رواية والتقينا الفصل السادس عشر 16 بقلم ندي ممدوح – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

_أنـــت؟!
هتفت إسراء في ذعر، وهي ترى ملامح الزائر، وطل خوفٍ من منبع ما اقترفه في حقها في عينيها المتسعتين، والتصق ظهرها بالباب المغلق وهي تزدرد لعابها، عندما انطلقت ضحكته المجنونة العالية، تهز قلبها في عنفٍ، وترج روحها، وتدك حصون ثباتها دكًا، وانبعث صوته في أُذنيها كصوت أسدٍ ضاري يهم بابتلاع فريسته:
_بقا كده تتسجني بتهمة كبيرة زي دي، ومتعرفيش حبيبك هشام!
بلغ اتساع عيناي إسراء على آخرهما، وراقبت بأجفان مرتجفة جلوس هشام البسيوني بكل غطرسة على المقعد وفرد ذراعيه على ظهره، وبكل تسلط وأريحية، قال:
_إوعي تكوني يا إسراء يا حبيبتي شاكة في حبيبك هشام، تؤ تؤ هزعل.. هزعل اوي وزعلي وحش.
ومال إلى الأمام، وشبك كفيه أمام وجهه، وأتبع يقول:
_عيب إنك تشكي في الشخص اللي عمل منك نجمة كبيرة يُشار لها بالبنان، وفنانة مشهورة بيحبها الملايين.
وخبط بكفيه على الطاولة أمامه وهو يهب واقفًا، حتى جعل جسدها ينتفض وذرفت عينيها الدموع..
وستذرف أوجاعها دمعًا إلى الممات!
لماذا أصبح الجميع يذكرها بماضيها البشع؟!
ذاك الماضي الذي كان يحسدها عليه الجميع كان جحيمها، وسيظل.
الطرقات تُظهر لنا ظواهر البشر، أمَّا البيوت فيكمُن في أعماقها البواطن..
ما يخفيه الأنسان..
ويحتفظ بهِ لنفسه..
فلا تحكمو بالظواهر فالظاهر دائمًا ما يخفى وجعًا لا يُرى بالعين، ودمعة حزنٍ في خفايا الجوانح تسكن، وندبة ألم لا تداويها ضحكة مفتعلة وبسمة زائفة.
همست إسراء بصوتٍ متلعثم:
_أنـ.. أنـت عاوز إيه مني؟ جاي ليه؟! مش خلاص دمرتني؟ عايز مني أيه تاني؟! سيبني في حالي حرام عليك.
ورده كان ضحكة عالية، ألهبت فؤادها بالأحتقار الذي تسلل إلى ملامحها وعينيها، ونهض في بطءٍ متلذذًا ببكاءها وحالتها، وتقدم نحوها حتى كان قاب قوسين أو أدنى منها، ودس كفيه في جيبيّ بنطاله زافرًا بقسوة رافقة صوته البغيض:
_أسيبك؟! أنتِ غبية يا بنتي أسيب مين؟
وأولاها ظهره وأردف متابعًا بصوتٍ أجش:
_أنا مش هسيبك إلا وأنتِ جثة متحطمة، مش هبعد غير لما اتأكد إنك خلاص ميتة، أنا عملتك بإيدي نجمة مشهورة وبنفس الأيد هدمرك، وزي ما خليت عندك جمهور كبير يحبك.
ألتفت إليها وبرقت عيناه بوميضٍ من القسوة، وهو يجز على أسنانه، مسترسلًا:
_هخلي نفس الجمهور يكرهك ولما يفتكروكِ يدعوا عليكِ.
ومال بوجهه شَطر وجهها، وأكمل بهمسٍ كالفحيح:
_أترجتك تتجوزيني ورفضتي، عرضة عليكِ فلوس كتير ورفضتي برضو، وعدتك بنجومية هطلعك لسابع سما ورفضتي برضو، وعايزة تسبيني أنا هشام البسيوني…
قرن قول اسمه بإشارة من سبابته إلى صدره، ثم دار حولها ووقف بجانبها، متابعًا بهمس خافت مثير للرعشة:
_عايزة تدي تعبي لغيري وتشتغلي بعيد عني؟! لأ وكمان نويتي تسيبي التمثيل وبتحبيلي واحد فقير ملهوش أصل وعايزة تخسريني كل اللي بنيته؟!
وعلا صوته، قائلًا:
_يبقى موتك أفضل.
وفجأة، لان صوته ورمقها طويلًا، ثم اتجه جالسًا على المقعد ووضع قدمٍ على أخرى، وقال:
_حاولت أموتك بالعربية وقومتي من الموت برضو، دفعت مبلغ هايل لفرد من أفراد التصوير عشان يقتلك ونجتي من الرصاصة، حاولت أأقتلك أنا بنفسي في شقتك وأوضتك وبرضو معرفتش كأنك قطة بسبع أرواح.
أخذ هشام نفسٌ عميق، وأتبع:
_لقيت مفيش فايدة فقررت أني احبسك بقضية تاخدي فيها مؤبد.
لم تنبس إسراء إلا ببكاءٍ حار انشق له قلبها شطرين، ثم أخيرًا رفعت رأسها إليه في هدوء يثير الدهشة، وغمغمت من بين شهقاتٍ متتالية:
_أنت مش خايف من ربنا؟! اعمل كل اللي تقدر عليه براحتك ربنا هيجيب ليّ حقي، حسبي الله ونعم الوكيل فيك.
انتهى اللقاء وعادت إلى الزنزانة، شاردت النظرات، منتفخة الأجفان، محمرت العينين بلون أحمر قان من إثر البكاء، ورقدت على فراشها تضم جسدها بذراعيها، انتفضت من شرودها على صوت امرأة تقف أمام فراشها وهي تهز قدميها، متمتمة بغلظة:
_صدعتنا عياط ياختي كفاية، إيه مزهقتيش.
اكتفت إسراء بإن رمتها بنظرة سريعة ولم تعيرها اهتمامًا، بينما نفخت المرأة بضيق، ودارت حول الفراش وجلست بجانب رأس إسراء، ومسدت عليها في رفق، وانبعث صوتها هادئ مشفق وهي تقول:
_كفاية عياط يا حبيبتي، العياط مش هيفيدك بحاجة إلا تعبك، كلنا في الأول بنبقى كده.
وندت عنها ضحكة هازئة مريرة وهي تضيف:
_وبعدين كلنا بنتعود، بنعتاد الحبسة، وضيق ارواحنا علينا، وبنرضى بالمكتوب ونحمد ربنا.
هي دي الدنيا يوم ليك ويوم عليك، مستحيل تدي الواحد كل اللي هو عايزه، مفيش حد خالي من الهموم كلنا بس بنحاول نتعايش مع وجعنا، وأنتِ باين عليكِ مش قد الغم ده.
تفاجئت إسراء بالمرأة التي كانت آنفًا تعنفها، تواسيها بكلماتٍ طبطبت على فؤادها، فارتمت في حضنها وبكت، ربتت المرأه على ظهرها، وهي تقول بتنهيدة:
_أبكي يا حبيبتي ففي البكاء راحة لقلوبنا من أوجاع مش بنقدر نفسرها.
وأغروقت عينيها بالدموع، ثم تفاجئت إسراء بذات المرأة تدفعها عن حضنها برفق، وهي تهب واقفة، قائلة:
_إوعي ياختي كده من وشي هو الواحد ناقص هم.
شيعتها إسراء بنظراتٍ مندهشة وقد تجمدت دموعها في عينيها.

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية ذئاب من نار الفصل العاشر 10 بقلم بيري الصياد - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top