وهي جالسة بجانبها على التخت ظلت واضعة رأسها على صدرها مستشعرة دفء حضنها الذي انبعث منه الحنان، مسحت “مهيرة” على ظهرها بلطف فهي تعتبرها ابنتها وليست أختها، وذلك لفارق العُمر الكبير بينهما الذي يتجاوز العشر سنوات، قالت “سوار” باشتياق:
-اشتقت إليك “مهيرة”، تعرفين، لم اركٍ منذ توفى صـُ ….
بترت جملتها وهي تعض على شفتيها لاعنة نفسها على اندفاعها لتذكرها بوفاة ابنها، بينما لمعت العبرات في مقلتي “مهيرة” متيقنة مقصدها، تنهدت لترد بحزن خفي:
-من الآن وصاعدًا تعالي عندي، أنا الآن بخير وتحسنت باهتمام “أسيد” بي وعدم تخلیه عني!
ابتعدت “سوار” عنها وهي تقول بشغف:
-في الحقيقة أنا محظوظة جدًا ميهو، تعيشين مع زوج يحبك بهذا القدر، ليس ذلك فقط، جميعهم بالمنطقة يحسدونك على ما أنتِ عليه
ابتسمت “مهيرة” بألم وهي تستمع إليها، ردت بأسى:
-وحسدهم هذا وصلني، ابني تركني، حتى دون أن أعلم ماذا أصابه، فجأة تركني هكذا محطمة!
شجنت “سوار” وهي تتأمل ملامح اختها الحزينة، رددت مواسية إياها:
-يمكنك أن تنجبي غيره، ثقي بقدرة ربك وسيعوضك بإذن الله!
لمحت “مهيرة” الحكمة والتعقل ينجليا من كلمات أختها، ابتسمت لها بود قائلة:
-كبرتي كثيرًا “سوار”، السنة القادمة وستصبحين في الجامعة
هزت رأسها لترد بحماس:
-انتظر هذا اليوم بفارغ الصبر، اريد أن أحيا حياة الجامعة وأراها
ضحكت “مهيرة” عليها بخفوت وتلك هي المرة الأولي بعد وفاة ابنها التي تضحك فيها، ابتهجت “سوار” من ذلك وابتسمت، انتبهن لمن يدق الباب عليهن، فتحه “أسيد” قائلاً بكل ذوق وهو يمد رأسه للداخل قليلاً:
-هل يمكنني الدخول!
ابتسمت له “مهيرة” بحب، بينما اخفضت “سوار” رأسها محرجة وهي تعدل من وضعية جلوسها على التخت، ردت عليه “مهيرة” بحضور ذهن:
-أكيد حبيبي يمكنك، تفضل!
خطا “أسيد” بقدمه للداخل مبتسمًا بعذوبة، خاطب زوجته بمعنى وهو يدنو منهن:
-أظن أنكِ سعيدة بوجود “سوار”، هذا أفضل يوم وهو قدومها إلينا، فعلت الصواب بحضورها!
قال جملته الأخيرة ناظرًا لـ “سوار” التي أطرقت رأسها بخجل، مسحت “مهيرة” على ظهرها قائلة:
-“سوار” غالية عندي كثيرًا، هي ابنتي وليست اختي
رد باستنكار وهو يتأمل “سوار” بنظرات وترتها:
-ابنتك!، فقط هذه السنة وستصبح في الجامعة، لقد ظننتها أصغر من ذلك!
عضت “سوار” على شفتيها بحياء، ردت “مهيرة” بمفهوم وهي تبتسم لأختها:
-هي التي ملامحها طفولية للغاية!
ابتسم “أسيد” لها قائلاً:
-بالطبع ستمكث معنا بضعة أيام!
ردت “سوار” موضحة بصوت رقيق:
-فقط يوم واحد، أمي واختي بمفردهما، كما أنني غير معتادة على تركهن بمفردهن!
تدخلت “مهيرة” قائلة بشيء من اللوم:
-صحيح لما لم يأتين معكِ، وكيف لكِ أن تمكثي معي يوم واحد بعد كل هذه الغيبة!
رددت “مهيرة” ذلك باعتراض، قالت “سوار” معللة:
-أنتي تعلمين طبيعة عملها، لقد جئت لأراكي وبالمرة اغيّر روتين يومي معكم بالمزرعة
سردت “سوار” ملخص ما اتفقت عليه مع والدتها لتوضح الأمر فابتسمت “مهيرة” هازة رأسها بتفهم، هتف “أسيد” بحماس وهو يعقب على حديثها:
-إذا كان كذلك فاتركي لي استمتاعك لهذا اليوم ………!!
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،