…………………..
خلف الشرفة الزجاجية الكبيرة، وقفت اعتماد تراقب بانبهار بعد أن تحركت الباخرة ببطء من مرسى الأقصر؛ فبدت أضواء “معبد الأقصر” على البر الشرقي كأنها جواهر ذهبية منثورة على حافة النهر، والمياه خلف الباخرة تتكسر إلى أمواج فضية صغيرة تعكس ضوء القمر المكتمل.
كم كان المشهد جميلاً يسر العين ويخطف القلب! ومن خلفها، أغلق خليفة الباب بعدما أعطى عامل الباخرة عدداً من الأوراق المالية جزاء حمله الحقائب ووضعها في الجناح.
خلت الأجواء له الآن، فوقف يراقب باستمتاع تعابير وجهها أمام ما تراه من سحر، لتبدو وكأنها طفلة دخلت “عالم العجائب” الذي خطفها داخله، حتى رددت بما يجول في خاطرها:
ـ بص كدة يا خليفة، المدينة بتبعد والهدوء بيسحبك.. أنا عمري ما شوفت النيل بالجمال ده، كأنه لوحة مرسومة.
اقترب يلتصق بها، ليهمس لها ويشاركها اللحظة كأنه دخل نفس عالمها:
ـ إحنا دلوك في رحلة عبر الزمن.. من هنا لحد أسوان، كل شبر بنعدي عليه وراه قصة. النيل على طول مصر كلها هو خط الحياة والجمال، ويزيد بقى في الصعيد أن له هيبة تانية خالص، هتحسي إن الوقت وقف بينا فعلاً. شوفي كدة وركزي والباخرة وهي بتبعد بينا عن البر وبيختفي إزعاج العربيات والناس، مفيش غير صوت السفينة وهي بتشق المياه، ونسمة الهواء الباردة تنعش روحك بريحة طمي النيل وزرع القصب على الضفتين.