حين وصل للبيت الذي يقع في آخر الشارع وكأنه يسده .. بيت الشيخ زكريا قديما تذكر كيف كان هذا البيت قبل ثلاثين سنة وقبل أن يجدده أبناء الشيخ .. ورآه رحمه الله يجلس أمام ساحة البيت وهو يمسك بعصاه ويتوعد بها بدير الذي كان يتغيب كثيرا عن حضور حصص الكُتّاب ولا يحفظ ما يطلب منه من القرآن ..
ترحم على الشيخ زكريا وانعطف يمينا إلى ذلك الشارع الضيق يتساءل في حيرة ماذا سيفعل في حياته .. أعليه أن يقبل بوظيفة موظف كاشير أو ساعي في مكتب ! .. إنهم لا يعينون في الوظائف الأرقى إلا ذوي الشهادات العليا وهو لا يحمل سوى شهادة متوسطة .. ولا يوجد مصنع أخر للنسيج في كل المحافظة .
لمحته نصرة آتيا .. فأسرعت بإغلاق النافذة وهي ترفع يدها إلى فمها تقبل ظاهرها وباطنها تشكر ربها على عودته سالما .. قبل أن تسحب الغطاء فوقها على تلك الأريكة القديمة في غرفة المعيشة وتحشر فيها جسدها الممتلئ وتتصنع النوم .
حينما سمعت صوت الباب احمرت وجنتيها تلقائيا وهي ترى من بين رموشها خياله من بعيد على باب الغرفة يتطلع فيها .. لقد قررت أن تعاقبه وألا تنام معه اليوم في نفس الغرفة ..
بلع هلال غصة حين رآها تنام على الأريكة .. فاقترب بهدوء شبه متأكد بأنها مستيقظة .. فهي لا تنام إلا بعد أن يعود .. ووضع بجوارها على منضدة قريبة منديلا قماشيا ملفوفا واستدار مغادرا .. نحو الغرفة التي هجرتها .