عدلت من وضع النظارة فوق عينيها، وكأنها تحصن المسافة الأخيرة بينها وبين فضول الآخرين ، بينما اقترب بخطوات ثابته أربك سكونها المُصطنع.
توقف نديم على بُعدٍ قريب، لحظة قصيرة لكنها كانت كفيلة بأن تُربك أنفاسها…
تحدث بصوتٍ هادئ يحمل من التحفُظ أكثر مما يحمل من العفوية:
مساء الخير يا يارا.
لم ترفع رأسها.. ارتشفت رشفة صغيرة من مشروبها، ثم أجابت ببرودٍ محسوب:
مساء النور.
تسلّل صمت هادئ بينهما، صمت يعرفه كلاهما جيدًا، صمت الامتحانات غير المُعلنة…
نظر نديم إلى الشاب الجالس قبالتها، ثم عاد ببصره إليها، محاولًا أن يقرأ ما خلف تلك الابتسامة المتكلفة.
إتبسطت لما شوفتك في النادي النهاردة، قولت أجي أسلم.
أومأت دون تعليق، كأن وجوده طارئ لا يستحق الوقوف عنده…
لكن داخلها كان شيءٌ آخر يحدث؛ نبض متسارع، ضيق خفيف في الصدر، وتلك الرغبة العنيدة في الهروب… لا منه، بل من نفسها…
نهض الشاب المقابل لها معتذرًا بلطف، تاركًا المقعد فارغًا بينهما، فبدا الفراغ أوسع من مجرد مقعد.
تحدث نديم وهو يشير إلى المقعد يود الجلوس:
ممكن.