد
– حاولى أن تنامي قليلا فأمامنا طريق طويل وأنت تبدين متعبة .
أشاحت وجهها ناحية كورنيش البحر الهادئ والسيارة تسير بسرعة وبعد قليل أغلقت عيناها وضمت معطفها الثقيل حول رقبتها وقد شعرت بجفنيها ثقيلان ربما كان هذا من تأثير المسكن القوي الذى وصفه لها الطبيب بالمشفى ..
لم تدرك أنها نامت الا عندما شعرت بيد تهزها من كتفها ففتحت عينيها مجفلة ووجدت صالح يبتسم لها .. اعتدلت فى جلستها وقد لاحظت أنه قد دثرها بمعطفه أثناء نومها نظرت الى خارج السيارة وكانا متوقفين فى محطة بنزين
– أحضرت لك عصيرا وشيئا لتأكلينه .
كان يمد لها يده بعلبة عصير وشطيرة ملفوفة .. لم تكن جائعة ولكنها كانت عطشة .. سألها وهو يفتتح لها غطاء زجاجة العصير لعجزها عن فتحها بسبب ذراعها
– هل تناولت دواءك ؟
هزت رأسها ايجابا
– أخذت المسكن .
وأستأنفا السير .. نظرت مرام الى ساعة هاتفها ولكنه كان مغلقا .. أغلقته حتى لا يلاحقها فودة أو والده فسألت صالح عن الوقت فأخبرها
– الواحده والنصف .
فكرت .. الواحدة والنصف بعد منتصف الليل .. بذراع مكسورة وفى حقيبتها كمية من الهيروين تكفى لتعليق رقبتها على حبل المشنقة .. ومسافرة مع شخص غريب قد صدقت بسهولة ما أخبرها به عن علاقته بوالدها .. ان رأسها يكاد ينفجر من كثرة القلق والتفكير فى المصائب .
من على مسافة بعيدة كثرت الأضواء وبدأ صالح فى تهدئة سرعته فسألته مرام وهى تمد بصرها أمامها
– ماذا هناك ؟
أجاب بلامبالاة
– أنه كمين للشرطة .. ليس حادثا لا تقلقى .
هل يقول لها أن لا تقلق ؟ .. شعرت بأن كل نقطة دماء فى عروقها قد جفت ودارت الدنيا بها فسألها صالح بقلق وهو يوقف سيارته وراء صف السيارات المنتظره دورها فى التفتيش وقد لاحظ ما انتابها من شحوب شديد وكان جسدها يرتجف بطريقة غير طبيعية
– هل أنت بخير ؟
هزت رأسها نفيا وقد زاد من ذعرها رؤيتها لكلاب الشرطة وهى تحوم حول السيارات وتتشممها .
أمسك صالح يدها الباردة كالثلج بين يديه .. لا لم تكن بخير وقد أخافه منظرها وعاد يسألها
– بماذا تشعرين ؟
نظرت اليه بنظرات زائغة كلها رجاء وتوسل
بحث صالح عن زجاجة الماء وناولها لها
– أشربي بعض الماء .
ولكنها عجزت عن رفعها الى فمها وقالت بصوت لا يكاد أن يسمع
– لا أريد أن أذهب الى أي مكان .. أريد أن أعود الى بيتي .
أحتار صالح فيما يفعل وهو يراها ترتجف بهذا الشكل .. كانت على ما يرام تقريبا حتى لحظات قليلة مضت .. فما الذى حدث ؟
أطلق صالح زمور السيارة بعصبية وعلق يده عليه وبعد لحظات كان يقترب من سيارته أمين شرطة ومعه أحد المجندين وسأله بشئ من الغلظة
– ماذا يحدث ؟
– معى مريضة واحتاج للتحرك فورا .
نظر أمين الشرطة بريبة وشك الى كلاهما وركز بصره لبعض الوقت على مرام ثم انصرف وعاد بعد قليل مع أحد الضباط الذى كان يرتدى ملابس مدنية وقال بسرور بالغ فور رؤيته لصالح
– صالح .. هذا أنت؟
نظر صالح الى جلال صديقه وزميله السابق وقال بتوتر وهو يحاول بعجز تهدئة مرام التى كانت قد أنخرطت فى البكاء بهيستيرية
– جلال .. كيف حالك ؟
عقد صاحبه حاجبيه وهو ينظر الى مرام من نافذة السيارة
– أنا بخير .. ماذا يحدث معك ؟ هل هذه زوجتك ؟ .. هل هى بخير ؟
قال بنفاذ صبر
– أنها ليست زوجتى … كنت سأدعوك لوفعلت وتزوجت .
وبسرعة شرح له الأمر وحادث الأعتداء الذى تعرضت له مرام
– أعتقد أنها صدمة متأخرة .. هل تسمح لنا بالمرور أحتاج أن أصل بها الى البيت بسرعة .
قال جلال على الفور
– بالطبع .. هل أنت فى حاجة الى مرافق معك .
– لا داعى لذلك .. أستطيع تدبر أمري .. واذا تعقد الأمر سآخذها الى أقرب مشفى .
كانت مرام تصغى الى المحادثة وقد بدأت أنتفاضتها تهدأ ولكن نشيج بكاءها زاد .. جزء منه كان من الراحة وبعد أن سمح لهما بالمرور تكورت فوق مقعدها وتظاهرت بالنوم .