رواية والتقينا الفصل الحادي والعشرين 21 والاخير بقلم ندي ممدوح – للقراءة المباشرة والتحميل pdf

🌺رب نجنا من القوم الظالمين 🌺

سنة، دارت أيامها سريعة، كأنها سحابٌ أتَى دون سلام، ومر دون وداع، كان الفراق مؤلم لقلبها الذي كان يتلظى بنار الحنين والإشتياق، لكنها تجاوزت هذا الحب الذي طعن كبريائها، ودمر كرمتها، وعذب قلبها، في يدها قبع الهاتف مشعًا بصورة تتبدى فيها الكعبة وأمامها أبيها وهي تضمه، وقد ظللت بسمة كالنور في ليالي الدآدي ثغرها، مبددة كل ظلمة في أعماقها، لقد عكفت في تلك الهجرة القلبية على حفظ كتاب ربها، تعلمت العقيدة، والفقه، والتفسير، والحديث.
وعادت وهي متأججة بالإيمان الذي زادها صلابة، وقوة، وبسالة، وذاقت لذة حُرم منها الكثير من الناس بؤنس ربها عز وجل.
عندما عادت إلى وطنها نست تمامًا كل ما يتعلق ببلال، وبحبها الخامد له، انكبت على عملها الذي تعلمته مع مرور الأيام لتدر عليها وعلى أبيها لقمة حلال.
ويا لصدفة القدر، حين جمعها به دون إنذار، فعلمت بجانبًا منه لم تكن تعرفه وهو إنه محب لعمله يبذل قصاري جهده فيه دون أن يفكر في نفسه.
_ادخل العصير للأستاذ بلال يا آنسة إسراء.
هتف بها رجلٌ يحمل في يده صُنية تحوى كوبًا من العصير، وبعض الشطائر، وفاقت إسراء من شرودها على صوته، وتنبهت إنها قد طلبت له ذلك ليقينها إنه لم يذق الزاد منذُ إن أتى، فاستوت واقفة وهي تغادر مكتبها الصغير، قائلة:
_لا يا عم صبحي أنا هدخلهم ليه روح أنت.
وتناولت منه الصنية، وتوجهت إلى المكتب في توتر، ثم طرقت الباب ولم تلبث أن تذكرت إنه طلب منها الدخول دون إذن، ففتحت الباب ورفع بلال رأسه من فوق الأوراق التي أمامه متبسمًا، ونظر لما بيدها، قائلًا:
_بنت حلال أنا حقيقي هموت من الجوع كويس إنك طلبتِ حاجة.
فطافت شبه ابتسامة بسيطة على ثغرها، ووضعت الصنية أمامه، وهي تقول:
_طب كويس اشرب العصير وكمل شغل، مش هيضيع.
فالتفت إليها في حنو ورِفق، وقال:
_حاضر يا ماما.
وضحك في خفوت، مع تلك البسمة الملتوية التي ظهرت بزاوية فمها، وسمعها وهي تتمتم:
_ماما، أنا ماما؟!
ثم رمقته بنظرة غاضبة، وكادت أن تخرج، لولا إن نداها، قائلًا:
_إسراء، إيه رأيك نتغدا سوا انهاردة؟
فاتسعت عينيها على آخرهما وهي تصيح:
_أنت اتجنيت وإيه اللي هيخرجني معاك اصلًا، اما انت غريب.
وهم بالنهوض وإن يفسر طلبه، لكنها غادرت المكتب صافقة الباب في عنف وراءها، تشيعها ضحكة عالية ندت من بلال.
وقد راقت له شراستها؟!
وأحب قوتها.
منذُ إن استلمت العمل معه، وهي لا تسمح له بالتجاوز معها بالكلام إلا في حدود العمل عدا ذلك محال، لكنه سيصبر كي ينال ثقتها، سيحظى بها لا ريب ذات يومٍ.
اتكب بلال مرة أخرى في مراجعات الملفات التي امامه، وهو يرتشف من كوب العصير بعد ما تناول الشطائر، وبدا منهمكًا تمامًا ناسيًا نفسه لردحًا من الزمن، ثم تنهد في إرهاق وهو يسترخي في مقعده متراجعًا بظهره إلى الوراء، وقد أسبل جفناه لبرهة، وتذكرها..
كضوء ينبعث بغتة من غياهب الظلمات، فأتقد الحنين في قلبه ونهض واقفًا وراء الواجهة الزجاجية التي تفصله عن مكتبها الصغير، ووقف يتأملها وهي تقرأ إحدى الروايات في نهمٍ واندماج، وتنبهت كل حواسه وهو يرَ زميل لهما في العمل يقف أمام مكتبها، ونقر بسبابته على سطح المكتب ليجذب انتباهها فخرج من مكتبه في اللحظة التي كان الشاب، يقول مرتبكًا:
_آنسة إسراء ممكن لحظة من وقتك؟
رفعت إسراء بصرها إليه، واعتدلت في جلستها، وقالت ببسمة رقيقة:
_آه اتفضل طبعًا.
تنحنح الشاب، ودار ببصره في إنحاء المكان في محاولة للتشاغل، وقد استبد به الارتباك، فغمغمت إسراء في حذر:
_في حاجة اتفضل قول.
فغمغم في انفعال:
_كنت عاوز آخد معاد مع والد حضرتك، لإني.. لإني معجب بيكِ.
تبسمت إسراء في وجهه بانفعال، وغمغمت مرتبكة:
_آه.
واستجمعت شتات امرها، واسترسلت في هدوء:
_بصراحة مش عارفه أأقولك إيه، ولكن مقدرش اديك رقم بابا لإن….
قاطع بلال كلامها وهو يلج في غضب، هاتفًا:
_طلبك مرفوض يا أستاذ لإن ده مكان شغل واتفضل على شغلك ولو تكرر الموقف ده يبقى اتفضل من غير مطرود.
التفت له الشاب وحدجه شذرًا بنظرة غاضبة، ثم ألقى نظرة إلى إسراء التي وقفت شاحبة الوجه، ثم خرج وقد كسى وجهه الحياء من الموقف كله.
ما أن ابتعد الشاب عن مرمى البصر، دارت إسراء حول مكتبها، واقفة قبالة بلال بعينين تتقدان غضبًا، وقالت في ثورة:
_أنت مين أداك الحق ترفض مكاني طلب زي ده؟! هو أنت اللي هتتجوز ولا لأ، فـــوق انا مش إسراء بتاعت زمان، ولا إسراء الممثلة اللي هتسمحلك تشك في اخلاقها…
بتر استرسالها فيما تبغي، قول بلال الهاديء متسائلًا في استخفاف:
_تعرفي يا جُليبيب؟
فاتسعت عينيها ناظرةً له بنظرة مفعمة بالدهشة، قبل أن تضيق عينيها في حيرة..
لقد قرأت عن أبا بكر، عن عمر الفاروق، وعلي، وعثمان، وبعض الصحابة ولكن.. من جليبيب؟
فقالت بشغف وقد زال كل غضبها:
_مين جليبيب.
فتبسم بلال تلك البسمة التي تسلبها قلبها، وكأن قلبها قد انقبض وانبسط، وانتفض وارتجف، وهي ترهف السمع مع همسه العذب:
_جُثث تملأ المكان، لا تكد القدم تخطو خطوة إلا وجثة تعيق طريقها، جرحى في كل الأنحاء، رجالٌ منتشرة يفتشون بين الموتى ليدركوا من ذا قد غادرهم، انجلت المعركة بنصر المسلمين…
بنصر دين الله..
أن الله دائمًا ناصر دينه..
ناصر الحق..
وها هو ذا رسول الله يجول بين أصحابه، متسائلًا:
_أتفتقدون أحدًا.
فيجيبوا الصحابة:
_لا يا رسول الله لا نفتقد أحدًا.
فيطوف بصر رسول الله بين الوجوه، ويقول:
_ولكني أفتقد جليبيًا.
جليبيب ذاك الشاب الدميم، الذي لم يفتقده أحد لم يذكره إلا رسول الله فيا لهف قلبه، ولهف قلبي لذاك الفقد، طوبي لجليبيب والله هنيئًا له.
عسانا نأتي يوم القيامة، فيتفقدنا رسول الله، يسألُ أين فلان؟ لقد كانت تبلغني صلاته.
أين فلان فقد كان يحبني فـ الله ولم يرآني؟
تظنُ أن العالم ينساك؟! وقد كان جليبيب يعتقد ذلك وهو الذي دون أهل او صديق يسألُ عنه، فإذا بالله سبحانه وتعالى يجعل نبي الرحمة..
السراج المنير..
النبي المرسل..
الصادق الأمين..
محمد بن عبد الله يسألُ عنه، يفتقده إذ غاب
ينتشروا الصحابة باحثين عن الحبيب جليبيب، فيجدوا قد قَتل سبعة من المشركين وقُتل، أُخبر رسول الله بذلك وتوجه النبي وبعينين تمتلأن حزنًا لمرآه جليبيب صريعًا، يقول:
_قتل سبعة ثم قتلوه هذا مني وأنا منه هذا مني وأنا منه.
من يدرِ ربما يظن المرء نفسه منسيًا وله رب لا ينساه أبدًا، ربما يأتي يوم القيامة بسيئاتٍ كما الجبال تدخله النار، فيشفع له رسول الله قائلًا هذا مني وأنا منه.
يا حظ جليبيب وهو من الرسول والرسول منه.
يا فرحة قلب جليبيب وحتى ولو لم يسمعها.
هذا مني وأنا منه.
كأنه يخبرهم إن له أهل هو أهله..
فلا يقولون ليس له أحد..
(هذا مني وأنا منه)
يا الله تُرى كم كانت ستبلغ فرحة جليبيب لو كان حيًا وسمعها، كيف سيغدو على بيته، وتغمض عيناه، كيف سيسكن قلبه عن الخفقان بعد الآن.
جليبيب منا ونحن منه..
نحبه حتى ولو لم نراه.
أنهىٰ بلال روايته، وتطلع فيها بصدقٍ بعينين تمتلعان بالحنان والوَجد، وهمس برفق:
_وأنتِ مني وأنا منك.
جف الدمع من عيناي إسراء مع قوله الذي اخترق قلبها فذادت نبضاته، وزاغ بصرها عن عيناه في حياء، وعلاها الأرتباك، فجذبت حقيبتها ولملمت أشياءها سريعًا واسرعت تغادر المكتب، ولم يحاول هو أن يمنعها، كان وقت الدوام قد انتهى، وهو قد عاهد نفسه على الصبر والمثابرة، سيسبغ عليها من بعيد بآمان قلبه، سيكون تميمة تحفظها من غدر الأيام وأن أبَت.
مذ رآها وأصبحت جواره، تهاجمه، وتثير غضبه، وتسحق عاطفته، وهو كمن بات يعشق من جديد، تخلب لُبه إن حضرت، وتسلب قلبه أن غابت..
ويا ويح قلبه في غيابها.
غادر المكتب فرآها تحاول إيقاف سيارة أجرة، فوقف بجانبها، قائلًا:
_تعالي أوصلك في طريقي.
فرددت دون أن تتظر إليه:
_لأ، شكرًا.
لكنه ألح، قائلًا في اهتمام:
_قُلت تعالي، واعتريني السواق يا ستي، مش أحسن من الغريب.
لكنه صدمته عندما التفتت إليه، قائلة بقسوة:
_ما أنت برضو غريب.
جفوة سحيقة تلك التي سببتها عبارتها، فأشار إلى سيارة أجرة توقفت أمامهما، وفتح بابها لها، فأسرعت تلج بداخلها هربًا من جرحٍ سببته بكلماتها، أرادت مداوته لكن أبى عقلها ذلك، ففرت لتصبح في منأى عن عيناه المعاتبة.
وعتاب الحبيب على حق.
أسندت رأسها إلى نافذة السيارة، وقد انسابت دمعة على وجنتيها..
لماذا عاد القدر يجمعهما؟
لمَ كلما حاولت أن تنساه عاد يخترق ويستقر في قلبها بقوة؟

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية احببت متهم الفصل الثامن 8 بقلم نهلة ايمن (الرواية كاملة)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top