طرقة قوية على باب غرفتها انتشلتها من الغوص في الماضي أكثر
وهي تهتف :
– من الطارق ؟؟
– إنه أنا نور .. من سيكون برأيك ؟؟ هل ستنزلين في القريب العاجل
أم أن الأميرة تحتاج لوقت أطول قبل الذهاب إلى الجامعة ؟؟
زفرت نور بحنق وهي تستمع لكلمات عصام اللازعة ثم ردت
بهدوء :
– سأنزل بعد عشر دقائق عصام
– حسنا في انتظارك
وها هي كما تفعل كل صباح تقف أمام المرآة الوردية التي صممت
والدتها أن تضعها بغرفتها ..
ربما لتذكيرها بأنوثتها التي تخفيها بمنتهى القسوة ..
وربما حتى تكسر حدة اللون الأزرق الذي أصرت أن يكون لون
غرفتها خلافا لما تفضله الإناث بالعادة ..
ظلت تتأمل نفسها بحزن والدموع تحرق عينيها وكلمات الفتاة في الصف
تعود لتصفعها بقسوة وتدمي قلبها الصغير النقي ..
– فتاة؟؟ أتظنين نفسك فتاة ؟؟ ما الدليل على تلك الأنوثة التي تزعمين
وجودها ؟؟ هل هذا الشعر المصفف كالفتيان ؟؟ أم الملابس المخصصة
للصبية التي ترتدينها ؟؟ أم هي حركاتك الصبيانية وكأنك خلقت فتاة
خطأ ؟؟
لم تستطع الرد عليها يومها وهي تجعلها مثارا لسخرية المدرسة بأكملها
دون أن تجد القوة لقمع سخريتها ورغم دفاع صديقتيها سها وهنا عنها
إلا أنها شعرت بالسوء لأنها لم تستطع الدفاع عن نفسها ..
عادت إلى المنزل يومها وهي مجروحة بقوة تبكي بداخلها دون أن
تجرؤ الدموع أن تسقط من حدقتيها ..
ومن يومها لم تضع مقصا بشعرها قط رغم أنها استمرت بنفس نمط
ملابسها وتعاملاتها كما هي دون تغيير إلا أن شعرها هو التغيير الوحيد
الذي أحدثته بنفسها ..
ورغم ذلك فهي تخفيه عن العيون كما تخفي آثار أنوثتها معه وتنجح
بالظهور بمظهر الفتى كما اعتادت دائما ..
……………
تأملتها سرا كما تفعل منذ سنوات .. تشعر بالقهر عليها ومنها
لماذا تصر على إيلام قلبها وإثارة قلقها ؟؟
تشعر أن الله يعاقبها بما يحدث مع ابنتها من تشتت وضياع تشعر به
يكمن بأعماق ابنتها وهي غير قادرة على تغيير ما يحدث أو مساعدتها
سوى بالدعاء لها أن يهديها الله إلى الطريق الصحيح ..
ابنتها التي تحمل اسم فتى وتصر أن تعتبر نفسها كواحد رغم كل
المميزات التي حباها الله بها كأنثى رقيقة جميلة تخطف القلوب
هتفت بداخلها :
– فليسامحني الله على ما فعلته بك يا ابنتي دون قصد ..
لم أكن أريد سوى الحفاظ على أختي وابنتها من الفضيحة .. لم أكن
أعلم أنني أدمركما معا بتلك الطريقة ..
ليتنا استمعنا لنصيحتك عمران وأبلغنا عن ذلك الوغد ليتعفن بالسجن
مع الأوغاد أمثاله ولم نتركه حرا طليقا يتمتع بحياته بإيذاء أحد آخر
تساقطت دموعها وهي تهتف لنفسها بحزن ..
– لماذا أدخلتها تلك الدوامة التي تعيش بها دون إرادتها ؟؟
ترى هل تعاقبينني نور على ما حدث قديما ؟؟
أم أن ما يحدث لك شيء آخر لا علاقة له بالماضي ؟؟
التفتت لترحل من مخبئها عندما وجدتها همت بطمس معالم أنوثتها
ككل صباح بعد فترة التأمل المعتادة وتبتلع الدموع التي تجاهد لتسقط
لتنجح في قمعها ككل يوم – يداخلها إحساسا قويا أنها لو تركت لدموعها
العنان ربما وقتها فقط ستحل معضلتها وتستطيع الوصول لهويتها –
لتقابلها عينا عمران الحنونتان فاندفعت تندس بين ذراعيه ودموعها
تنهمر كشلال فضمها إليه وهو يهمس إليها ألا تقلق وأن كل شيء
سيكون على مايرام ..
………………..
قامت بمهمتها المعتادة كل صباح قبل أن تتناول هاتفها وتقوم بالاتصال
بهنا وسها لتخبرهما أنها ستقابلهما بالجامعة بمكانهم المعتاد ..
غادرت مع عصام الذي كان ينظر إليها بطريقة غريبة هذا الصباح
جعلتها تنظر له بتساؤل :
– هل هناك شيئا خاطئا بي ؟؟
– لا أعلم هل هناك شيئا ؟؟
زفرت بنفاذ صبر وهي تهتف :
– عصام !! ماذاهناك ؟؟ لماذا تنظر إليّ هكذا ؟؟
– أنت من تقولين أنني أنظر إليك بطريقة غريبة هذا الصباح !!
حسنا دعيني أرى .. سروال من خامة الجينز أسود اللون فضفاض
.. وقميص فضفاض بأكمام طويلة باللون السماوي
وحذاءا رياضيا باللون الأسود أيضا وشعرا قصيرا كالشباب
حسنا نفس الهيئة يوميا .. بنفس الملابس تقريبا باختلاف الألوان
نعم لقد علمت ما الغريب بك اليوم .. أنت لم تقوم بتهذيب لحيتك
وشاربك اليوم أليس كذلك ؟؟
رمقته بنظرة صاعقة قبل أن تهتف بنزق وهي تصعد إلى السيارة :
– هل من المفترض أن أضحك ؟؟
لم يرد عليها وهو يصعد بجانبها ويبدأ في تشغيل المحرك وهو يرمقها
بنظرة مبهمة لم تشعر لها بالارتياح
الصمت المطبق كان عنوان رحلتهما إلى الجامعة وكانت هذه أول مرة
بتاريخهما معا أن يجتمع عصام مع نور ويكون الصمت هو السائد
فالطبيعي لدى اجتماعهما ألا ينتهي الحديث ولا المزاح أبدا لذا
كانا الاثنان لا يشعران بالارتياح للصمت السائد بينهما ولكنهما عاندا
أنفسهما وظلا على وضعهما على أمل أن يكسر أحدهما هذا الصمت
وما إن وصلا إلى المكان المخصص لوضع السيارة حتى غادرت نور
السيارة وهي تلمح أمير مقبل عليهما فهتفت مسرعة :
– حسنا عصام إلى اللقاء هنا وسها بانتظاري ها هنا
– إلى اللقاء
كانت ترغب في الابتعاد قبل أن يدركها أمير ولكنه كان الأسرع فوقف
أمامها وهو يهتف :
– كيف حالك نور ؟؟ لقد أفتقدناك اليومين السابقين
– بخير شكرا لك
– هل أصبحت بخير الآن ؟؟ هل تريدين شيئا ؟؟
– لو أردت شيئا سأطلبه من عصام
هتفت بها نور بصرامة قبل أن تبتعد غير مبالية بالإحراج الذي سببته
لأمير والذي أطرق برأسه وهو يكاد يتميز من الغيظ ..
– لقد أخبرتك من قبل ألا فرصة لك معها ولكنك لم تصدقني
من الأفضل لك أن تنسى نور يا صديقي ولا تتعلق بها أكثر ..
فأنت قد حاولت لفت نظرها كثيرا ولا فائدة فلا تتأمل بها كثيرا
أو فلأقل الصدق .. لا تتأمل بها على الإطلاق
هتف بها عصام مواسيا صديقه وهو يحاول أن يفهمه أن نور ليست
كأي فتاة أخرى سيستطيع لفت نظرها وتقع بحبه ..
فبالرغم من أنه يعلم جيدا أن نور مازالت أنثى بداخلها والدليل هو
خصلاتها التي استطالت كثيرا وتخفيها هي عن الأعين بمظهر الشاب
الذي تتقمصه بمهارة للأسف ولكنه يعلم أيضا أن من يستطيع أن
يخترق الأسوار التي تحيط بها قلبها لم يوجد بعد وليس أمير بالتأكيد
– رغما عني عصام .. أنت تعلم أنني أحبها ولن أخجل من قولها
أحببتها منذ اليوم الأول الذي رأيتها فيه على الرغم من مظهرها
الغريب والذي تصر على الظهور به ولا أعلم السبب في ذلك
ولا أعلم أيضا لماذا لا تضعون حدا لما تفعله بنفسها !!
حاولت مرارا أن أتناساها حتى أنني وافقت على رؤية بعض الفتيات
اللاتي ترشحهن لي أمي ولكن بلا جدوى
لم أستطع الشعور بأي شيء تجاه أي فتاة منهن .. قلبي قد وسم بحبها هي
دون سواها فماذا أفعل ؟؟
– وهل ستظل أسيرا لحبها مدى الحياة أمير ؟؟ هي لا تحبك بل لا
تحب من الأساس .. حسنا سأقولها لك نور لا ترى نفسها كفتاة من
الأساس فلن تفكر يوما بالحب أو أن ترى أي شاب كمرشح لزوج المستقبل
– إذا لماذا تصادق الفتيات ؟؟ لماذا لا تصادق الشباب إذا كانت لا
ترى نفسها فتاة ؟؟
– لا أستطيع أن أشرح لك .. كل ما أستطيع قوله أن تنساها ولا تحاول
معها مرة أخرى .. ركز بحياتك وجد لنفسك فتاة أخرى حتى لا تضيع
حياتك هباءا
*************