تشبثت به لحظة إضافية، كأنها تحاول سرقة ثوان من الزمن لا تعوض، ثوان قد تكون آخر ما تملكه منه قبل الغياب.
ثم انسحب ببطء من حضنها، أدار وجهه بعيدًا في الحال، كاتمًا دموعه، قاب على قلبه بقبضة من حديد، وسار بخطوات ثابتة في ظاهرها، مهزوزة في باطنها، صلبة في شكلها، منكسرة في حقيقتها.
لم يلتفت، لم يسمح لنفسه بنظرة أخيرة.
يعلم أن نظرة واحدة قد تهدم جدار قراره، وقد تعيده طفلًا صغير متعلق بثوب أمه، لا رجل ماضيًا إلى مصيره.
❈-❈-❈
ترجل من سيارته أمام شركة عائلته بخطوات واثقة، تحمل في ظاهرها صلابة رجل أعمال عاد إلى ميدانه، وفي باطنها قرارات مؤجلة بسبب غرقه في مؤامرات والدته ضد زوجته.
اليوم قرر أن يعود، أن يسترد زمام الأمور بيده، يباشر الأعمال بنفسه، ما إن دلف من البوابة الرئيسية حتى تسابقت إليه الوجوه، وارتفعت الأصوات مرحبة، مفعمة بالترحاب والاحترام
“حمدالله على السلامة يا أحمد بيه، حضرتك نورت الشركة”
تكررت العبارة على ألسنة كل من صادفه في طريقه، حتى بلغ المصعد، ثم صعد إلى الطابق الخاص بمكتبه، حيث وجد مساعدته في انتظاره، تقف باعتدال واحترام.
“حمدالله على سلامتك يا أحمد بيه، الشركة نورت بعودة حضرتك”