وضعت الفنجان أمامه على الطاولة الصغيرة، فمد يده وأمسك به، وارتشف رشفة قصيرة، قال بنبرة راضية
“تسلم إيديكي”
أومأت له بصمت وأجابت بصوت منخفض، مقتضب كأنه يخرج من قاع بئر
“شكراً”
لاحظ وجوم ملامحها، ذلك السكون الثقيل الذي خيم على وجهها كالغيمة الملبدة، فانعقد حاجباه بقلق، وتسربت الريبة إلى نبرته وهو يسألها
“مالك يا دنيا؟، فيه حاجة يا حبيبتي؟”
فتصنعت ابتسامة واهنة، ابتسامة أشبه بقناع هش يتداعى تحت وطأة ما يشتعل في صدرها من نيران تأكل قلبها التهاماً، وتحرق روحها ببطء، ثم قالت محاولة صرف الدفة بعيداً عن نفسها
“مفيش… المهم، كنت عايزني في إيه؟”
أنهى رشف قهوته على مهل، يرتب كلماته في رأسه قبل أن ينطق بها، ثم ترك القدح جانباً، ومد يديه نحو يديها، فقبض عليهما بلمسة حانية، تحمل من الرقة بقدر ما تحمل من ثقل الخبر.
“أنا مسافر في خلال يومين، ومش عارف هقعد قد إيه، فعايزك تاخدي بالك من نفسك ومن الولاد”
ارتجف قلبها عند سماع كلماته، وخفق خفقاً مضطرب؛ داهمها خاطر مفزع… هل رأى الرسالة؟، هل حقاً يسافر من أجل طليقته؟
خرج سؤالها من فمها قبل أن تتمكن من كبحه
“هتسافر فين؟”
تنهد بعمق، ثم أجاب بهدوء
“إيطاليا”
انسحبت يداها من بين كفيه فجأة، كأن لسعة نار أصابتها، واتسعت عيناها دهشة ووجع، رددت كلمته بذهول