حاولت ياسمين أن تغمض عينيها، لكن خوفها علي زوجها كان أقوى من إرادتها، فأبقتها مفتوحتين رغماً عنها.
وما إن غرز يوسف الإبرة في موضع الجرح ليخدره، لم تشعر ياسمين بنفسها… ترنحجسدها وفقدت وعيها دفعة واحدة، وسقطت في غياهب الإغماء.
❈-❈-❈
جلست في عزلتها القاسية، بعد أن أُسدلت ستائر العزاء وانفض الجمع، وبقي الحزن وحيدًا جليسها.
فبدت الغرفة ككهف موحش يحتضن وجعها، لا يواسيه سوى همسات القرآن التي كانت تتلوها بصوت مرتجف، يختلط فيه الخشوع بالانكسار.
راحت تتلو آيات الذكر الحكيم، فيما عيناها الغارقتان في الدموع تفضحان ما تعجز الشفاه عن البوح به؛ حزن ثقيل على رحيل زوجها، وفقد لا يُجبر وفراغ يتسع في صدرها كهاوية بلا قرار.
توقفت عن التلاوة فجأة، وكأن أنفاسها خانتها، ورفعت بصرها ببطء نحو الصورة المعلقة على الحائط المقابل.
هناك كان وجهه يبتسم في إطار صامت، يقف جوارها ويمسكان معًا ابنتهما حين كانت صغيرة، ضحكتها المجمدة في الصورة تُوجع القلب، وذكريات الماضي تنقض عليها بضراوة.
لم تنطق بكلمة، لكن عينيها وارتعاشة شفتيها وانهمار دموعها، كانوا ينطقون بالكثير، بالكثير الذي لا تحتمله الكلمات.