يا ليتها تعود تلك الحياة البسيطة قبل أن يفرقهم الواقع بحواجز الحساسيات الاجتماعية والمادية والطبقية .
عاد بيت جابر أمام عينيه إلى شكله الفخم الحديث ليوقظه من خيالات الماضي .. فأطرق برأسه وواصل سيره إلى داخل الشارع متسائلا ..
أعليه أن يقبل بتلك الوظيفة التي يعرضها عليه جابر وهو أكيد بأنه يعرضها عليه شفقة وصدقة ؟ ..
إن الأمر يشعره بالإهانة .. يشعره بأن الزمن قد أذله ليعمل في النهاية عند جابر .. إنه لأمر يشق على نفسه ..وأخلاق جابر الطيبة لا تعطيه فرصة لأن يكرهه .. وهو يحتاج لأن يكرهه .. يحتاج لأن يجد شماعة يعلق عليها فشله وإحباطه وشعوره بالغبطة تجاهه.
سحب نفسا عميقا ثم زفره بقنوط مستمرا في شروده..
إنه لا يفهم سوى في الآلات و ميّكنات الغزل والنسيج .. لم يتعلم حرفة في حياته .. ولم يرث أرضا من أجداده .. لقد قضى عمره يعمل في مصنع الغزل والنسيج .. وترقى من عامل على ميكنة حتى صار رئيسا للعمال .. وتحمل خسارات المصنع على مدى سنوات بعد وفاة صاحبه وإدارة الورثة له على أمل تحسن أحواله .. حتى انهار المصنع وأفلس وأعلن مالكوه اغلاقه وبيعه .. فبيع لأحد الأثرياء ليهدمه ويقيم مكانه بناية حديثة ضخمة سعر الشقة فيها بمبلغ مخيف لأمثاله .