رواية والتقينا الفصل الحادي والعشرين 21 والاخير بقلم ندي ممدوح – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

🌺اللهم نجنا من القوم الظالمين 🌺

في حفل زفاف أميرة الذي أُقيم في قاعة فخمة، حضرت إسراء برفقة أبيها وندى بعد إلحاح أميرة بحضورههم، كانت تصفق بكفيها في جذل، عندما دخلت أميرة القاعة مع محمود، وتسمرا كفيها بوجوم تام، وهي ترَ سهير تقبل عليها برفقة أمها الباسمة، فغابت البسمة عن وجهها وحل الوجوم، لكنها ضمت سهير في حب حقيقي، التي بعد السلام همست لها بفرحة:
_هتبقي خالتو قريب.
فعاد إلى وجهها السعادة، وهي تهتف في حماس:
_بجد أنتِ حامل؟!
أومأت سهير وباركت إسراء لها بعناقٍ آخر، بينما انبعث صوت عايدة في عتاب:
_مش هتسلمى عليَّ يا إسراء؟
فاذدردت لعابها في توتر، ولم تُخجِل المرأة التي مدت كفها لها مصافحة، وما كادتا أن تتصافحا حتى سحبتها عايدة في حضنها في حنان أمومي، وأشبعت وجهها بالقبلات وهي تقول:
_وحشتيني.
فالتمعت الدموع في عينيها وهي تتذكر قسوة كلماتها في آخر لقاء، بينما همست عايدة:
_عارفة إنك زعلانة مني! بس في بنت تزعل من أمها بسبب كلمات اتقالت لحظة غضب؟!
وطلبت منها الجلوس بجانبها فامتثلت في هدوء، بينما ألتقطتت عايدة كفها في راحتيها وهي تقول:
_مكنتش هسامح نفسي لو كنت موت قبل ما أشوفك.
فهتفت إسراء في لهفة:
_بعد الشر عنك.
تبسمت عايدة وهي تقول في خزى:
_أنا كدبت عليكِ في موضوع لازم أوضحه.
وأستشعرت إسراء ما هو الموضوع، وشحب وجهها فجأة مخافة من القادم، كان بداخلها دائمًا تساؤل أتزوج بلال؟
ومن الخوف من الإجابة خشت السؤال فوقر في نفسها دون أن يطوف قط على شفتيها.
قالت عايدة في حياء:
_لما ندى جت ليّ أنا كدبت عليها بموضوع خطبة بلال، ابني مرتبطش بحد غيرك من يوم ما وعي على الدنيا، أنا مش هقولك عملت كده ليه، بس هطلب منك تدي ابني فرصة تانية.
سحبت إسراء كفها في هدوء من بين راحتيها، ورأت ندى تغمز لها في مشاكسة، بينما فتشت عينيها بين الوجوه بحثًا عن الحبيب الذي لم يظهر، وفجأة رأته انبثق هكذا بغتة من العدم وهو مسلط البصر عليها، وبدا شاردًا..
وقد كان كذلك بالفعل.
بيتٌ بسيط يضمه هو وهي وابناءهما، يعود من عمله فيجدها في انتظاره، يتناولوا طعامهم، ثم يصلي بهن جماعة، وبعد تأدية الصلاة يُسمع لأبنته وزوجته ما أحفظهن من القرآن، تتعالى ضحاتهم تارة، ويتسامرون تارة آخرى، وربما يركضون في إنحاء الشقة في لحظة لهو، يسرقوها من بين ثنايا الحياة.
فاق بلال من شرود، ببسمة جميلة ظللت ثغره، تلاشت وهو يرَ محمد الشهاوي يقبل نحوه وهو يستند على عكاز، ودار بينهما حوارًا طفيفًا أعتذر فيه الشهاوي على كل ما صدر منه.
والعجيب إنه سامح في بساطة، ورفع عينيها عن مكان جلوسها لكنه لم يجدها، وأبصرها تخرج من القاعة وهي تتحدث في الهاتف، فلحق بها في قلق وقد تراءى له خوفٍ هائل على سيمات وجهها استقر.
وقف وراءها وسمعها وهي تقول:
_طيب أنا هآجي أشوفه دلوقتي، لا لا هآجي حالًا مسافة السكة مش هتأخر.
وعندما استدارت وجدت بلال في وجهها، فتساءل في حذر:
_مين اللي رايحة تشوفيه.
ورفع سبابته في وجهها مضيفًا:
_بسأل عادي مش شك.
فأسبلت جفنيها بتنهيدة عميقة، وهي تقول:
_من فترة بيكلموني عشان هشام البسيوني طالب يشوفني، بس حاليًا بيقولولي حالته خطرة ولازم أروح.
فسألها:
_هتروحي؟
_أيوه.
فقال بلال في إصرار:
_تمام هآجي معاكِ، مش هسيبك تروحي لوحدك.
فهزت رأسها، قائلة بعنف:
_لأ، متجيش هروح لوحدي المرة دي لازم اواجهه لوحدي، أنا مش خايفة ومش محتجالك.
وأسرعت تغادر المكان، وتوقف سيارة أجرة، انطلقت بها إلى المستشفى، وعندما وصلت، فتح باب الحجرة لها عسكري من العساكر التي كانت تقف أمام الباب، وعندما أغلق الباب وراءها أحست برجفة تسري في أوصالها، وهشام راقد في الفراش الطبي، بجسدٍ هزيل، ووجهٍ فقد كل نضارته، وقد شحب ونحف بشدة، إبر تغوص في أوردته، وقناع اكسجين مستقر فوق أنفه وفمه، وجهاز قياس القلب مثبت في أصبعه، وهالها رؤيته بتلك الحالة، وعادت رجفة عميقة ترجف بدنها وهو يشير إليها بالأقترب، فدنت منه بحذر، ووقفت فوق رأسه بقلبٍ خافق، وانبعث صوته الضعيف المتهالك، كأنما يأتي من بئرٍ سحيق، وهو يقول بصوت متلعثم، متهدج:
_كنت خايف متجيش، الحمد لله إنك جيتي.
فتمتمت بنبرة مرتجفة:
_عاوزني في إيه، طالب تشوفني ليه يا هشام؟
فأنحدرت دموع غزيرة على وجنتيه راحت تتسابق في النزول، وهو يسعل، قائلًا بضعف:
_أنا عارف إني أذيتك كتير، ودمرتك، وعملت حاجات كتير وحشة في حقك، عايز أأقولك إن بنتي دفعت حق كل غلطة غلطها في حقك..
عقدت إسراء حاجبيها، وهي تسأله في هدوء:
_مها؟! مالها حصل لها إيه.
فانتحب هشام وذاد بكاؤه يبكي الصمُّ الصلاب، وفطر قلبها، وشهقت في وجل عندما أتبع يقول من بين شهقاته:
_ماتت، بنتي ماتت يا إسراء، كل واحد كلت عليه حقه، خد حقه من بنتي، اغتصبوها وموتها..
تراجعت إسراء بظهرها ودموعها تسيل في صمت، بينما علا نحيب هشام، وهو يستطرد:
_وأنا السرطان بياكل في جسمي أكل وصل لمرحلة متأخرة.
وصمت فجأة بتأوه شديد، وقد مسك قلبه، وأرتج عليه لوهلة، وقد جحظت عيناه، وعلا صفير إحدى الأجهزة، وخفت صوته، وهو يطلب منها:
_سـ… سامحيني.
وشهق، شهقت الموت والأحتضار وتهدل جسده ساكنًا فوق الفراش، وقد قابلت الروح بارئها، وفاضت من جسده، وخبى بريق الحياة من عينيه، وصرخت هي تستغيث بالأطباء الذين أكدوا وفاته، فغادرت المستشفى راكضة، واستقلت اول سيارة أجرة وقعت عيناها عليها، وغادرتها عند كورنيش النيل، وأخذت تسير بمحازاة السور وهي تضم نفسها بذراعيها، والدموع تطفق من عينيها أبابيل.
ما أهون الحياة!
وما أبخسها؟
فيما يمكن المرء أن يضيع حياته!!
ألا يعلم أن الموت زائر لا محالة كل إنسان؟
لا أحد سيفر منه ولا يفلت؟!
إنه الحقيقة التي يجب أن يعمل لملاقاتها كل إنسان؟!
وتناهى لها صوتٍ سحيق كانت بحاجة إليه، وقد كان قلبها يناديه فلبى النداء، ولنداء القلوب صدى لا يدرِ به إلا العشاق، وكان بلال يناديها وهو يركض نحوها:
_إسراء.. إسراء.
فالتفتت إليه وقد حلت عقدة ساعديها، وودت لو ترتمي في حضنه، وترآت له وقد ظللت سحابة سوداء من الحزن وجهها الجميل، فهمُه أمرها.
وخطاب ساحر ذاك الذي دار بين الأعين المتعانقة، نظر بلال في حنو إلى الدموع المتلألأ في مقلتيها، وهمس بصوتٍ خفيض:
_بتعيطي ليه..
هم أن يتساءل عما حدث، وكيف دار الحوار بينها وبين هشام، لكنها شهقت، قائلة بصوتٍ شق قلبه:
_هشام مات يا بلال.
فسألها برفق:
_وأنتِ بتعيطي ليه؟
فأسبلت أجفانها، وهي تقول بصوتٍ خفيض:
_عشان خايفة من الموت.
فتبسَّم وقد تفعمت في عينيه كل حنان الدنيا، وهو يهمس وقد أثَّر في نفسه منظرها تأثيرًا شديدًا:
_وقبل ما الموت يخطف حد فينا، إيه رأيك نسرق الدنيا قبل ما تسرقنا، وتوافقي نكمل الباقي من عمرنا سوا، وتديني فرصة تانية، وأوعدك إنك مش هتندمي.
وصمت وعيناه تراقبان ملامحها، وهو يسألها في حذر:
_ها توافقي.
وصمتت لبرهة، حسبها حينٌ من الدهر، حتى تعلقت عينيها بعيناه وهزت رأسها بالموافقة، ثم تبسَّمت بسمة رائعة كضوء الفجر، أو كالبدر في ليلة تمامه، أشرقت سماء قلبه فتبسَّم ثغره تلقائيًا.
وبقيا يتأملان بعضهما متبسمان، بعينين تلمعان بالفرح، وكان البحر يموج مضربًا، وتتقلب مائه كأنها تخلد تلك اللحظة، والقمر من فوقهما يطلُ عليهما بقرصٍ مكتمل كالسراج المنير.
لقد جرى كل منهما من الآخر مجرى الدم، والعيون تلقي وعدًا بالبقاء أبد الدهر.
وانبعث صوت بلال رخيمًا، عذبًا آتيًا من سويداءه التي حلت فيه هي محل لم يحل به أحدًا قبل:
_أنتِ مني وأنا منك يا كتكوتة.
فضحكت فخفوت ضحكة رقيقة خلبت لُبه، وسلبت قلبه الذي كان متهأهبًا في تأملها، وانساب صوتها العذب الشجي هامسًا بعينين تتلألأن كعيون النجوم:
_وأنتَ مني وأنا منك.
وبينما كانا هائمين في سُبل الحب التقيا أخيرًا، وجمعهما سبيلٌ محال إن يكون فيه الفراق حاضرًا.
وكانت مهجته وكان الوتين.

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  مدونة كامو - رواية عشق بين بحور الدم الفصل الثاني والثلاثون 32 بقلم أسما السيد - قراءة وتحميل pdf

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top