كانت فقط فتاة تحاول أن تفعل الصواب،
دون أن تعلم أن الصواب أحيانًا…
يأخذنا إلى أكثر الطرق إيلامًا.
ومع أن مريم كانت تحاول إقناع نفسها أن الحياة تسير كما ينبغي، إلا أن الأيام كانت تُخبرها عكس ذلك… ولكن بهدوء. لم تكن تحب الضجيج، ولا القرارات السريعة، ولا القصص التي تبدأ بشغف وتنتهي بندم. كانت تؤمن أن الاستقرار نعمة، وأن القلب يمكن تهذيبه إن لزم الأمر. لذلك، حين جاء اسم يوسف على لسان والدها لأول مرة، لم تشعر بالخوف، ولا بالرفض، ولا بالحماس أيضًا. سمعته في البداية كأي خبر عادي؛ شاب محترم، من عائلة معروفة، عمله ثابت، سمعته طيبة، كل الكلمات التي تُقال حين يُراد للزواج أن يكون “مناسبًا”. نظرت إلى أمها يومها، فوجدت في عينيها راحة خفية، كأنها تقول لها دون كلمات: «ده أمان يا مريم… والأمان مش قليل». لم تُجب وقتها، طلبت مهلة، لا لتفكر في يوسف، بل لتفكر في نفسها. جلست تلك الليلة وحدها، تحاول أن تُفتّش قلبها، لم تجد حبًا، لكنها لم تجد نفورًا أيضًا، وهذا بالضبط ما أخافها. كانت تعلم، في أعماقها، أن أخطر العلاقات ليست تلك التي نرفضها، بل تلك التي نقبلها لأننا لا نملك سببًا قويًا لرفضها. أما يوسف، فكان على الجانب الآخر يُهيّئ نفسه لما هو أكثر من قبول، لم يكن متعجلًا ولا مندفعًا، لكن داخله كان يعرف أن مريم ليست مجرد اختيار عابر. أحب هدوءها، طريقتها في الكلام، انكسارها الخفي الذي لا تطلب له شفقة، ورأى في صمتها عمقًا لا فراغًا. كان يؤمن أن الحب يمكن أن يأتي بعد الزواج، وأن العِشرة قادرة على إنبات مشاعر لم تولد بعد. وفي مكان آخر، بعيد عن كل هذا الهدوء، كان آدم يخوض معركة من نوع آخر؛ حياته لم تكن ناقصة، لكنها كانت قاسية، نجاح متواصل، توقعات أعلى من اللازم، وأب لا يرى في ابنه سوى مشروع يجب أن ينجح بلا أخطاء. لم يكن آدم يعرف مريم، ولا كانت تعرفه، لكن كليهما كان يقف في لحظة فاصلة، كأن القدر يهيّئ المسرح قبل رفع الستار. ومريم… كانت تقف في المنتصف، بين ما تريده لنفسها وما يريده الجميع لها، بين صوت عقل يقول: «دي خطوة صح»، وصوت قلب صامت لا يعترض… لكنه لا يفرح. وفي إحدى الليالي، بعد حديث طويل مع أمها، وبين دعاء متردد وسكون ثقيل، قالت مريم جملتها بهدوء: «اللي فيه خير… ربنا يقدّمه». لم تكن تعلم أن تلك الجملة، ببساطتها واستسلامها، ستفتح بابًا لحياة كاملة، وتُغلق أبوابًا أخرى لم تُفتح بعد. في تلك اللحظة، لم تكن مريم تُخطئ، ولم تكن تُصيب، كانت فقط تختار… والاختيارات هي أول شكل للوجع المؤجل. وهنا انتهى الفصل الأول، دون دموع، دون صراخ، لكن ببذرة حكاية ستنمو، وتؤلم، وتغيّر كل شيء.