مقهى وحلوانى ديليس ( محطة الرمل الأسكندرية )
أعتادا أن يجلسا بالخارج ولكنها وجدته ينتظرها بالداخل وبعد دقائق لاحظت أنه متوترا ويتلفت حوله كثيرا فسألته وهى تقطع الكرواسون المغطى بالشيكولاته بسكينتها
– ماذا بك ؟
أبتسم لها وهو يبتلع قضمه من الجاتوة الذى طلبه
– لا شئ .. أفتقد المكان .. أشعر بأننى غبت عن الأسكندرية سنين وليس بضعة أيام .
ثم سألها مبتسما بخبث
– ماذا فعلت أثناء غيابى ؟ .. أخبرنى بعض الأصدقاء أنك كنت تبحثين عنى .. هل أفتقدتنى ؟
ردت ببرود
– بل أفتقدت نقودى .
ضحك بمرح
– قلبك قاسى .
كانت تريد أن تنهى علاقتها به ولكن ليس قبل أن يعيد لها نقودها فأبتسمت له برقه
– متى ستعيد لى المال .
رفع رزمه ملفوفه بورق بنى وموضوعه فى كيس بلاستيك .. ودهشت لأنها لم تنتبه الى انه يحملها وعندما قدمها لها أخذتها ووضعتها فى حقيبتها على الفور وهى تسأل
– المبلغ كاملا مع الفوائد التى أتفقنا عليها
– بلى .
نظرت اليه بشك
– لن أعيد اليك الوصل حتى أعد نقودى وأطمئن الى أنها لم تنقص شيئا .
وافق بسرعة وقد كسا الأرتياح وجهه وعندما عادت أخيرا الى شقتها وقبل أن تبدل ملابسها أخرجت لفافة النقود لتعدهم وبعد أن فتحتها شهقت بفزع وقد شحب وجهها من الرعب عندما أكتشفت أن الرزمة لا تحتوى على نقود وانما كيسين كبيرين من مسحوق أبيض داخل علبه مستطيلة
– كوكايين ؟ .. يا ابن ال … يا ابن ال ..
أسرعت الى حقيبتها وأخرجت هاتفها بيد مرتعشة وبالكاد أستطاعت الوصول الى رقم فايد الذى رد على الفور فصرخت به تلعنه وتسبه
– ماذا تريد أن تفعل بى .. تسجنى .. تعلق رقبتى على حبل المشنقة .
قال محاولا تهدئتها
– لن يحدث لك شئ .. أعدك بذلك .. سيبقون معك ليلة أو ليلتين فقط وسوف آخذهم منك وأعطيك مالك وبزيادة عما أتفقنا .
صرخت بهيستريا
– لا أريد منك شيئا تعال وخذ ذلك الشئ والا ألقيت به فى المرحاض .
صاح بحدة
– اياك وفعل ذلك .. ستطير رقبتى ورقبتك ان فعلت .
أمتقع وجهها وسقط جسدها المنهار على الأريكة
– ماذا فعلت بى أيها الحقير .. لما زججت بى فى تجارتك الملعونة هذه .
قال من بين أسنانه
– أنت تريدين المال بشده ودون تعب وأنا أريده كذلك .. فما أهمية من أين يأتى اذن .. لا تتصلى بى مرة أخرى وهذا لصالحك حتى نطمئن أن لا أحد يتتبعنا .
مرت ليلتها هذه وكلها كوابيس مرعبة وهى تتوقع أن تطرق الشرطة الباب أو تحطمه وتقتحم بيتها لألقاء القبض عليها وزجها بالسجن , وقد أحتارت أين تخبئها وبعد تفكير طويل وعدة أماكن وضعت فيها المخدرات كانت تعود لتخرجها فكلاب الشرطه ستكتشف مكانها فى أى مكان فى الشقة وأخيرا توصلت لحل .. أحضرت حقيبة مشتريات قوية ووضعت بها الرزمه وربطتها بحبل ومن شباك الحمام الملحق بغرفة نومها ربطتها بيد النافذة جيدا وجعلتها تتدلى الى الخارج فما أن يحدث شئ حتى تقطع الحبل بكل سهوله وتجعلها تسقط .. شعرت ببعض الراحة ولكن الخوف لازمها بالرغم منها وفى اليوم التالى لم تستطع الذهاب الى العمل وعللت غيابها لعصام بسفرها لزيارة والدها لأنه مريض وكأن حجتها كانت سببا فى استدعاءه حقا وفوجأت بزيارته الغير متوقعة وعندما سألته بجفاء عن سبب الزيارة قال وهو يجلس بعدم راحة كما بدى على طرف الأريكة بحجرة الجلوس الصغيرة
– أنا فى الأسكندرية من أجل العمل وفكرت فى زيارتك لأرى أحوالك .
لم تفسر حجته على أنها أهتمام منه بها وانما ليطمئن الى أنها لم تنفق المال وأنها لن تلجأ اليه من أجل المال مرة أخرى وصدق حدثها عندما سألها عن أحوالها الماديه فردت عليه بسخرية كان يستحقها
– أطمئن مازال معى نقود وقد وجدت عملا أتلقى منه راتبا جيدا جدا لن يحوجنى لك أو لغيرك بعد الأن .
وقف بعدها منكس الرأس وهو يقول
– هذا جيد .. سأنصرف الأن اذن .
وخرج بعدها على الفور بدون أن ينظر اليها وادركت بعد لحظات بأنها وقفت ساهمة تنظر فى أثره وشعور بالحزن يكتنفها .. تمنت للحظه لو أنه كان يهتم حقا .. ربما لو كان .. لم تورطت مع فودة ولم ترهن شبابها وحياتها من أجل المال والأمان لرجل بعمر والدها .
وعندما ذهبت الى العمل فى اليوم التالى سألها عصام ان كانت قد حدثت والدها عنه ولكنها نفت ذلك وظلت طوال الوقت قلقة وشاردة الذهن وظن عصام أنها قلقة بسبب رد فعل أسرتها على علاقتهما ولم تنفى ظنونه وبقيت فى المكتب حتى السادسة مساءا وكان ليل الشتاء قد هبط سريعا وأزدادت برودة الجو وخلت الشوارع الجانبية لشارع البحر من الزحام خاصة فى المنطقة التى تسكن بها والتى كانت تتميز بالهدؤ الشديد , نزلت من سيارة الأجرة قبل شارعها بمسافة قصيرة أمام السوبر ماركت وأشترت التونة والجبن والخبز من أجل العشاء وكانت تسير فى الشارع الذى توجد به بنايتها عندما سمعت صوت فودة يناديها بحدة
– مرام .
كان يقف بجوار سيارة ليست له وبداخلها شخص ما لم تتبين ملامحه فى الظلام
تقدم منها فوقفت تنتظره وهى تتلفت حولها بقلق فربما يكون مراقبا من الشرطة .. وكان يجب أن يحذرها بأنه سيأتى الليله ليأخذ المخدرات ولكنها شعرت بالذعر عندما رأت وجهه المكفهر والنظرة الأجرامية التى فى عينيه فابتلعت ريقها بصعوبة وتراجعت خطوة الى الوراء بحذر
– فودة .. ماذا تفعل هنا ؟.. ولماذا لم تتصل بى أولا ؟
كانت تتلفت حولها بتوتر أثناء كلامها .. كان الليل ساكنا والشارع هادئ وخاليا من الناس وكانت تبعد عن البناية التى بها شقتها حوالى الخمسين مترا تقريبا وان صرخت ربما لا يسمعها رجل الأمن وراحت بسرعة تقيس المسافة وتقدر سرعتها لو هى جرت وصرخت .. تعالت ضربات قلبها وتسارع تنفسها عندما أصبح فودة أمامها شعرت بصهد كراهيته تهب فى وجهها فأشتدت أصابعها على حقيبة مشترياتها وقد أضعف الخوف ركبتيها
سألها بشراسة
– ما الذى بينك وبين أبى ؟
تراجعت الى الخلف حتى أصطدمت بسيارة متوقفه بجانب الرصيف وسألته
– ماذا تعنى ؟
صرخ بها
– لعنك الله .. ما الذى بينك وبين ذلك الداعر ؟
هزت رأسها وقد أستحال وجهها الى صفحة بيضاء
– لا شئ ..
قاطعها بصفعة قوية أجفلتها وآلمتها فصرخت ورفعت ذراعها أمام وجهها لتحميه
– لا تكذبى أيتها الحقيرة فأنت تعملين لديه فى الشركة .
قالت باكية وهى ترتجف خوفا
– نعم .. ذهبت اليه للسؤال عنك أولا وعرفت أنك سافرت .. وكنت بحاجة للعمل فقد فقدت الأمل فى أن تعيد لى نقودي .. فطلبت منه عملا ووافق .
جذبها من شعرها بعنف
– بالطبع وافق فقد أعجب بك عندما رآك فى حفل شقيقتى العام الماضى ولكننى أفهمته أنك لى ومع ذلك سعى خلفك السافل وأنت سمحت له .
جرها اليه بقسوة وهو مازال يشد على شعرها فقالت تتوسل اليه وهى ترتجف بعنف
– صدقنى الأمر ليس كما تتصور ..
سألها بقسوة
– هل نمت معه ؟
أقسمت له باكية
– أقسم لك .. والله لم يحدث ذلك .. أنت تعرفنى .. أنا لا أفعل شئ كهذا .
قال بشراسة وهو يهزها
– نعم أعرفك .. أعرفك جيدا .. أعرف أنك حقيرة بلا أخلاق تبيعين نفسك للشيطان من أجل المال .. رأتك سكرتيرة أبى وأنت بين ذراعيه وأخبرت أمى .. سمعته وهو يعرض عليك الزواج .
أنتهزت مرام فرصة تراخى يده قليلا ودفعته عنها ثم ضربته بقوة بحقيبة المشتريات فى وجهه وعندما تركها للحظة جرت بسرعه تجاه بنايتها وهى تصرخ وتصرخ بهستيرية لعل أحد يستمع اليها ويأتى لنجدتها ولكن أستطاع فودة اللحاق بها بسرعة وجذبها بقوة من ذراعها فسقطت على الأرض بعنف على وجهها وسقط هو فوقها فشعرت بذراعها ينثنى تحتها بقسوة فصرخت من الالم .. أدارها لتواجهه بلا رحمة .. قاومته بكل قوتها ولكنه أستطاع أن يشل حركتها وهو جاسم فوقها ويلف أصابعه حول رقبتها ويضغط عليها وقد فقد السيطرة تماما على نفسه واتسعت عيناه بجنون .. سوف تموت على يديه .. شعرت بأطرافها تتراخى وانقبضت رئتاها وجحظت عيناها واحتقنتا وكادت حنجرتها أن تتحطم تحت قوة أصابعه ثم سمعت صوتا يحث فودة على تركها قائلا بعصبيه
– أتركها أيها الغبى ستقتلها .. هيا بنا قبل أن يلحقوا بنا …
وفجأة جاء الخلاص سمعت أولا أصوات تصيح من بعيد وخطوات تعدو نحوهما بسرعه وترك الشاب الآخر فودة وحده وتقهقر بسرعه الى الخلف عندما رفض ذلك الأخير تركها .. قدم قوية طارت أمام وجهها وأطاحت بوجه فودة فاندفع جسده الى الخلف بعنف فتركها والشخص الذى ركله أسرع يمسك به ويرفعه على قدميه ويسدد له لكمه قويه فى معدته .. جلست مرام بصعوبة وتوقفت عن متابعة الصراع الذى يجرى أمامها وهى تشهق بقوة لتتنفس وانضم شخص آخر يساعدها على الوقوف ويطمئن على حالها وكان رجل أمن البناية التى تسكن بها وفى نفس الوقت أستطاع فودة أن يتملص من يد الرجل الآخر وهرب مستقلا السيارة التى كانت تنتظره والتى أقلعت به على الفور قبل أن يلحق به الرجل الذى عاد ليقول بصوت لاهث
– لقد فرا بسيارة .. لن نستطيع اللحاق بهما .
سأله حارس الأمن
– ألم تستطع أخذ أرقام السيارة ؟
رد عليه
– للأسف لا .
سألها حارس
– هل أنت بخير يا أنسه مرام ؟
حاولت أن تهز رأسها وتسيطر على شهقاتها المتتالية لترد عليه ولكن صوتها كان مختنقا داخل حلقها وتابع الحارس وكان يوجه كلامه الى الرجل الآخر
– أنها الأنسه مرام التى كنت تسأل عنها يا أستاذ .
رفعت مرام رأسها قليلا فظهرت ملامحها للرجل الممسك بها فصاح ذاهلا
– هذا أنت ؟!!!!!
************