فتحت عينيها ببطء، ولم تتحرك، كأنها تخشى أن ينهار شيء إذا غيّرت وضعها. كان الهاتف ما زال على صدرها، دافئًا، كأنه يحمل نبضًا ليس نبضها وحده. نهضت أخيرًا، سارت نحو الشرفة، الباب ما زال مواربًا كما تركه يوسف، وكأن البيت نفسه في حالة انتظار. وقفت تنظر إلى الشارع الخالي، الليل ينسحب ببطء، والفجر يقترب دون استئذان، وفهمت فجأة أن بعض اللحظات لا تطلب منا قرارًا فوريًا، لكنها تسرق منا حق التأجيل. لم تكن تفكر في آدم كرجل، ولا في يوسف كزوج، كانت تفكر في نفسها للمرة الأولى دون تبرير، دون دفاع، دون محاولة أن تكون “الصح”. أدركت أن الصمت الذي احتمت به طويلًا لم يكن حيادًا، بل اختيارًا خفيًا، وأن كل يوم مرّ وهي تؤجل المواجهة كان خطوة أبعد عن الحقيقة. عادت بنظرها إلى الباب المفتوح، إلى المسافة التي صنعها يوسف دون صراخ، وفهمت أن الخسارة لا تأتي دائمًا مع الضجيج، أحيانًا تأتي بهدوء مؤلم يشبه الاحترام. أمسكت الهاتف مرة أخرى، فتحت الرسالة، قرأتها للمرة الثالثة، ثم أغلقت الشاشة دون رد، لا لأنها لا تريد، بل لأنها أخيرًا فهمت أن أي كلمة الآن ستكون وعدًا، أو كسرًا، ولا تحتمل أيًّا منهما. جلست على الكرسي، وضعت رأسها بين كفيها، وهمست لنفسها: المرة دي… مفيش هروب. في تلك اللحظة، وعلى بعد كيلومترات قليلة، كان آدم يقف أمام حقيبته المغلقة، ينظر إلى انعكاسه في المرآة، يدرك أن الرحيل لن يُنقذه بقدر ما سيكشف ما تركه خلفه، وأن بعض النساء لا يُغادرنك حتى وأنت تبتعد. ومع أول أذان فجر، كانت مريم ما زالت مستيقظة، لا تنتظر رسالة، ولا تتخذ قرارًا، لكنها تعرف يقينًا أن الصباح القادم لن يكون عاديًا، وأن اليوم الذي يبدأ بعد هذه الليلة… سيجبرها على الاختيار، اختيار لا رجعة فيه، إما أن تعود خطوة كاملة، أو تمضي خطوة لا يمكن التراجع عنها.