أزمع بعد تركه لوالده أن يتحدث معها بجدية ليحين الوقت لذلك، لجأ “أسيد” لوالدتها كي تعاونه في عودتها لرشدها علها تفيق من أوهامها المتجذّرة بداخل عقلها المُترع بها، باحترازٍ جم ولجت والدتها أولاً وهو من خلفها يستلب النظرات نحوها، تحركت والدتها نحوها وهي تتأملها بتحسّرٍ وأسى، ولما لا تحزن وقد اختطف الموت ابنها من أحضانها والذي قضى معها عدة سنواتٍ توطدت فيهما المحبة والأُلفة، لتجده بين ليلة وضحاها لم يعُد موجودًا، جثت على ركبتيها أمام ابنتها التي تجلس القرفصاء منتصفة ألعاب طفلها مُجفلة العينين وقد بهتت تعابيرها وهزل جسدها، تطلعت عليها بألمٍ وشفقة وقد لمعت العبرات في عينيها لتتماسك جاهدة في عدم البكاء، لامست بكفها الجائر نتيجة كبر عمرها كف ابنتها، قالت مواسية إياها:
-أعلم بما تشعرين به الآن، لكن الحياة لن تتوقف بفقدانه، عليك التعايش مع من حولك وينتظرون بتلهفٍ عودتك كالسابق، فليكفي حُزن يا ابنتي، لقد مر عامؒ على ذلك!.
انهت والدتها حديثها ثم ترقبت تأثير كلماتها لتجدها كما هي ساكنة واجمة، قطبت بين حاجبيها متنهدة بضيق، وجهت أنظارها لـ “أسيد” مستنجدة به، هز رأسه بتفهمٍ ثم جثا على ركبتيه هو الآخر بجوارهن، نظر إليها قائلاً بثباتةٍ:
-أفيقي “مهيرة”، نحن مثلك أكمدنا رحيله، هذه ليست حياة، عام وأنتِ بتلك الحالة، ألم يحين اكمال حياتنا معًا!
لم يجد منها ردة فعل ليكفهر تمامًا فهو لا يريد خسارتها أو حتى الإرتباط بغيرها، تدخلت والدتها مُخاطبة إياها بعقلانيةٍ:
– على الأقل من أجل زوجك، لما لم تفكر بحالته دونك، هل تناسيت حبه لك لتتركيه هكذا، يجبرونه على الزواج بغيرك، يريدون حفيدًا! و…
بحركةٍ زموُعة كانت “مهيرة” مُحدقة بها بنظراتٍ غاضبة جعلت والدتها تبتلع بقية كلامها الأرعن كما تظن، بتشنجٍ وجهت بصرها نحوه هو الآخر ثم رمقته باستهجانٍ ادهشه، هتفت بنبرة مشمئزة وهي توزع أنظارها الحانقة عليهما:
-لم يشعر أحد بما يشتعل بداخلي من نيران فراقه، لست مثلكم لأنعم بالحياة، لقد سرق طفلي مني، هيا اغربوا عن وجهي
هدرت بها بانفعال فاضطربت والدتها منكمشة في نفسها، عنفها “أسيد” بقسوةٍ لتطاولها:
– يكفي أنتِ، هل جننتي؟، نحن ما زلنا نفتقده، لكن الحياة لن تتوقف لتهمليني أنا الآخر، إذا لم تتراجعي عن ما أنت عليه فلا تلوميني “مهيرة” فيما سأفعله!
قالها “أسيد” وهو يوجه سبابته بين أعينها مهددًا إياها صراحةً، حدجته “مهيرة” بنظراتٍ شرسة، هتفت بنبرةٍ مدروسة:
-أغرب عن وجهي، لا أريد رؤيتك
ثم بيديها دفعته من صدره ليتراجع بعيدًا عنها، صر أسنانه بغيظ لينهض، هتف بوعيدٍ مهتاج:
-ستندمين “مهيرة”، لقد انتظرت عامًا كاملاً علك تعودي إلي، لكن لا جدوى، اثبتي الآن بأنني كنت مخطئًا، ظلي كما أنت في أوهامك، لكني من تلك اللحظة سأكمل حياتي!!
قالها ثم تحرك نحو الخارج غير منتظرٍ ردها، اقتفت “مهيرة” أثره وهي تتنفس بصعوبةٍ لتخرج أنفاسها غاضبة، تحسرت والدتها على ما حدث للتو، ثم نظرت لابنتها لترى بأنها تعي كل ما حولها، لما إذًا ما تفعله من طيش؟، خاطبتها بدرايةٍ:
-أرى أنك تدركين ما حولك، لما عنادك هذا؟!
رمقتها بنظرة شجنٍ وابتئاس، ردت بأسى:
-لأنني أحب ابني، وأنه لم يمت كما تظنون، هو يناديني في كل لحظة، يريدني، أتسمعي..
قالتها وهي تتجول بأنظارها على الغرفة من حولها لتصمت منصتة بشدة، حركت والدتها رأسها بعدم رضى لما أصابها فهي لم تستمع لشيءٍ، قبل أن تتفوه بكلمةٍ واحدة وجدتها تنهض وحالتها لا تبشر بخير، خلّفتها والدتها لتنهض ثم سألتها بجهلٍ:
-ماذا بك عزيزتي؟
لم تُجب “مهيرة” على سؤالها، بل قالت بخبلٍ وبؤبؤي عينيها يتحرك يمينًا ويسارًا:
-يناديني أمي، يناديني ويريد رؤيتي!
هتفت والدتها باستياءٍ وهي عاقدة حاجبيها:
-فليكفي ما تفعلينه، “صهيب” لم يعُد موجودًا
-أكاذيب، إنه يناديني!
صرخت بها بذلك ثم هو تحركت نحو الخارج لتُسرع والدتها لسٶالها بقلقٍ:
-إلى أين “مهيرة”؟
هتفت بتلهفٍ وهي تغادر الغرفة:
-إلى ابني، إنه ينتظرني!! …………..