بعد ساعات قالت مخاطبة حنان .. هل أنت متأكدة من الرقم ؟
ردت عليها حنان :- بالطبع .. لقد أعطاني رقم الهاتف هذا كي أتصل به في حال حدث أي طارئ
حسمت نانسي أمرها وطلبت الرقم بأصابع مرتعشة .. رفعت هاتفها إلى أذنها وانتظرت للحظات حتى أتاها صوته الحازم :- نانسي
لم تستغرب معرفته لها .. فهو يحتفظ برقم هاتفها وكأنه كان في انتظار اتصالها .. أخذت نفسا عميقا وهي تقول :- لقد اتخذت قراري يا دكتور محمود .. وأظننا بحاجة للتحدث في التفاصيل
ساد الصمت للحظات قبل أن يقول :- سأصل إلى المستشفى خلال دقائق
أنهى المكالمة فزفرت نانسي بقوة .. والتفتت نحو حنان قائلة :- لا أدري إن كان قراري صحيحا أم خاطئا يا حنان .. أخشى أن أكون قد ارتكبت خطأ كبيرا
أسرعت حنان تقول بحماس :- الدكتور محمود رجل رائع .. إنه وسيم ومثقف ومهذب .. أي فتاة تتمنى الزواج به .. أنا متأكدة بأنه سيحميك ويهتم بك جيدا
تمتمت نانسي متوترة ك- ولكنني خائفة يا حنان .. هناك شيء في الدكتور محمود يخيفني .. إنه إحساس غريب بأنه يخفي شيئا .. أنا فعليا لا أعرف أي شيء عنه
لم تكن حنان تمتلك ردا على مخاوف نانسي فالتزمت بالصمت
بعد نصف ساعة .. خرجت من الزيارة القصيرة التي سمح بها الطبيب لغرفة أمها وهي تشعر بالاختناق .. ألقت نفسها على أول مقعد تراه غير قادرة على محاربة الأفكار السوداوية التي لا تنفك تهاجمها .. رأت محمود يجلس برفقة لينا في الواوية يتحدث غليها برفق وهو يعرض عليها كتاب ما … بينما ظهرت البهجة على لينا .. لانت ملامح نانسي .. على الأقل استطاع الترويح عن لينا قليلا .. شعر بوجودها فرفع إليها عينيه ملقيا عليها نظرة طويلة لم تفهمها .. اعتذر من لينا واقترب منها قائلا :- كيف هي والدتك ؟
قالت متوترة :- على حالها كما تعلم
نظرت إلى لينا قائلة :- تبدو لينا سعيدة
ابتسم قائلا :- أحضرت لها كتابا عن أشهر رسامي عصر النهضة
غمغمت :- أشكرك لأنك لطيف معها
نظر حوله قبل أن يقول بنفاذ صبر :- أين ترغبين بأن نتحدث ؟
أدهشها توتره .. فقالت :- سأدعوك إلى فنجان قهوة في الكافيتيريا
هز رأسه موافقا .. وسار معها إلى الكافيتريا الواقعة في الطابق الأول من المشفى .. جلست أمامه تنتظر أن تجد كلمة تبدأ فيها الحديث .. كانت دون وعي منها تفرك يديها فوق الطاولة الصغيرة مفصحة عن توترها .. غير شاعرة بنظراته تلاحقها وتلاحظ أدق تفاصيل اضطرابها .. أجفلت عندما أمسك بيدها قائلا بهدوء :- ما من داعي لكل هذا التوتر يا نانسي.. الأمر أسهل مما تتخيلين
سحبت يدها بسرعة قائلة :- أشك بهذا
قال بهدوء :- لم أتوقع أن أحصل على ردك سريعا بهذا الشكل
قالت بجفاف :- لقد كنت مقنعا للغاية .. فلم تأجيل المحتوم
هز رأسه موافقا قبل أن يقول :- حسنا .. ما الذي أردت الاستفسار عنه
قالت بحزم :- أريد أن أعرف ما ينتظر عائلتي بالضبط
قال بجدية :- ما إن تتماثل أمك للشفاء حتى تنتقل هي ولينا للعيش في منزلي .. وحنان أيضا ستجد هناك عملا بأجر محترم .. أمك ستكون بمثابة والدة لي .. وسيدة للبيت إن شاءت .. لينا سوف يتوفر لها الأمان اللازم وسوف تعود لمتابعة الدراسة في اي مكان تطلبه .. وستكون أختا صغرى لي ولن ينقصها أو ينقص أي أحد من عائلتك شيئا ماديا أو معنويا
عجزت عن التعليق أمام سخاءه .. فتمتمت :- أريد أن أعرف المزيد عنك .. فأنا أجهل عنك الكثير
قال بهدوء :- تعرفين اسمي كاملا وعملي في الكلية يا نانسي .. غير هذا فقد ورثت أعمالا مختلفة عن والدي الذي توفي مع والدتي في حادث قبل سنوات طويلة .. تولى عمي العناية بي بعدها رغم بلوغي الثامنة عشرة .. فقد ساعدني على اكمال دراستي في حين استلم هو جميع مصالح أبي حتى أصبحت قادرا على تحمل مسؤوليتها بنفسي .. هل تريدين معرفة المزيد ؟
قالت بجفاف :- أريد أن أعرف إلى متى سيستمر زواجنا
برقت عيناه بغضب .. مال رأسه نحوها وهو يقول ببرود :- عندما أتزوج .. فأنا أتوقع أن يدوم هذا الزواج .. أنا لا أتسلى يا نانسي
احمر وجهها بحرج وهي تنظر بعيدا عنه .. إلا أنه مد يده عبر الطاولة وأمسك بذقنها ليجبرها على النظر إليه قائلا :- انظري إلي جيدا يا نانسي عندما أكلمك .. فأنا أيضا لدي شروط عليك معرفتها .. بعد زواجنا ستعودين فورا لمتابعة دراستك من حيث توقفت
حاولت أن تتحداه بنظرتها العنيدة .. ولكن القوة في عينيه اكتسحتها وتركتها عاجزة عن قول أي شيء عندما قال بقسوة :- كما أنني أتوقع منك تلبية كل رغباتي يا نانسي ..أتفهمين ؟
تركزت نظراته على شفتيها مما جعلها ترتعش وتبتعد عن أصابعه القاسية .. اعتدل في جلسته قائلا بجفاف :-
سآخذ أوراقك الشخصية كي يتم الزواج في بداية الأسبوع القادم .. غدا صباحا سوف تجرى العملية للسيدة مريم .. وأريد أن تختفي جميع مخاوفها فور صحوتها من التخدير ومعرفتها بزواجنا
استأذن منها وغادر بعد أن ألقى ثمن القهوة على الطاولة أمامها .. شعرت بالغضب الشديد من غطرسته وتعاليه عليها .. ثم أكدت لنفسها بأن محمود فاضل لا يهمها .. ما يهمها هو شفاء والدتها .. وتوفير الأمان للينا
وهي مستعدة لدفع أي ثمن لتحقيق هذا .. إلا أنها لم تستطع منع رجفة الخوف التي اجتاحتها وهي تتخيل الثمن الذي ستضطر لدفعه