(ها حابة تروحي فين؟)
تساءل بلال وهو يقود السيارة، فدارت إسراء رأسها إليه قائلة دون تفكير:
_على الكورنيش!
قطب بلال حاجبيه وسألها متعجبًا في استنكار:
_الكورنيش؟
فـ أومأت إسراء برأسها، وقالت متبسمة في رقة:
_آه عايزة أروح هناك.
وأتبعت تقول في حياء وهي مطرقة الرأس:
_من يوم ما عرفتك ونفسي أوي أروح معاك هناك.
تبسَّم بلال ولم ينبس ببنتِ شَفة، وغشاهما الصمت طول الطريق، حتى أوقف سيارته في المكان المنشود، وترجل في هدوء ودار حولها فاتحًا الباب لـ إسراء التي غادرتها بدورها في توتر ملحوظ، وسارت بجانبه في صمت، لم يكن أيًا منهما يدرِ ما يقول!
وإن قال، فكيف يبدأ؟
ورافقهما الصمت طول المسير بمحازة سور (النهر) إلا من تحركات بلال حولها فإذ مر شاب من جوارها لف حولها ليسير من جهته، أو احاطها بذراعه وهذه الحركات البسيطة كانت كفيلة بجعلها تغرد كعصور تحرر من قفصه..
بجعلها تشعر إنه تميمة تحاوط أحبتها..
أو كوكبًا يدور حول أفلاكه..
وصلت إلى انفها رائحة الذرة المشوية، فألتفتت إليه، قائلة:
_بلال، عايزة أكل ذرة.
رفع بلال إحدى حاجبيه مندهشًا، وردد:
_ذرة! بس كده؟
اومات في صمت، فذهب ليبتاع لهما كوزين من الذرة ويعود إليها، جالسًا على حافة السور، بينما ظلت هي واقفة، وشردت ببصرها وفكرها على صفحة المياه الراكدة، وألتمعت الدموع بغتة في عينيها، وقالت بنبرة كأنما تخرج من أعماق تائهة دفينة:
_تعرف يا بلال…
نظر إليها بلال في انتباه وهو يأخذ قضمة من حبيبات الذرة ويلوكها في فمه مضيقًا عينيه في تساؤل، فـ أردفت في هدوء وهي تقلب كوز الذرة دون وعي:
_دلوقتي بس حسيت إني عايشة فعلاً، صدقني الفلوس الكتير والعُرى دا مكنش ولا حاجة قصاد سعادتي دلوقتي وراحتي..
قاطعها بلال قائلًا في إنفعال:
_مش عاوز اسمع اي حاجة عن حياتك اللي فاتت كله ماضي وتنسى فبلاش تتكلمي فـ اللي فات أحسن.
هزت إسراء رأسها وتقابلت عيناها الدامعتين بعيناه وهي تهمس في صوتٍ شبه باكٍ:
_الماضي عشان يتنسى لازم ذكريات تمحيه، وعشان اعمل ذكريات جديدة لازم اتكلم، لازم اطلع اللي جوايا.
أشاح بلال بصره عنها، وأصغ سمعه، وهي تضيف:
_الكل بيحسدني على كل اللي كنت فيه من مال وشهرة ونجومية، مفكريني كنت عايشة فعلاً..
صمتت تهز رأسها بضعفٍ وهي تستأنف:
_أنا فعلاً كنت عايشاها عارف شعور إن تكون نجم كاميرات حواليك في كل مكان، الناس متحلمش إنها تشوفك إلا في التلفزيون، الكل محتاج موعد ومعجزة عشان يقابلك؟! دا شعور بيخلي الإنسان بيحس بالكِبر والزهو.
ولت ظهرها للبحر واسندت ظهرها على السور، وهي تدفن وجهها بين كفيها متابعة:
_إنك بتلبس أغلى لبس وأحسن لبس وافضل خامات وأسوء أقمشة وكله عادي اللبس المكشوف عادي، الشعر المكشوف عادي، خروجات إلى أغلى وافخم الأمكان، سفر لأي حتة عادي ما هي فلوس، كله كان بيحسدني على ده، بيقولوا يا بختها عايشة حياتها ومعاها فلوس كتير تقدر تعمل اللي هي عايزه، كله بيحسدني إني بضحك ومبسوطة مفكرين من قلبي بس لأ..
شهقت فجأة لكنها لم تسكت، بل أكملت في حرقة:
_لو يعرفوا شعور الراحة والسعادة اللي أنا حاسهم دلوقتي مكنش حد حسدني على اللي عشته زمان، لو يعرفوا معنى لذة السجود كانوا حسدوني عليها، لو يعرفوا معنى الحب الحقيقي مكنش حد أهتم بجمع الفلوس وفضل طمعه عاميه، أنا معاك عرفت يعني إيه حياة؟! يعني إيه أمان وحب واحتواء؟! يعني إيه حد يخاف عليَّ ويقولي ده صح وده غلط حد يوعيني..
كتمت شهقاتها وكلماتها عندما وجدت قبضته الحانية تجذبها من ذراعيها ويضمها إلى صدره في حنان، ثم أبعدها ملثمًا جبهتها بعاطفة، وضم وجهها بين راحتيه، وهو يهمس:
_أنسي إسراء الممثلة، أنتِ دلوقتي واحدة تانية، إسراء اللي زيها زي اي حد من حقها تحب وتتحب من غير ما حد يكون مراقب خطوتها، من غير ما تصحى كل يوم وتلاقي الجرايد والصحف والمجلاّت بتكتب عنها، أنتِ دلوقتي مراتي وبس.
لم تكن واعية لما يقوله كانت مذهولة من قربه، وبينما هي مطرقة الرأس، قالت وهي تسبل جفنيها وتضم كفيه براحتيها:
_أنا خلاص نسيتها ومش هفتكرها تاني، هفتكر بس إني إسراء مرات بلال أنا.. أنا معاك بتعامل بتلقائية غريبة لدرجة اوقات ببقى مستغربة نفسي ممكن عشان بحبك.
تبسَّم بلال من تصريحها، ثم راعه إنها ابتعدت في عنف، تفرَّ منه باحثةً بعينيها عن شيء لم يعرف كنهة لثوانٍ حتى قالت:
_هي الدرة بتاعتي فين؟!
فتعالت ضحكاته في مرحٍ، وهو يناوله لها، قائلًا:
_اهو محدش خده، لما تحبي تهربي مني مرة تانية أبقي دوري على حاجة تقنع..
وضحك مجددًا بضحكاتٍ امتزجت بضحكاتها الخجلة، خيم عليهما الصمت مليًا، بددته إسراء وهي تقول في تذكر عابس:
_بلال، أنت ليه كنت بتقول عليَّ إني بلوة..
وتذكرت يوم إن قال لها (لإنك بلاء مش بيسيب صاحبه) فرددتها على مسامعه وهي تغمغم في حَنَق:
_أنا بلاء بالنسبة لك يا بلال؟!
أستدار لها بلال برأسه فلانت ملامحها العابسة مع نظراته الثاقبة المتمعنة، وقال وهو يلتقط كفيها في راحتيه بحنوٍ:
_إن كان لكل ابتلاء عوض زيك فيا مرحبًا بكل الابتلاءات.