لم تتوقع مرام أن تستمتع بالوجود بين أشجار الزيتون فقد كانت تظن دائما أنها أشجار عجاف غصونها كالأشواك ولكنها تأثرت حقا بقوتها وعنفوانها .. لها هيبة ورائحة خاصة قوية وتعجبت من أن تشعر بهكذا أحساس تجاه شجرة وضحك صالح عندما أخبرته بأنطباعاتها وقال بأعجاب
– أنه الوصف المثالي له .. شجر الزيتون شجر قوي لا يهاب الزمن .. بل الزمن من يهابه .. معطاء ولا ينضب عطاءه أبدا ويمنح الخير والحب لمن يهتم به ويقدره .
ثم سألته عندما لاحظت كبر المسافة بين كل شجرة وأخرى والتى قد تصل الى سبعة أمتار وربما أكثر
– لماذا يوجد مسافة كبيرة بين كل شجرة وأخرى ؟
– لأنها تحتاج لأن تتنفس .. يجب أن يصل الهواء والضؤ اليها بطريقة جيدة .
– ومتى تقومون بالحصاد ؟
وكانت ترى حجمها صغيرا فوق الفروع فقال صالح
– نحن ننتظر حتى تمام نضجها لتصبح نسبة الزيت فيها أعلى ما يكون لأننا نستخدم محصولنا فى أنتاج الزيت البكر .
أنها تعرف أن زيت الزيتون البكر منتج غالي الثمن ومطلوب أكثر فى الأسواق الخارجية فسألته
– وهل تقوم بتصديره ؟
قال بما يشبه الفخر
– نعم .. ومنتجنا من زيت الزيتون عالي الجودة ونستخرجه بأحدث الوسائل الحديثة سترين بنفسك عندما نصل الى المصنع .
وفهمت مرام لما يطلقون عليه أسم الذهب السائل .. فقوامة كان يبدو تقريبا كقوام عسل النحل ولونه كلون الذهب البراق ولاحظ صالح أهتمامها وأنبهارها بمراحل العصر واستخلاص الزيت ووقف سعيدا يطلعها على كل شئ باسهاب , وبعد أنتهاء جولتهما فى المصنع أخذها صالح للغداء بالخارج والمطعم الذى أختاره كان أفضل كثيرا من ذاك الذى أخذها والدها اليه من قبل وبعد الغداء فاجأها بأن عرض أن يأخذها الى زيارة معالم المدينة السياحية فسألته مرام بدهشة
– وهل يوجد هنا معالم سياحية
فضحك قائلا
– نعم .. ولكن الكثيرون لا يعلمون ذلك .. لدينا العديد من الأديرة التاريخية مثل ديرالأنبا مقار الكبير وهو من أغنى الأديرة لأنه يحتوي على مخطوطات وأثار لا تقدر بثمن .. ويضم الدير سبع كنائس ..
ثم راح يعدد لها بقية الأديرة وقد دهشت مرام من كثرة عددها وكبر مساحتها وقدمها أيضا فأحدها يرجع تأسيسها الى القرن الرابع الميلادي ولم تكن مرام من محبي زيارة الآثار وتذكر مرة قامت فيها برحلة الى الأقصر وشعرت خلالها بالملل ولم تستطع أن ترى السبب الذى يجعل السياح يتهافتون لرؤية بضعة حجارة ولكن مع صالح كان الأمر مختلف فعرفت أن الصحبة هى التى لم تكن جيدة فى حينها واستمعت اليه بانتباه وهو يشرح لها كل شئ بشغف ومعرفة تنم عن ثقافة عالية وقد أخذها الى مكتبة دير البراموس الشهيرة الا لأمثالها بالطبع وضحك بمرح عندما أخبرته بذلك بصراحة .. ورأت هناك آلاف الكتب والمخطوطات وأخبرها أنها كتبت بعدة لغات منها العربية والقبطية واليونانية والحبشية والعبرية والأنجليزية والفرنسية والتركية .
سألته باستغراب
– وهل هناك لغة حبشية ؟
قال ضاحكا
– لكل الشعوب التى تملك حضارات لغة قديمة خاصة بها تحكي عن تاريخها وتعلن عن وجودها والا ما وصلتنا ولا عرفنا عنها شيئا .
قالت ضاحكة
– هل كنت حقا ضابط شرطة ؟ .. فما سمعته عنكم يختلف عم أراه .
ضحك ثم قال
– أنها اشاعات مغرضة .. فضابط الشرطة مثله مثل الجميع نحن أيضا لدينا ميول وهوايات ومنا من يهتم بعمله فقط وقد لا يجد وقتا حتى ليقرأ ولكن فكرة الناس عن ضابط الشرطة بأنه جاف ولا يهتم سوى بالبطش هذا غير صحيح .. لدي أصدقاء ضباط شعراء وأدباء ورساميين وكان لي زميل أثناء الدراسة فى الكلية كان يعزف لنا على الناي ويمتلك صوتا جميلا كعزفه وكانت أمه ترغب فى أن يحترف الغناء ولكن والده لواء الشرطة أقسم أن يفرغ فيه رصاص مسدسه ان لم يدخل الى كلية الشرطة ويصبح ضابطا مثله ومثل جده .
– وهل تخلى عن حلمه من أجل والده ؟
رد مبتسما
– يبدو أن والده قد أقتنع فى الأخير أنه سيصبح ضابط فاشل ولا أمل منه فتركه ليفعل ما يريد .
وذكر لها أسم مطرب شهير فشهقت بحماس
– هو حقا ؟ .. غير معقول .
قال مبتسما
– وقد وعدني أن يغني فى ليلة زفافي ومن دون أجر .
أرتبكت مرام من النظرة التى أرتسمت داخل عينيه .. كانت تتوقع أن يصارحها بمشاعره ولكنها فجأة أصبحت تشعر بالقلق فأشاحت بوجهها وهى تقول بصوت لا يخلو من التوتر
– الى أين سنذهب بعد ذلك ؟ .. آالى البيت ؟
تنهد ثم قال
– هناك مكان أخير سأصطحبك اليه .
وأخذها الى بحيرة نبع الحمرا وكانت من العجائب بحق فهى بحيرة شديدة الملوحة تقع وسط صحراء قاحلة وفى منتصفها يتدفق ينبوع ماء عذب .. وأخبرها صالح بأنه يعتبر من أحلى المياه العذبة وأن مياه البحيرة صحية جدا وقادرة على شفاء الأمراض الجلدية بأنواعها والكثيرين يأتون اليها كسياحة علاجية وفسر لها عندما سألته عن سبب الألوان المختلفه والمتدرجة لمياه البحيرة فأجابها أن تفجر الماء العذب وسط الماء المالح هو المتسبب فى هذه الألوان المختلفة فى تدرجها .
وكانت تقف تنظر الى البحيرة متأملة عندما جاءها صوته ناعما بالقرب من أذنيها
– هل تقبلين الزواج بي ؟
ألتفتت اليه مجفلة وقلبها يخفق بعنف داخل صدرها .. حدقت عيناه بعينيها ..لا ترمشان .. نظرات قوية .. حنونة فيها شغف وأمل .. لجم لسانها وكل الكلمات التى خططت لها وحفظتها قد تبخرت من عقلها بسبب شعورها المفاجأ بأنها أمام رجل حقيقي .. رجل يصعب عليها التلاعب به .. ليس شابا غرا ولا عجوزا متصابيا .. أنكمش داخلها واعتراها الخوف وهى تحدق به .. حاستها تخبرها بأنه خطر وتحذرها من الأقتراب منه
– هل تتزوجيننى يا مرام ؟
أعاد السؤال مرة أخرى وشفتاه تلتويان بأبتسامة وكانت الشمس فى طريقها للغروب فغلفهما سحر طلتها الأخيرة , فتحت فاها لتجيبه ثم عادت وأطبقته مرة أخرى فجذبت حركتها أنتباهه الى شفتيها ولمعت عيناه ببريق جعلها تحبس أنفاسها .
وهمس لها بكلمات لم تسمع مثلها أبدا من قبل
– تزوجينى .. وأعدك أن أعتنى بك ما حييت .. سأضعك فى عيونى وداخل قلبى الى أبد الآبدين .. لا أستطيع أن أصف لك حقيقة ما فى قلبى اليك .. أنه شئ أروع من أن يوصف بالكلمات .. وشوق يكاد يمنعنى عن التنفس كما أنا الأن ..فهل تشرفيننى وتقبلين الزواج مني ؟
هزت رأسها موافقة فاتسعت أبتسامته وتهلل وجهه فرحا
– هيا نعود الى البيت لنزف لهما الخبر السار .