كان بلال منطلقًا بسيارته في طريق العودة إلىٰ منزله، ينبعث داخل السيارة (القرآن الكريم) بصوت (عبد الباسط عبد الصمد) صوت أرسل في نفسه كل الإرتياح، وأخذ يُردد الآيات مع الشيخ في موجة من الخشوع، عندما رن هاتفه وكاد يتجاوز عن المتصل وهو في غمرة نشوته وارتياحه، لكن الرنين أخذ يدوي مرة أخرى في إصرار، ولم يكد يرى اسم إسراء تضيء شاشة الهاتف حتى اخفض من صوت المذياع، وأجاب في اهتمام:
_السلام عليكم …
ابتلع باقي إلقاء السلام مع أنينها ونحيبها ونشيجعها وهي تهتف بكلمة فقط لا غير:
_بلال، الحقني الحقني يا بلال بابا بيموت الحقني.
فزوى ما بين حاجبيه وهو يضغط كابح السيارة لتتوقف في عشوائية، وسمع سباب ساخط من سيارةً ما كادت أن ترتطم بسيارته لم يعره اهتمامًا، وهو يهتف في انفعال:
_في إيه اهدي مال بباكِ؟ إيه اللي حصل؟
صمت يستمع لبكاءها، قبل أن ينبعث صوتها الباكي من جديد:
_أنا مش عارفة أعمل إيه؟ بابا بيموت!
فغمغم وهو يدير عجلة القيادة عائدًا:
_طيب طيب اهدي الاول أنا في الطريق، متقفليش خليكِ معايا.
وانطلق بأقصى سُرعة، قلبٌ خافقٌ كان يدق في عنفٍ بين جوانحه، قلقٌ استبد بقلبه، وشهقاتها كانت تمزق أوتاره، وقد خُيل إليه إن المسافة تتسع شيءٌ فشيءٌ والطريق باتَ بعيدًا على غير العادة
ما له يسمع دقَّات قلبه تكاد تخرج من صدره إليها؟!
متى أحبها كل ذاك الحب؟
ها هو ذا أخيرًا يتنفس الصعداء، ويغادر سيارته في لهفة تاركًا بابها مفتوحًا دون وعي أو إدراك، وصوته اللاهث يقول لها على الهاتف وهو يرتقي الدرج ركضًا:
_أنا وصلت أهو لحظة بس وأكون عندك.
عَبر مع نهاية عبارته باب (الشقة) الذي كان منفرجًا، وتتبع صوت البكاء، ليقف متسمَّرًا وهو يراها تضم رأس أبيها في حِجرها، وتهذي بكلمات لم يفهمها، ولم تصل إليه لخفوتها، لكن حركت شفتيها أعلمته بها، هرع ينحني على والدها ليتأكد إنه يتنفس.
وقال متسائلًا:
_إيه اللي حصل؟ ماله بباكِ؟!
ربما هدؤه استوطن فؤاده عندما رآها بخير، فخرج سؤاله صارمًا لا يوحي بما يعتمل داخله من انفعالات، بينما همست هي بعينين ضائعتين ومن بين شهقاتها:
_هشام كان هنا …
قاطعها وهو يلتفت إليها، مغمغمًا:
_مين هشام ده؟
_مش وقته خلينا نطمن على بابا وهحكيلك كل حاجة.
انحنى بلال على أبيها و وضع يمناه أسفل رأسه ورفعه لأعلى وهو يهتف فيها بعمق:
_قومي ساعديني.
فهبت واقفة وساندت والدها معه، حتى جعلوه في السيارة، التي انطلق بها بلال مبتغيًا أقرب مستشفى.