اللهم صلِّ وسلم وبارك على نبينا محمد ![]()
جلس بلال بجانب أمه بعدما لثم كفها بكل حنان واحترام، قائلًا في هدوء:
_ماما، أنا عايز استشيرك في حاجة؟
فرفعت الألم كفها، ومدت يدها تتلمس الطريق لوجهه، وتحسسته في حنان، وهي تقول:
_قول يا بني لعله خير يا حبيبي.
رمى بلال نظرة متوترة إلى أخيه عمرو المنكب على دروسه، وقال بعد تنهيدة عميقة:
_ماما، بصراحة أنا قررت أتجوز.
صمت، ولم تنبس والدته كأن الموضوع فاجئها، ثم تهللت أساريرها، واستدركت في تبسم حنون:
_دا يوم المنى يا حبيبي، بس.. بس أنت لسه مخصلتش شقتك؟!
مسد بلال جبهته بارهاق، وقال في هدوء:
_هنتجوز ونقعد معاكِ هنا أنتِ وعمرو وهجهز الشقة بعدين.
ثم اتبع يقول في مرح:
_ولا أنتِ مش عايزنا نقعد معاكي؟
ضربته والدته بخفة على وجنته، وهي تقول من بين ضحكاتها:
_تقعدو جوة عيوني يا حبيبي لو مشلكمش البيت.
نهض بلال مقبلًا عينيها، بينما هي تهمس:
_إسراء صح؟
فازدرد بلال لعابه وهو يهز رأسه، قائلًا:
_ايوا.
كانت تدرك بأمومتها إنها هي ومن غيرها قلب حياة ابنها وبدلها؟!
ابنها لم يعد هو.
به شيئًا تغير..
لم يعد يؤذن في الجامع!
كف عن تحفيظ أخيه وأبناء الجيران..
وما خُفى كان أعظم..
لا تدري أتفرح إنه تدارك نفسه وأراد أن يسير على الدرب الصحيح؟!
أم تحزن إن إسراء فتاة لم تتمناها لابنها يومًا؟!
طرقٌ عنيق أفزعهم، وجعل بلال يثب من مكانه ويندفع إلى الباب يفتحه في لهفة، ليُطالعه وجه سهير الدامي، فتراجع خطوة في ذعر، وأطل غضبٍ هائل من عينيه وهو يُردد:
_عماد اللي ضربك؟
وندت عن أخيها الصغير الفاغر فاه، شهقة جزع وهو يغمغم:
_سهير؟! حصل لك إيه؟
واندفع يضمها في قوة كأنما يريد أن يحميها، بينما غمغم بلال وهو يجذبها للداخل مغلقًا الباب:
_إيه اللي حصل؟
توقع ردًا منهارًا، أو بكاءٍ حار، أو أن ترتمي في حضنه وتبثه ما حصل، لكنها غمغمت في برود:
_عِماد ضربني واستنيت لما طلع من البيت وجيت على هنا.
فضغط بلال على ذراعها وهو يسألها في قسوة:
_ضربك ليه؟
فضحكت سهير هازئة، وقالت وهي تنظر له بعجزٍ مزق نياط قلبه:
_ضربني ليه إيه؟ قول كام مرة ضربك؟ كام مرة هانك؟! كم مرة زلك؟! كم مرة هددك متشفيش أهلك..
ثم شهقت في عنف باكية وهي تصيح:
_طقلني منه يا بلال انا آسفة عشان وفقت عليه رغم إنك حذرتني بس طلقني منه.
شهقت أمها باكية بفؤادٍ مكلوم، بينما استوحشت عينا بلال، وهو يجز على أسنانه، ثم تركها وركض إلى الخارج مستشيطًا غضبًا، متميزًا غيظًا، ونيران الحقد تغلي كالمرجل في صدره.