رواية مولاي سمعا وطاعة كامله وحصريه بقلم رؤي صباح مهدي
بهويتي ولعنتي وانتقامي وحبي اليك اسر
وقياس شوقي لعينيك لايكون كما البشر
فالاسوياء تناغمت أعمارهم وطوارق الأيام قد ارهقت هذا العمر
أبخاتم ماسي نختتم الفراق؟ كلا فقلبي في سقر
نار اهمت كاهلي حتى انكوى منها الفؤاد ويوما لم يسر
شربت بكأس الحب حزن الاقدمين فويل كأسي لاعلقم منه أمر
مولاتي اني اشكو اثقبا في خافي وهذا كل ما في الامر
داويها او اتركيها لا يهم فاللوعة المسكونه لن تندثر
ما مرجع صفو الجنان احقاده وفيه وصب مستقر
ولا انتقامي ولا هيامي ولا حتى الليالي اللائي فيهن افنيت عمري سهر
صه لهذا النوح مازالت مجالسه العقيمة تنعقد في الروح نار تستعر
اوتعرفين بلاسم الاوجاع خابت كلها حتى انكفي مني مبعض وانهمر
خذي بعض ويلات الفؤاد تبادلا بحب فيك مستمر
أ توافقي مولاتي ان كان ممكنا بجوارك اقضي العمر
يا برعما فواح عطره ناديا ان قسوت في حبي عليك فاعتذر
هذي الحياة قد علمتني قسوةً وبقسوةٍ صار الظفر
اقارع الدنيا بويلاتها فتصرعني بظلم اسود وأشر
هربت منك كي احيا فاذا به سر الحياة ان اليك المفر
هيهات تركك ما كان يوما غايتي ووصالك فيه الثمر
كتابة رؤى صباح مهديالفصل 1
قلب غاضب
قبل عدة سنوات..
في غمرة الغضب التي اكتسحت الامير الشاب… ويليام ذا ال17 عاما ركب حصانه وخرج ليفجر جام غضبه على عمه الملك بعيدا عنه كي لا يفقد راسه في دوامة اغتياظه.. بدأ كل شئ قبل عدة سنوات ولكنه لم ينتهي ابدا حتى يومنا هذا وانضم الى الصراع اجيال من هذه العائلة بعضهم فقد راسه في خضمه. وبعضهم الاخر استسلم خوفا على عائلته والجزء الاخير يناضل سرا في اروقة غرف العبادة داعيا للحصول على ما يعتبره حقة بالولادة.
وويليام لايريد الا العرش ولن يرتاح حتى يحصل عليه. توقف قرب شجره عامره بالورق ونزل عن الحصان الذي يمتطيه ثم اخرج سيفه من غمده وصرخ:
“لن اتركك تاخذ مني ما هو لي”
ثم ظل يطعن الهواء بجنون كانه يقاتل احدا غير مرئيا الا له… سمع صوتا لطيفا لكنه ماكرا في نفس الوقت يقول له:
“مولاي… ماذا تفعل؟”
استدار ليرى امامه فتاة غاية في الجمال تلبس ملابس الغجر ولكن بطريقة انيقه رغم بساطتها.. تنظر له باحترام كانها تعرف من يكون وليس هذا فقط بل انها انحنت له تحييه كانه الملك فسألها بعدوانية وهو يلوح بسيفه ناحيتها:
“من انت؟”
ردت عليه بمكر :
“انا من سينفذ لك ماتريده بشدة”
ضيق عينيه ورفع راسه وهو يدرسها وما تقوله بحذر شديد فقد تكون جاسوسة من جواسيس عمه الملك فتوقع به ويكون مصيره القتل في النهاية.. قطعت عليه لحظة تأمله وتهافت حذره وهي تردد:
“التاج من حقك… وهو لك بشرط واحد”
صاح فيها بغضب وهو لايزال يلوح بسيفه ناحيتها:
“هل تجرؤين على الحديث معي بهذا الشكل… ساقطع راسك لو شئت”
ضحكت وردت:
“ولكنك لن تشاء … اليس كذلك؟… بل انت تريدني ان اخذ بيدك واخبرك بمستقبلك وما سيحصل لك… “
تنفس قليلا وهو يقول لها:
“هذه شعوذة… الاتعرفين عقوبة ذلك … نحن نحرق الساحرات على العيدان في هذه المملكة”
اقتربت منه بمكر وردت:
“لست ساحرة يا مولاي.. انا فقط ارى في الورق وهذه هبة لا يملكها الا القلة القليلة… اعطاني اياها سيدي كهدية لي”
همهم وهو لايزال يدرسها بحذر :
“من هو سيدك هذا؟”
ردت وهي تصل بهدوء الى مبتغاها:
“قوي جدا.. انه محقق الرغبات .. سيساعدك في ما تسعى اليه بشرط واحد وهو ان يمتلك روحك..”
فتح عينيه على وسعهما وهم باهانتها وهو يصر على سيفه فقالت لتهدأه:
“دعك من هذا يا مولاي… ففي النهاية يجب ان تعطي روحك بكامل رغبتك والا لن تحصل على ما تريده… اعطني فرصة لاثبت لك جدارتي “
كان مترددا ولكن فضوله حسم الموقف. اراد ان يعرف كيف سينتهي به الامر فرد عليها:
“اخبريني ايتها العرافة عن مستقبلي ولكن حاذري فسيفي حاد جدا “
بابتسامة جانبية اخرجت صندوق صغير بنقوش غريبة.. شيطانية وغامضة فتحته بعد ان جلست على العشب واخرجت منه ورقا وقالت له:
“لنبدأ”
قالتها وهي تعرف جيدا ان بعد ان تنهي قراءة الورق له.. لن يفكر ويليام مرتين بعرضها..
—-
الان
كانت الغرفة فارغة الا من كرسي وثير ذا بطانة باللون القرمزي وخشب فاخر ذهبي لامع. طاولة عليها أوراق التارو مرسومة باليد بدقة بالغه وبشكل يجذب النظر فور ان تقع العين عليها.. متكدسة الواحدة فوق الأخرى والعرافة ممتلئة الجسد -لاتزال عليها علائم الجمال الغجري واضحة جدا – تضع يدها على الطاولة تنتظر بصبر بالغ حضور من دعاها الى القصر. باظافرها الطويلة المحدودة كانياب النمر بدأت تطرق على الطاولة الاصبع تلو الاخر وهي تنظر بجدية الى الباب الموصد والغرفة الفارغه .. انفتحت الباب ودلف منها حارسان يمسكان باحكام بحربة طويلة بيد وباليد الأخرى مقبض باب من البابين الكبيرين اللذين انفحتا. وبعدهما دلف الرجل..
الملك ويليام.. اكثر رجل تخافه المملكة وتقدسه… استدعى اليوم قارئة الحظ خاصته لتخبره بما جهله على مدى ال5 سنوات الأخيرة …. ما اقض مضجعه وجعله يلغي رحلة من اهم الرحلات لتأمين حكمه وتوسيع مملكته.. ضرب برجله على الأرض واقفا امام الطاولة وكالعادة لفت انتباهه الأوراق المرصوصة برسماتها الغريبة فظل يطالعها لدقيقة ثم قال:
“هل ستخبريني هذه المرة ام ستستخدمين حيلك القديمة ايتها العرافة؟”
ابتلعت ريقها ونظرت الى قامته الطويلة بخوف ثم اجابت بثقة مفتعله:
“مولاي.. انا لست سوى قارئة للحظ… انت تختار الأوراق وانا اقراها لك بكل امانة”
اثارت كلماتها شيئا من الغضب في نفسه لكنه اعتدل وقال:
“لا تختبري صبري ايتها اللعينة… انا اعرف جيدا انك تعرفين اكثر مما تقولين فلماذا لا تخبريني؟ اخبريني من يكون ذلك الوغد الذي يريد تدميري”
اثارت صرخاته الرعب في نفسها.. ولكنها في نفس الوقت كانت تعرف ان ويليام لن يؤذيها ابدا.. مدت يدها بالاوراق وقالت بصوت متذلل:
“اسحب يا مولاي.. 3 أوراق فقط لاجيبك على سؤالك المحدد الذي سالته”
سحب على عجاله 3 من الأوراق التي امامه ثم ظل واقفا ينظر لها تطالع الأوراق بنهم وحاجبيها يتحركان باضطراب. بللت شفتيها وقالت:
“ورقة الكاهن… تدعوك للصبر فمشكلتك يا مولاي ليست مع رجل سهل.. بل هو رجل خطير باع نفسه ولا يهتم بالموت… ورقة الشمس تشير الى مستقبل باهر سيكون فقط اذا اتممت صفقة تؤجلها.. هذه الصفقة يا مولاي هي ما سيضمن لك الاستقرار في المملكة… “
ثم ابتلعت ريقها لتكمل وهي تتلمس الورقة الأخيرة… برسوماتها البارزة المطلية بالذهب الخالص والمطعمة بالدم الأحمر.. أكملت بحذر:
“ورقة الشيطان… انت يا مولاي تطمح اما لاشباع ذاتك او تدميرها.. لا يوجد حل وسط… “
ثم بدأت بالارتجاف وعينيها انقلبت الى اللون الأبيض وبدأت شفتاها تتمتم بكلمات غير مفهومة… ليس للاذن العادية على الأقل… اهتزت الطاولة من شدة اهتزاز العرافة .. كانت كانها في صراع شديد تحاول ان تتواصل مع كيان اخر خارج حدود فهم الانسان… واستمر الامر لثواني بدت كانها ساعات على العرافة بعدها هدأ كل شي واسدلت راسها على كتفها وشعرها المشعث نام على وجهها.. وويليام ينظر لها بحركة دفاعيه متجهم وقد أصابه بعض الرعب… هذه ليست المرة الأولى التي يراها بهذا الشكل فقد شاهدها سابقا.. مرة واحدة فقط طيلة معرفته بها.. تتنبأ بهذا الشكل.. ولم يكن امرا جيدا… تلك كانت المرة التي قرر مالا رجعة فيه… تلك كانت المرة التي باع فيها روحه لسيدها واصبح بعدها ملكا!
صاح ويليام على احد الحراس القابعين خارج الغرفة:
“احضروا لي القليل من الماء فورا”
الا ان العرافة رفعت يدها بصرامة وقالت لويليام وهي تشير باصبعها السبابة والوسطى:
“لا داعي…. فقد عرفت كل ما كنت اريد معرفته… وأخيرا… “
اقترب منها ويليام بفضول ليعرف من الذي يريد تدميره وتدمير عائلته بهذه الضراوة.. استرسلت وصوتها قد اصبح اخشن من ذي قبل:
“انه لن يتوقف حتى يرى راسك وجسدك مفصولين محترقا على وتد… هذه كانت أحلامه في هذه اللحظة.. لقد دخلتها… في لحظة ضعفه التي كنت انتظرها يا مولاي… وأخيرا.. استطعت الولوج الى باطنه لاعرف ما ينويه… هو لايريد الحكم… لايريد خدمة الفقراء.. لايريد المال.. لايريد التاج… الشئ الوحيد الذي يريده هو تدميرك وتدمير عائلتك.. ولن يمنعه احد فهذا قدره وقد دفع ثمنه مسبقا… لقد رايته بام عيني يفعلها…”
وتقطعت أنفاسها كانها تسلم الروح وبدأ العرق يتصبب منها غزيرا وويليام ينظر لها مشدوها.. ليس ذلك الملك الصارم الذي يهابه الكل بل رجل يرتجف امام عرافته الواثقة. لم يرها في حياته واثقة بهذا الشكل .. سالها:
“من يكون؟؟ من هو؟؟ اخبريني”
نظرت له بعيونها ذات الكحل الغجري الأسود والذي تساقط بعضه على خدها لتجيب بانفاس متقطعه:
“لقد اخبرتك يا مولاي… اذا اردت ان تحكم سنين طويلة مزدهرة يجب ان تقتلهم جميعا.. كل نسله يجب ان يباد… كلللللللله… اذا كبر أي واحد منهم.. ذكرا او انثى.. لن يتركوك.. سيكون قدرهم تدميرك.. “
صرخ بها ويليام بذعر:
“مستحيل… لقد قتلتهم .. جميعا… ذلك المجرم لقد مات.. وعائلته الخائنة .. ماتوا كلهم. “
ثم امسك بزنديها وبدأ يهزها صارخا:
“اعطيني اسما… اين يسكن..”
اجابته وهي خائرة القوى:
“انت تعرفه جيدا… لقد شممت رائحتك على جسده.. رايت دمك في شرايينه.. لا يبقى في مكان واحد لاكثر من ساعه.. يعيش كالظل اسمه.. جونثان… انت من اسماه.. هل تتذكره الان؟”
تراجع ويليام للوراء في لحظة تذكر مخيفة.. مستحيل… مستحيل حافظ على رباطة جأشه الملكية ثم قال لها محذرا:
“لا الاعيب ايتها العرافة”
ردت بصدق:
“وهل لعبت معك أي الاعيب يا مولاي طيلة السنوات السابقة؟”
تنفس بغل وظل لدقيقة لا يستطيع الحراك يفكر كيف لشبح من ماضيه ان يعود من جديد من ارض الأموات حيث دفنه وتاكد من الامر بنفسه.. بدا على وجهه التفكير العميق وعدم التصديق لما قالته العرافة له فقد تكون قالت له الأكاذيب فقط لتحصل على كيس الذهب الموعوده به بعد كل زيارة لقصر الملك.. قد تكون قالت اسم جونثان فقط لانها تعلم جيدا ان هذا الاسم سيهزه وسيخيفه كثيرا ان سمعه.. لقد قالت له قبلا اذا أراد ان يكون ملكا ويحتفظ بالحكم له ولاولاده فيجب عليه ان يقتلع عائلة أبن عمه من جذورها .
خرجت العرافة لتعود الى بيتها البعيد في الغابة حيث هناك تجد السكينة والحماية من الملك… والخصوصية كذلك لتمارس اعمالها المشبوهة بينما ظل ويليام مثقل الراس واضح عليه تشتت الأفكار من الجميع وبالذات من مستشاريه الكبار الذين تنبهوا لامره..
—
في ركن مظلم … بيت صغير ينقصه الكثير من مستلزمات الحياة استيقظ جونثان فزعا يرتجف .. لقد شاهد وجه العرافة الحقيقي في نومه. تتلصص على روحه بوحشية تنتزع الاسرار منها انتزاع.. على كرسيه الخشبي الذي غفى عليه ظل واجما يرسم وجها للوحش الذي اغار عليه في نومه. يستجوبه فلا يقدر الا على الإجابة.
وهو يجد نفسه مجبرا على الجواب لا حيلة بيده.. لقد كان ضعيفا… ثم هتف:
“عليك اللعنة يا ويليام.. انت وعرافتك المهرطقة”
ثم اسند راسه على مسند الكرسي الخشبي وعاد الى ماقبل النوم.. لحظة ضعفه المقيته التي جعلته ضعيفا امام استجواب تلك المشعوذة..
جميلته الشقراء بلون الثلج الصافي .. لعنة حياته.. انصهاره وجموده.. لن يتركها ابدا تكون لحظة ضعفه . ابدا.. لن يتركها تؤثر على هدفه. بل ستكون هي الأولى.. راسها سيقطع أولا ثم راس والدها. لن يترك عينيها الخضراوين تأسرانه من جديد.. ولا ملمس شعرها الناعم يغريه ..
ثم بدأ لا اراديا يتلمس أصابعه السبابة والابهام كانه يمسك بخصلات شعرها الذهبية كما تعود دائما ثم رفع أصابعه قربها من انفه وبدأ يستنشق عطرا غير موجود… ابتلع ريقه وترقرق الدمع في مقلتيه وهمس:
“يا نقطة ضعفي الوحيدة… لن ارحمك انت أيضا”
ثم كانه رمى شيئا من يده نكث كفه في الهواء ونهض ثائرا على ذكرياتها الدافئه. ولكن ان اجبر عقله على عدم التفكير بها كيف سيجبر انفه على عدم استنشاق عطرها الملائكي.. اجبره دخول اعصاري عليه على استدارة كاملة لرقبته ليرى من وبحذره المعتاد تأهب للهروب من النافذة المغلقة بجواره. همهم بارتياح بعد ان رأى وجها يعتبره صديقا:
“حقا يا ابراهام ؟؟؟؟ هل عليك ان تدخل علي بهذا الشكل كلما تواجدت في منزلكم؟”
ابراهام حدجه من طرف عينيه الغاضبتين وأجاب:
“انت تعرف جيدا يا جونثان انني اكره تواجدك هنا”
لم يجب جونثان بل استمر بالتحديق بابراهام وهو يضع على طاولة صغيرة بعض الحساء والخبز ثم اطلق ضحكة استهزاء قبيل خروجه وقال:
“ليت اخي يفهم يا جونثان … ما تسعى اليه سيدمرنا جميعا”
تحولت نظرات جونثان اللامبالية الى الجدية وبعض الغضب تساقط من عينيه وهمهم:
“ابراهااااااااام .. متى ستفهم انت انني الوريث الشرعي للعرش… لقد قتل ويليام عائلتي وسرق ذلك الحق…. انا الملك الحقيقي لهذه المملكة والرب قد اختارني لهذه المهمة… “
هز ابراهام راسه بعدم حيلة وقال كلمته الأخيرة:
“جونثان… انت بالنسبة لي صديق قديم.. ولا اعرف ما انا بالنسبة لك… ولكن … ارجوك لا تضيع ماتبقى من حياتك تحمل غلا في داخلك لا تستطيع معه العيش بسلام… انظر الى حالك… لا بيت لا عائلة لا حياة … الملك يتصيدك ويحضر العرافات والسحرة ليجدوك او ليعرفوا شخصيتك… اتباعك يقتلون يوميا.. دع عنك هذا الحمل فالاحقاد ليست سوى احمال تثقل ضمائرنا وقلوبنا والانتقام يا جونثان… دع الرب يتكفل به”
لم يجبه جونثان بل ظل صامتا حانقا والغضب يتطاير شررا من عينيه الخضراوين… الانتقام… هو كل ما يريد.. ولن يتنازل عنه ما عاش على هذه الأرض.
—
تلاعبت نسمات الهواء بالخصل الذهبية لجوزفين بينما عقفت حاجبيها في ضيق وهي تقرا ما كتبت لتوها على ورقة فاخرة معطرة ثم رفعت راسها لترى سحابة بيضاء ناعمة تتراقص فوق راسها مما أعطاها الهام لتكتب المزيد. من خلفها جاءت اختها الأكبر ميري وبدأت بالتلصص عليها بينما كان الالهام قد اخذها كليا اليه فلم تنتبه الى الجاسوسة الشقراء وهي تتبسم بشقاوة. هتفت ميري بجوزفين:
“الم تطلب منك الملكة ان لا تضيعي وقتك بهذا الهراء”
قفزت جوزفين من على الدكة العالية التي كانت تجلس عليها وطالعت ميري بغضب بينما سقطت الورقة من يدها وطارت مع نسمة مشاغبة بعيدا. رعدت جوزفين باختها :
“ميري… دعيني وشأني”
لم تنتظر ميري جوزفين لتكمل كلامها بل ركضت خلف الورقة لترى كل السطور التي كتبتها اختها.. نادت جوزفين عليها وهي تلاحقها:
“لا تقرئيها … انا امنعك من قراتها”
وقفت ميري بجانب الورقة وبكل اناقة انحنت عليها لتحملها بعد ان توقفت النسمة التي تتلاعب بها فهدأت حركتها. بعد ان حملتها وضعتها على انفها وقالت:
“عطري؟ مرة أخرى يا جوزفين؟!”
تبسمت الصغيرة بنقاء وهمست:
“لم يحضر التجار بعد فماذا عساي افعل؟”
رفعت ميري حاجبها الايسر بعصبية مفتعلة وهمست بجوزفين:
“عقوبتك هي ان اقرأ ما كتبت.. “
وبلا أي انتظار لموافقة او رفض بدأت تقرأ ما كتبته الشاعرة الصغيرة وهي تتبسم ثم رنت تطالع الاسطبل وتمتمت وهي تعرف ان هذه القصيدة التي كتبتها اختها تقصد بها السائس:
“انت اميرة… وهذا السائس ذا الشوارب التي تخفي وجهه المتسخ والشعر المشعث الممتلى برائحة روث الخيل لن يتجرأ حتى على النظر الى وجهك”
حملقت جوزفين فيها بينما أكملت ميري:
“انت كالشمس يا اختي… حاذري الا تحرقي من تحبين بنارك”
ثم ابتلعت ريقها وهي ترى اضطراب جوزفين واسترسلت:
“انقذك مرة وانتهى الامر. انسي تلك الحادثة اللعينة واخرجي غريب الاطوار هذا من راسك.. انت حتى لا تعرفين مايقبع خلف كل ذلك الشعر والاوساخ… “
طأطأت جوزفين راسها واستمرت ميري باقناعها خوفا عليها من بطش والدها اذا علم بامر مشاعرها ناحية ذلك الفقير الذي يعمل لديهم وخوفها أيضا على حياة المسكين الذي سيلاقي عقوبة الموت بابشع صورها:
“جوزفين…. اختي الصغيرة… لقد كتبت هذه القصيدة باللغة الفرنسية…. اخبريني هل يعرف هذا الرجل الكتابة حتى؟ هل تعلّم ؟ انه شهم بالتأكيد.. ولكن الحب لم يخلق للاميرات. نحن هنا لنخدم التاج الا تذكرين ما قاله الملك لنا. وكما بدأ الملك بترتيب صفقة الزواج لي سيرتب واحدة لك. الأفضل ان لا تدعي الحب ياخذك فيتحطم قلبك الى أشلاء امام قسوة الواقع”
رأت دمعه تنزل على خد جوزفين الناعم الأبيض فمسحتها بيدها برقة متناهية واحتضنت جوزفين ثم همست في اذنها:
“لنذهب للاسطبل ونراه يعمل.. هذه المرة فقط وبعدها عديني انك ستنسيه”
هزت جوزفين راسها موافقة لتصاحبها ميري يدا بيد الى الاسطبل حيث كان من اعتقدته جوزفين منقذها يعمل…
فارع الطول خلع قميصه فبانت خطوط عضلاته البارزة يتصبب العرق عليها بسبب التعب. اتسخ جسده بالتراب فما يفعله شاق جدا ورغم ان الملك كافأه على إنقاذه للاميرة منذ عدة اشهر خلت الا ان السائس لا يبدو عليه كرم الملك ولا يبدو انه يسرف من الكيس الممتلئ بالقطع النقدية التي حصل عليها منه لقاء صنيعه. رفع ذراعه ومسح جبينه ومعها ابعد خصلات من شعره فبدت عيونه البنية واضحة لجوزفين حتى من ذلك البعد. همهمت وهي تراقبه:
“يبدو مختلفا في بعض الأحيان… “
تبسمت ميري وقالت بمرح:
“هذا لانك تريدينه مبللا من اعلى راسه لاخمص قدميه تماما كما شاهدتيه عندما اخرجك من الماء ذلك اليوم”
ثم استرسلت وهي تغير من نبرتها الهادئة الى نبرة مثيرة درامية حالمة:
“الاميرة التي تسللت وحيدة وخلعت ملابسها ثم قفزت في البحيرة لتكتشف بعدها ان البحيرة عميقة وقدمها لا تستطيع الوصول للقاع… فيصل السائس في تلك اللحظة الحاسمة وينقذها من الغرق”
ثم غمزت لجوزفين بينما احمرت وجنتا الأخيرة.
انتبه لهما السائس فعدل من وضعيته وبان عليه الاشمئزاز من وجودهما هنالك في الخفاء تراقبان حركته. كان متضايقا جدا منهما الى حد ترك ماكان يقوم به والخروج من الباب الثانية للاسطبل المستطيل الممتلئ بارصص من الشعير المتيبس موضوعه بشكل مرتب على جانبي الاسطبل بعيدا عن الخيول طبعا.. قالت ميري متعجبة:
“لا ادري ان كان شاهدنا ام لا ولكن بالتأكيد هو متضايق الان… اسمعي دعينا لا نثير ضجة فالملك لا يحب هذه التصرفات وان وصل الامر له فلا ادري ما سيحصل.. لنعود الى القصر فورا”
ثم كما تسللتا خلسة عادتا خلسة بينما ينظر لهما فرانسوا شزرا من طرف عينيه. همهم بينه وبين نفسه:
“تعبثان في كل هذا العز ونحن نموت جوعا…. “
ثم طحن اسنانه ببعضها وهو يتذكر كل المعاناة التي تعانيها عائلته وكل من يعرفهم بينما هذه العائلة تملك كل شيء ولا تشارك أحدا شيئا.
فرانسوا ولد في المدينة الجنوبية حيث كانت الحياة اسهل واجمل. والده اعتاد على ان يكون كبير الحراس لابن الملك السابق .. وانضم لجونثان او جون من اجل الانتقام ولكن على عكس جون فهو يريد أيضا الاستقرار للمملكة التي ضربها إعصار المجاعه من جانب ومن جانب اخر الامراض والفقر حتى اصبح الناس يموتون في الشوارع فلا يدفن الاجساد احد الى ان تاكلها الكلاب الجائعه.استدار بقامته الطويلة وشعره الذي شعثه عمدا ووجهه الملطخ بالسخام عمدا ايضا ليلبي نداء احد الفرسان الذي كان يطلب عربة .. لمحت عينه البنية تلك المراة الممتلئة الجسد تسير بثقة بينما يرافقها حارس يحمل معها صندوقا صغيرا بنقوش غريبة الشكل لا يمكن ان تفوتها العين. عرف حينها ان العرافة قد زارت الملك من جديد وهذا لا يمكن ان يكون جيدا. يجب عليه ان يخبر جونثان بالامر ولكن أولا عليه ان يحضر العربة قبل ان ينفذ صبر ذلك الحارس وتلك العرافة.
–
وقياس شوقي لعينيك لايكون كما البشر
فالاسوياء تناغمت أعمارهم وطوارق الأيام قد ارهقت هذا العمر
أبخاتم ماسي نختتم الفراق؟ كلا فقلبي في سقر
نار اهمت كاهلي حتى انكوى منها الفؤاد ويوما لم يسر
شربت بكأس الحب حزن الاقدمين فويل كأسي لاعلقم منه أمر
مولاتي اني اشكو اثقبا في خافي وهذا كل ما في الامر
داويها او اتركيها لا يهم فاللوعة المسكونه لن تندثر
ما مرجع صفو الجنان احقاده وفيه وصب مستقر
ولا انتقامي ولا هيامي ولا حتى الليالي اللائي فيهن افنيت عمري سهر
صه لهذا النوح مازالت مجالسه العقيمة تنعقد في الروح نار تستعر
اوتعرفين بلاسم الاوجاع خابت كلها حتى انكفي مني مبعض وانهمر
خذي بعض ويلات الفؤاد تبادلا بحب فيك مستمر
أ توافقي مولاتي ان كان ممكنا بجوارك اقضي العمر
يا برعما فواح عطره ناديا ان قسوت في حبي عليك فاعتذر
هذي الحياة قد علمتني قسوةً وبقسوةٍ صار الظفر
اقارع الدنيا بويلاتها فتصرعني بظلم اسود وأشر
هربت منك كي احيا فاذا به سر الحياة ان اليك المفر
هيهات تركك ما كان يوما غايتي ووصالك فيه الثمر
كتابة رؤى صباح مهديالفصل 1
قلب غاضب
قبل عدة سنوات..
في غمرة الغضب التي اكتسحت الامير الشاب… ويليام ذا ال17 عاما ركب حصانه وخرج ليفجر جام غضبه على عمه الملك بعيدا عنه كي لا يفقد راسه في دوامة اغتياظه.. بدأ كل شئ قبل عدة سنوات ولكنه لم ينتهي ابدا حتى يومنا هذا وانضم الى الصراع اجيال من هذه العائلة بعضهم فقد راسه في خضمه. وبعضهم الاخر استسلم خوفا على عائلته والجزء الاخير يناضل سرا في اروقة غرف العبادة داعيا للحصول على ما يعتبره حقة بالولادة.
وويليام لايريد الا العرش ولن يرتاح حتى يحصل عليه. توقف قرب شجره عامره بالورق ونزل عن الحصان الذي يمتطيه ثم اخرج سيفه من غمده وصرخ:
“لن اتركك تاخذ مني ما هو لي”
ثم ظل يطعن الهواء بجنون كانه يقاتل احدا غير مرئيا الا له… سمع صوتا لطيفا لكنه ماكرا في نفس الوقت يقول له:
“مولاي… ماذا تفعل؟”
استدار ليرى امامه فتاة غاية في الجمال تلبس ملابس الغجر ولكن بطريقة انيقه رغم بساطتها.. تنظر له باحترام كانها تعرف من يكون وليس هذا فقط بل انها انحنت له تحييه كانه الملك فسألها بعدوانية وهو يلوح بسيفه ناحيتها:
“من انت؟”
ردت عليه بمكر :
“انا من سينفذ لك ماتريده بشدة”
ضيق عينيه ورفع راسه وهو يدرسها وما تقوله بحذر شديد فقد تكون جاسوسة من جواسيس عمه الملك فتوقع به ويكون مصيره القتل في النهاية.. قطعت عليه لحظة تأمله وتهافت حذره وهي تردد:
“التاج من حقك… وهو لك بشرط واحد”
صاح فيها بغضب وهو لايزال يلوح بسيفه ناحيتها:
“هل تجرؤين على الحديث معي بهذا الشكل… ساقطع راسك لو شئت”
ضحكت وردت:
“ولكنك لن تشاء … اليس كذلك؟… بل انت تريدني ان اخذ بيدك واخبرك بمستقبلك وما سيحصل لك… “
تنفس قليلا وهو يقول لها:
“هذه شعوذة… الاتعرفين عقوبة ذلك … نحن نحرق الساحرات على العيدان في هذه المملكة”
اقتربت منه بمكر وردت:
“لست ساحرة يا مولاي.. انا فقط ارى في الورق وهذه هبة لا يملكها الا القلة القليلة… اعطاني اياها سيدي كهدية لي”
همهم وهو لايزال يدرسها بحذر :
“من هو سيدك هذا؟”
ردت وهي تصل بهدوء الى مبتغاها:
“قوي جدا.. انه محقق الرغبات .. سيساعدك في ما تسعى اليه بشرط واحد وهو ان يمتلك روحك..”
فتح عينيه على وسعهما وهم باهانتها وهو يصر على سيفه فقالت لتهدأه:
“دعك من هذا يا مولاي… ففي النهاية يجب ان تعطي روحك بكامل رغبتك والا لن تحصل على ما تريده… اعطني فرصة لاثبت لك جدارتي “
كان مترددا ولكن فضوله حسم الموقف. اراد ان يعرف كيف سينتهي به الامر فرد عليها:
“اخبريني ايتها العرافة عن مستقبلي ولكن حاذري فسيفي حاد جدا “
بابتسامة جانبية اخرجت صندوق صغير بنقوش غريبة.. شيطانية وغامضة فتحته بعد ان جلست على العشب واخرجت منه ورقا وقالت له:
“لنبدأ”
قالتها وهي تعرف جيدا ان بعد ان تنهي قراءة الورق له.. لن يفكر ويليام مرتين بعرضها..
—-
الان
كانت الغرفة فارغة الا من كرسي وثير ذا بطانة باللون القرمزي وخشب فاخر ذهبي لامع. طاولة عليها أوراق التارو مرسومة باليد بدقة بالغه وبشكل يجذب النظر فور ان تقع العين عليها.. متكدسة الواحدة فوق الأخرى والعرافة ممتلئة الجسد -لاتزال عليها علائم الجمال الغجري واضحة جدا – تضع يدها على الطاولة تنتظر بصبر بالغ حضور من دعاها الى القصر. باظافرها الطويلة المحدودة كانياب النمر بدأت تطرق على الطاولة الاصبع تلو الاخر وهي تنظر بجدية الى الباب الموصد والغرفة الفارغه .. انفتحت الباب ودلف منها حارسان يمسكان باحكام بحربة طويلة بيد وباليد الأخرى مقبض باب من البابين الكبيرين اللذين انفحتا. وبعدهما دلف الرجل..
الملك ويليام.. اكثر رجل تخافه المملكة وتقدسه… استدعى اليوم قارئة الحظ خاصته لتخبره بما جهله على مدى ال5 سنوات الأخيرة …. ما اقض مضجعه وجعله يلغي رحلة من اهم الرحلات لتأمين حكمه وتوسيع مملكته.. ضرب برجله على الأرض واقفا امام الطاولة وكالعادة لفت انتباهه الأوراق المرصوصة برسماتها الغريبة فظل يطالعها لدقيقة ثم قال:
“هل ستخبريني هذه المرة ام ستستخدمين حيلك القديمة ايتها العرافة؟”
ابتلعت ريقها ونظرت الى قامته الطويلة بخوف ثم اجابت بثقة مفتعله:
“مولاي.. انا لست سوى قارئة للحظ… انت تختار الأوراق وانا اقراها لك بكل امانة”
اثارت كلماتها شيئا من الغضب في نفسه لكنه اعتدل وقال:
“لا تختبري صبري ايتها اللعينة… انا اعرف جيدا انك تعرفين اكثر مما تقولين فلماذا لا تخبريني؟ اخبريني من يكون ذلك الوغد الذي يريد تدميري”
اثارت صرخاته الرعب في نفسها.. ولكنها في نفس الوقت كانت تعرف ان ويليام لن يؤذيها ابدا.. مدت يدها بالاوراق وقالت بصوت متذلل:
“اسحب يا مولاي.. 3 أوراق فقط لاجيبك على سؤالك المحدد الذي سالته”
سحب على عجاله 3 من الأوراق التي امامه ثم ظل واقفا ينظر لها تطالع الأوراق بنهم وحاجبيها يتحركان باضطراب. بللت شفتيها وقالت:
“ورقة الكاهن… تدعوك للصبر فمشكلتك يا مولاي ليست مع رجل سهل.. بل هو رجل خطير باع نفسه ولا يهتم بالموت… ورقة الشمس تشير الى مستقبل باهر سيكون فقط اذا اتممت صفقة تؤجلها.. هذه الصفقة يا مولاي هي ما سيضمن لك الاستقرار في المملكة… “
ثم ابتلعت ريقها لتكمل وهي تتلمس الورقة الأخيرة… برسوماتها البارزة المطلية بالذهب الخالص والمطعمة بالدم الأحمر.. أكملت بحذر:
“ورقة الشيطان… انت يا مولاي تطمح اما لاشباع ذاتك او تدميرها.. لا يوجد حل وسط… “
ثم بدأت بالارتجاف وعينيها انقلبت الى اللون الأبيض وبدأت شفتاها تتمتم بكلمات غير مفهومة… ليس للاذن العادية على الأقل… اهتزت الطاولة من شدة اهتزاز العرافة .. كانت كانها في صراع شديد تحاول ان تتواصل مع كيان اخر خارج حدود فهم الانسان… واستمر الامر لثواني بدت كانها ساعات على العرافة بعدها هدأ كل شي واسدلت راسها على كتفها وشعرها المشعث نام على وجهها.. وويليام ينظر لها بحركة دفاعيه متجهم وقد أصابه بعض الرعب… هذه ليست المرة الأولى التي يراها بهذا الشكل فقد شاهدها سابقا.. مرة واحدة فقط طيلة معرفته بها.. تتنبأ بهذا الشكل.. ولم يكن امرا جيدا… تلك كانت المرة التي قرر مالا رجعة فيه… تلك كانت المرة التي باع فيها روحه لسيدها واصبح بعدها ملكا!
صاح ويليام على احد الحراس القابعين خارج الغرفة:
“احضروا لي القليل من الماء فورا”
الا ان العرافة رفعت يدها بصرامة وقالت لويليام وهي تشير باصبعها السبابة والوسطى:
“لا داعي…. فقد عرفت كل ما كنت اريد معرفته… وأخيرا… “
اقترب منها ويليام بفضول ليعرف من الذي يريد تدميره وتدمير عائلته بهذه الضراوة.. استرسلت وصوتها قد اصبح اخشن من ذي قبل:
“انه لن يتوقف حتى يرى راسك وجسدك مفصولين محترقا على وتد… هذه كانت أحلامه في هذه اللحظة.. لقد دخلتها… في لحظة ضعفه التي كنت انتظرها يا مولاي… وأخيرا.. استطعت الولوج الى باطنه لاعرف ما ينويه… هو لايريد الحكم… لايريد خدمة الفقراء.. لايريد المال.. لايريد التاج… الشئ الوحيد الذي يريده هو تدميرك وتدمير عائلتك.. ولن يمنعه احد فهذا قدره وقد دفع ثمنه مسبقا… لقد رايته بام عيني يفعلها…”
وتقطعت أنفاسها كانها تسلم الروح وبدأ العرق يتصبب منها غزيرا وويليام ينظر لها مشدوها.. ليس ذلك الملك الصارم الذي يهابه الكل بل رجل يرتجف امام عرافته الواثقة. لم يرها في حياته واثقة بهذا الشكل .. سالها:
“من يكون؟؟ من هو؟؟ اخبريني”
نظرت له بعيونها ذات الكحل الغجري الأسود والذي تساقط بعضه على خدها لتجيب بانفاس متقطعه:
“لقد اخبرتك يا مولاي… اذا اردت ان تحكم سنين طويلة مزدهرة يجب ان تقتلهم جميعا.. كل نسله يجب ان يباد… كلللللللله… اذا كبر أي واحد منهم.. ذكرا او انثى.. لن يتركوك.. سيكون قدرهم تدميرك.. “
صرخ بها ويليام بذعر:
“مستحيل… لقد قتلتهم .. جميعا… ذلك المجرم لقد مات.. وعائلته الخائنة .. ماتوا كلهم. “
ثم امسك بزنديها وبدأ يهزها صارخا:
“اعطيني اسما… اين يسكن..”
اجابته وهي خائرة القوى:
“انت تعرفه جيدا… لقد شممت رائحتك على جسده.. رايت دمك في شرايينه.. لا يبقى في مكان واحد لاكثر من ساعه.. يعيش كالظل اسمه.. جونثان… انت من اسماه.. هل تتذكره الان؟”
تراجع ويليام للوراء في لحظة تذكر مخيفة.. مستحيل… مستحيل حافظ على رباطة جأشه الملكية ثم قال لها محذرا:
“لا الاعيب ايتها العرافة”
ردت بصدق:
“وهل لعبت معك أي الاعيب يا مولاي طيلة السنوات السابقة؟”
تنفس بغل وظل لدقيقة لا يستطيع الحراك يفكر كيف لشبح من ماضيه ان يعود من جديد من ارض الأموات حيث دفنه وتاكد من الامر بنفسه.. بدا على وجهه التفكير العميق وعدم التصديق لما قالته العرافة له فقد تكون قالت له الأكاذيب فقط لتحصل على كيس الذهب الموعوده به بعد كل زيارة لقصر الملك.. قد تكون قالت اسم جونثان فقط لانها تعلم جيدا ان هذا الاسم سيهزه وسيخيفه كثيرا ان سمعه.. لقد قالت له قبلا اذا أراد ان يكون ملكا ويحتفظ بالحكم له ولاولاده فيجب عليه ان يقتلع عائلة أبن عمه من جذورها .
خرجت العرافة لتعود الى بيتها البعيد في الغابة حيث هناك تجد السكينة والحماية من الملك… والخصوصية كذلك لتمارس اعمالها المشبوهة بينما ظل ويليام مثقل الراس واضح عليه تشتت الأفكار من الجميع وبالذات من مستشاريه الكبار الذين تنبهوا لامره..
—
في ركن مظلم … بيت صغير ينقصه الكثير من مستلزمات الحياة استيقظ جونثان فزعا يرتجف .. لقد شاهد وجه العرافة الحقيقي في نومه. تتلصص على روحه بوحشية تنتزع الاسرار منها انتزاع.. على كرسيه الخشبي الذي غفى عليه ظل واجما يرسم وجها للوحش الذي اغار عليه في نومه. يستجوبه فلا يقدر الا على الإجابة.
وهو يجد نفسه مجبرا على الجواب لا حيلة بيده.. لقد كان ضعيفا… ثم هتف:
“عليك اللعنة يا ويليام.. انت وعرافتك المهرطقة”
ثم اسند راسه على مسند الكرسي الخشبي وعاد الى ماقبل النوم.. لحظة ضعفه المقيته التي جعلته ضعيفا امام استجواب تلك المشعوذة..
جميلته الشقراء بلون الثلج الصافي .. لعنة حياته.. انصهاره وجموده.. لن يتركها ابدا تكون لحظة ضعفه . ابدا.. لن يتركها تؤثر على هدفه. بل ستكون هي الأولى.. راسها سيقطع أولا ثم راس والدها. لن يترك عينيها الخضراوين تأسرانه من جديد.. ولا ملمس شعرها الناعم يغريه ..
ثم بدأ لا اراديا يتلمس أصابعه السبابة والابهام كانه يمسك بخصلات شعرها الذهبية كما تعود دائما ثم رفع أصابعه قربها من انفه وبدأ يستنشق عطرا غير موجود… ابتلع ريقه وترقرق الدمع في مقلتيه وهمس:
“يا نقطة ضعفي الوحيدة… لن ارحمك انت أيضا”
ثم كانه رمى شيئا من يده نكث كفه في الهواء ونهض ثائرا على ذكرياتها الدافئه. ولكن ان اجبر عقله على عدم التفكير بها كيف سيجبر انفه على عدم استنشاق عطرها الملائكي.. اجبره دخول اعصاري عليه على استدارة كاملة لرقبته ليرى من وبحذره المعتاد تأهب للهروب من النافذة المغلقة بجواره. همهم بارتياح بعد ان رأى وجها يعتبره صديقا:
“حقا يا ابراهام ؟؟؟؟ هل عليك ان تدخل علي بهذا الشكل كلما تواجدت في منزلكم؟”
ابراهام حدجه من طرف عينيه الغاضبتين وأجاب:
“انت تعرف جيدا يا جونثان انني اكره تواجدك هنا”
لم يجب جونثان بل استمر بالتحديق بابراهام وهو يضع على طاولة صغيرة بعض الحساء والخبز ثم اطلق ضحكة استهزاء قبيل خروجه وقال:
“ليت اخي يفهم يا جونثان … ما تسعى اليه سيدمرنا جميعا”
تحولت نظرات جونثان اللامبالية الى الجدية وبعض الغضب تساقط من عينيه وهمهم:
“ابراهااااااااام .. متى ستفهم انت انني الوريث الشرعي للعرش… لقد قتل ويليام عائلتي وسرق ذلك الحق…. انا الملك الحقيقي لهذه المملكة والرب قد اختارني لهذه المهمة… “
هز ابراهام راسه بعدم حيلة وقال كلمته الأخيرة:
“جونثان… انت بالنسبة لي صديق قديم.. ولا اعرف ما انا بالنسبة لك… ولكن … ارجوك لا تضيع ماتبقى من حياتك تحمل غلا في داخلك لا تستطيع معه العيش بسلام… انظر الى حالك… لا بيت لا عائلة لا حياة … الملك يتصيدك ويحضر العرافات والسحرة ليجدوك او ليعرفوا شخصيتك… اتباعك يقتلون يوميا.. دع عنك هذا الحمل فالاحقاد ليست سوى احمال تثقل ضمائرنا وقلوبنا والانتقام يا جونثان… دع الرب يتكفل به”
لم يجبه جونثان بل ظل صامتا حانقا والغضب يتطاير شررا من عينيه الخضراوين… الانتقام… هو كل ما يريد.. ولن يتنازل عنه ما عاش على هذه الأرض.
—
تلاعبت نسمات الهواء بالخصل الذهبية لجوزفين بينما عقفت حاجبيها في ضيق وهي تقرا ما كتبت لتوها على ورقة فاخرة معطرة ثم رفعت راسها لترى سحابة بيضاء ناعمة تتراقص فوق راسها مما أعطاها الهام لتكتب المزيد. من خلفها جاءت اختها الأكبر ميري وبدأت بالتلصص عليها بينما كان الالهام قد اخذها كليا اليه فلم تنتبه الى الجاسوسة الشقراء وهي تتبسم بشقاوة. هتفت ميري بجوزفين:
“الم تطلب منك الملكة ان لا تضيعي وقتك بهذا الهراء”
قفزت جوزفين من على الدكة العالية التي كانت تجلس عليها وطالعت ميري بغضب بينما سقطت الورقة من يدها وطارت مع نسمة مشاغبة بعيدا. رعدت جوزفين باختها :
“ميري… دعيني وشأني”
لم تنتظر ميري جوزفين لتكمل كلامها بل ركضت خلف الورقة لترى كل السطور التي كتبتها اختها.. نادت جوزفين عليها وهي تلاحقها:
“لا تقرئيها … انا امنعك من قراتها”
وقفت ميري بجانب الورقة وبكل اناقة انحنت عليها لتحملها بعد ان توقفت النسمة التي تتلاعب بها فهدأت حركتها. بعد ان حملتها وضعتها على انفها وقالت:
“عطري؟ مرة أخرى يا جوزفين؟!”
تبسمت الصغيرة بنقاء وهمست:
“لم يحضر التجار بعد فماذا عساي افعل؟”
رفعت ميري حاجبها الايسر بعصبية مفتعلة وهمست بجوزفين:
“عقوبتك هي ان اقرأ ما كتبت.. “
وبلا أي انتظار لموافقة او رفض بدأت تقرأ ما كتبته الشاعرة الصغيرة وهي تتبسم ثم رنت تطالع الاسطبل وتمتمت وهي تعرف ان هذه القصيدة التي كتبتها اختها تقصد بها السائس:
“انت اميرة… وهذا السائس ذا الشوارب التي تخفي وجهه المتسخ والشعر المشعث الممتلى برائحة روث الخيل لن يتجرأ حتى على النظر الى وجهك”
حملقت جوزفين فيها بينما أكملت ميري:
“انت كالشمس يا اختي… حاذري الا تحرقي من تحبين بنارك”
ثم ابتلعت ريقها وهي ترى اضطراب جوزفين واسترسلت:
“انقذك مرة وانتهى الامر. انسي تلك الحادثة اللعينة واخرجي غريب الاطوار هذا من راسك.. انت حتى لا تعرفين مايقبع خلف كل ذلك الشعر والاوساخ… “
طأطأت جوزفين راسها واستمرت ميري باقناعها خوفا عليها من بطش والدها اذا علم بامر مشاعرها ناحية ذلك الفقير الذي يعمل لديهم وخوفها أيضا على حياة المسكين الذي سيلاقي عقوبة الموت بابشع صورها:
“جوزفين…. اختي الصغيرة… لقد كتبت هذه القصيدة باللغة الفرنسية…. اخبريني هل يعرف هذا الرجل الكتابة حتى؟ هل تعلّم ؟ انه شهم بالتأكيد.. ولكن الحب لم يخلق للاميرات. نحن هنا لنخدم التاج الا تذكرين ما قاله الملك لنا. وكما بدأ الملك بترتيب صفقة الزواج لي سيرتب واحدة لك. الأفضل ان لا تدعي الحب ياخذك فيتحطم قلبك الى أشلاء امام قسوة الواقع”
رأت دمعه تنزل على خد جوزفين الناعم الأبيض فمسحتها بيدها برقة متناهية واحتضنت جوزفين ثم همست في اذنها:
“لنذهب للاسطبل ونراه يعمل.. هذه المرة فقط وبعدها عديني انك ستنسيه”
هزت جوزفين راسها موافقة لتصاحبها ميري يدا بيد الى الاسطبل حيث كان من اعتقدته جوزفين منقذها يعمل…
فارع الطول خلع قميصه فبانت خطوط عضلاته البارزة يتصبب العرق عليها بسبب التعب. اتسخ جسده بالتراب فما يفعله شاق جدا ورغم ان الملك كافأه على إنقاذه للاميرة منذ عدة اشهر خلت الا ان السائس لا يبدو عليه كرم الملك ولا يبدو انه يسرف من الكيس الممتلئ بالقطع النقدية التي حصل عليها منه لقاء صنيعه. رفع ذراعه ومسح جبينه ومعها ابعد خصلات من شعره فبدت عيونه البنية واضحة لجوزفين حتى من ذلك البعد. همهمت وهي تراقبه:
“يبدو مختلفا في بعض الأحيان… “
تبسمت ميري وقالت بمرح:
“هذا لانك تريدينه مبللا من اعلى راسه لاخمص قدميه تماما كما شاهدتيه عندما اخرجك من الماء ذلك اليوم”
ثم استرسلت وهي تغير من نبرتها الهادئة الى نبرة مثيرة درامية حالمة:
“الاميرة التي تسللت وحيدة وخلعت ملابسها ثم قفزت في البحيرة لتكتشف بعدها ان البحيرة عميقة وقدمها لا تستطيع الوصول للقاع… فيصل السائس في تلك اللحظة الحاسمة وينقذها من الغرق”
ثم غمزت لجوزفين بينما احمرت وجنتا الأخيرة.
انتبه لهما السائس فعدل من وضعيته وبان عليه الاشمئزاز من وجودهما هنالك في الخفاء تراقبان حركته. كان متضايقا جدا منهما الى حد ترك ماكان يقوم به والخروج من الباب الثانية للاسطبل المستطيل الممتلئ بارصص من الشعير المتيبس موضوعه بشكل مرتب على جانبي الاسطبل بعيدا عن الخيول طبعا.. قالت ميري متعجبة:
“لا ادري ان كان شاهدنا ام لا ولكن بالتأكيد هو متضايق الان… اسمعي دعينا لا نثير ضجة فالملك لا يحب هذه التصرفات وان وصل الامر له فلا ادري ما سيحصل.. لنعود الى القصر فورا”
ثم كما تسللتا خلسة عادتا خلسة بينما ينظر لهما فرانسوا شزرا من طرف عينيه. همهم بينه وبين نفسه:
“تعبثان في كل هذا العز ونحن نموت جوعا…. “
ثم طحن اسنانه ببعضها وهو يتذكر كل المعاناة التي تعانيها عائلته وكل من يعرفهم بينما هذه العائلة تملك كل شيء ولا تشارك أحدا شيئا.
فرانسوا ولد في المدينة الجنوبية حيث كانت الحياة اسهل واجمل. والده اعتاد على ان يكون كبير الحراس لابن الملك السابق .. وانضم لجونثان او جون من اجل الانتقام ولكن على عكس جون فهو يريد أيضا الاستقرار للمملكة التي ضربها إعصار المجاعه من جانب ومن جانب اخر الامراض والفقر حتى اصبح الناس يموتون في الشوارع فلا يدفن الاجساد احد الى ان تاكلها الكلاب الجائعه.استدار بقامته الطويلة وشعره الذي شعثه عمدا ووجهه الملطخ بالسخام عمدا ايضا ليلبي نداء احد الفرسان الذي كان يطلب عربة .. لمحت عينه البنية تلك المراة الممتلئة الجسد تسير بثقة بينما يرافقها حارس يحمل معها صندوقا صغيرا بنقوش غريبة الشكل لا يمكن ان تفوتها العين. عرف حينها ان العرافة قد زارت الملك من جديد وهذا لا يمكن ان يكون جيدا. يجب عليه ان يخبر جونثان بالامر ولكن أولا عليه ان يحضر العربة قبل ان ينفذ صبر ذلك الحارس وتلك العرافة.
–
فصول الرواية: 1 2