اللهم صلِّ على محمد![]()
فُتح باب الزنزانة بصريرٍ مخيف آثار الفزع في فؤاد إسراء، ودب الارتياع في نفسها، وهي تتقهقر للخلف جِزعة، وجلة الروح، ودخلتها بقدمين تتخبطان ارتجافًا، وانتفضت عندما أُغلق الباب وراءها في عنفٍ أحست إنه أصيبها بالصم، جاس بصرها على السرائر والمسجنات وهي تكاد تبكي كطفلٍ صغير.
أغلق عليها باب السجن، فما لها تشعر إن روحها قد سُجنت في وادٍ سحيقٍ مظلم ما له قرار.
وإن الحياة في عينيها أصبحت ضباب..
وكل شيءٍ بات خاويًا كفراغ قلبها الآن الذي تشعر إنه كالطير الذبيح يُرفرف مع خروج روحه ويتلوى من سكرات الموت، وإما روحها فكانت كمن عمل فيها عمل المدى في الذبيح، وراحت تنزف دون أن ينضب هذا الدم.
(مش دي يا بت الممثلة إسراء ولا انا متهيألي؟! آه والله هي يا ترى إيه اللي دخلها السجن؟)
(بيقولوا ياختي إنها بتاجر في المخدرات)
(تاهم القرف ما هما كلهم الممثلين كده، بيجروا وراء القرش الكتير وبس، بلا نيلة)
أنتزعتها تلك العبارات من قوقعتها، فرفعت إسراء بصرها إلى النسوة الآتي تجمعن حولها بتفحص، وأخرى تتقدم قائلة بتسلط:
_وسعوا كده لما نشوف القمورة.. بلى ممثلة بلا بتاع، قال ممثلة قال هنا زيها زينا وأهي الممثلة مشرفة في السجن بتهمة هتاخد فيها مؤبد.
اتسعت عينا إسراء دهشة، وكادت أن ترد على المرأة، لولا إنها دفعتها في كتفها بحدة، وقالت بغلظة:
_إلا القمورة صحيح اسمها إيه؟
ثم أمسكت بمرفقها وهزتها وهي تقول:
_هو أنتِ ياختي عندك كام سنة؟! مالك معضمة وقصيرة كده ليه؟! مين واكل نايبك!
حاولت إسراء أن تفلت ذراعها من يد المرأة التي تفوقها اضعاف وكل محاولاتها باءت بالفشل، حتى لقد ظنت إن ذراعها سينخلع في يدها بكتفها، وهي تضيف في ضجر:
_بس بقا أنا هنا الكل في الكل يعني يتقال ليّ حاضر ونعم وبس.
وصرخت في وجهها بنبرة ارجفتها:
_سامعة؟
ألقت المرأة الكلمة بنبرة آمرة وهي تدفعها بقسوة، فكادت أن تسقط على وجهها إثر ذلك، لولا أصابعها التي تشبثت بحافة الفِراش، ثم اعتدلت وهي تنوي دخول مشاحنة مع تلك المرأة، لكن المرأة زجرتها بنظرة حادة وهي تشوح بكفها، مغمغمة:
_غوري اقعدي في أي مخروبة جوة.
فأسرعت إسراء تصد طريقها، هاتفة:
_حضرتك إزاي ترفعي صوتك عليَّ بالأسلوب السخيف ده وتمدي أيدك كمان!
رفعت المرأة حاجبًا في سطوة، وتخصرت وهي تقول، وعينيها تجولان على النسوة من حولها:
_أنا، بقا أنا يتقال ليَّ إن اسلوبي سخيف؟ سمعته سمعته يا نسوان أنا بدرية يتقال لي كده ومن بنت مفعوصة زي دي؟!
واندفعت نحوها وتراجعت إسراء في خوف، وفُتح باب الزنزانة، وصرخ الجندي فيهن:
_إيه كمية الدوشة اللي عملينها دي، ما كل واحدة تقعد بسكاتها.
ثم حاد ببصره إلى إسراء، ولانت نبرته مضيفًا في نبرة هادئة:
_اتفضلي معايا يا آنسة إسراء في زيارة ليكِ.
غمغمت إسراء في دهشة:
_زيارة ليا انا؟ بالسرعة دي.
وهتفت في فرحة:
_معقول يكون بلال؟!
ثم عادت تنفي قائلة:
_لا، لا مش ممكن.
ولحقت بالجندي، الذي ابطأ خطواته، ليهمس لها بنبرة ناعمة:
_أنا سمعت كل أفلامك ومسلسلاتك يا فنانة، ومن أشد معجبينك ومنبهر بحضرتك جدًا، ومتعاطف معاكِ ومش مصدق التهمة اللي متوجهالك دي، ومش مصدق إنك حاليًا قدام عيني.
حدقت فيه إسراء في حنقٍ، وتضايقت من ذكر أفلامها ومسلسلاتها وأحست باستحقار الذات وهي تتذكر تلك المشاهد التي صورتها بملابس لا تستر شيء، فطأطأت الطرف، وجهمت المحيا، ودلفت إلى حجرة فُتح بابها الجندي وصفقه وراءها، فتوقفت حائرة وهي ترَ ظهر رجلٌ فارع الطول وتوجست خفية لبرهة، واتسعت عينيها وهو يستدير في تأنٍ، ببسمة تزين ثغره، وأعيُن حزينة مغمغمًا:
_كل ده حصلك وأنا مش موجود؟
وهتفت إسراء في جزع وهي تتقهقر للخلف:
_أنـــــــــــــت!!