نيران تسري بأوردته، لن تهدأ أو تستكين سوى برؤية الدماء؛ دماء ذلك الفاسد الذي استغفله وأذله أمام البلدة كلها بالاشتراك مع تلك الفاجرة التي اتفقت معه.
بخطواتٍ يسبقها الشرر، وصدرٍ يغلي كمرجلٍ من نار، اقتحم “عرفان” الزقاق الصغير الذي يضم منزل “عطوة”، حتى إذا وصل إليه، لم يكلف نفسه حتى عناء الطرق على الباب الخشبي، فدفعه بقدمه، فارتطم بحائط المنزل من الداخل يصدر صرخةٍ خشبية مدوية.
دلف بجنونه يبحث بعينيه داخل البيت الهادئ الساكن، الذي بدا كالمهجور بغياب صاحبه عنه، ولكن “عرفان” لم يكن بحالة تجعله يستوعب إلا العثور عليه والفتك به ثم بتلك الفاجرة. مرّ بكل ركن بالمنزل ولم يجد شيئاً، ليزمجر كالوحش؛ لابد أن يصب غضبه بشيء ما.
بدأ يطيح بكل ما يقابله؛ الكراسي طارت في الهواء، المائدة انقلبت لتتحطم أوانيها، والستائر مُزقت وكأنها جلد عدوه. صار يخرب كل ما تقع عليه عيناه؛ يفتح خزانة الملابس، يبعثر كل ما بها، حتى صرخ بصوتٍ جهوري يهز أركان المكان:
ـ آه يا كلب يا واطي، لو أطولك دلوك لأقسمك نصين، يا خاين العيش والملح والله ما هسيب فيك حتة سليمة..
زمجر مرة أخرى وكأنه أسد حبيس، فكل الفوضى والتدمير الذي أحدثه بالمنزل لم يهدأ من نيرانه شيئاً. يجول بعينيه على شيء لم تطله يده حتى يكمل عليه، فوقعت أبصاره فجأة على صورة أسفل قدميه، ليست بغريبة عنه.