“حمدالله على السلامة… أخيرًا افتكرت ليك أم وبيت؟!”
التفت إليها ببطء، ورمقها بنظرة ممتعضة، ثم ألقى كلماته ببرود قاس
“أحسنلك تتعودي تعيشي من غيري”
وقبل أن تثور عليه وترد، وقعت عيناها على جواز السفر في يده، اتسعت حدقتاها وشهقت، وضربت بكفها على صدرها في فزع
“يا نهار أزرق!، أنت هتسافر وتسيبني؟!”
تقدم نحو مكتبه، فتح درج من أدراجه، وألقى بالجواز داخله بإهمال متعمد، اخبرها بصوت حاول أن يجعله ثابت
“قايلك من فترة أنا مسافر إنجلترا، بس كنت هسافر مؤتمر وراجع، إنما المرة دي هطول… هاقعد فترة كبيرة، وهابقى أنزل في الإجازات”
هزت رأسها بأسى، وارتجف صوتها
“وأهون عليك يا ابني تسيبني لوحدي؟!، ده أنا مليش غيرك من بعد أبوك الله يرحمه”
تنفس بعمق، ثم قال محاولًا التخفيف
“معاكي الخدم هنا، وهاطمن عليكي كل يوم… يا إما تيجي معايا”
رفعت رأسها في إباء، وأجابت بحزم يشوبه حنين جارح
“طبعًا لاء، عمري ما هاسيب الفيلا… دي اللي عيشت نص عمري فيها مع أبوك، وشوفت فيها أجمل سنين حياتي، أنا روحي هنا”
حدق أمامه في صمت كثيف، وعيناه غارقتان في شرود موحش، فيما كان الحزن الدفين يعشش في أعماقه كطائر جريح لا يقوى على الطيران ولا يملك الرحيل.
ظل على حاله لحظات، إلى أن انتبه أخيرًا لاهتزاز هاتفه بين يديه، كأن الواقع يلح عليه أن يفيق.