ومع اقتراب منتصف الليل، كانت مريم قد حسمت أمرًا واحدًا فقط: لا يمكنها الاستمرار بهذا الشكل. لم تعد قادرة على الاحتماء بالصمت، ولا على إقناع نفسها أن الأيام ستُصلح ما أفسدته الأسئلة، كانت تشعر أن داخلها شيئًا يتحرك، يتمرّد، يطالب بأن يُسمَع، حتى لو لم يُطِع. دخلت غرفة النوم، يوسف كان مستلقيًا يقرأ في هاتفه، رفع عينيه إليها وابتسم ابتسامة صغيرة، تلك الابتسامة التي كانت يومًا كافية لتهدئة كل شيء، اقتربت، جلست على طرف السرير، صمتت، ثم قالت بصوت هادئ أكثر مما شعرت: يوسف… ممكن نتكلم؟ توقّف عن القراءة فورًا، استقام في جلسته، وقال دون تردد: طبعًا… في إيه؟ ترددت، الكلمات التي ظلّت محبوسة لأيام شعرت فجأة بثقلها الحقيقي، لم تكن تخاف من الكلام… بل من ما سيأتي بعده، فقالت: أنا… حاسة إني مش صادقة زي الأول. لم يفهم في البداية، لكنها رأت القلق يتسلل إلى عينيه، فسأل: مش صادقة في إيه؟ ابتلعت ريقها وقالت ببطء: مع نفسي… ومعاك. ساد الصمت، صمت ثقيل لا يحتمل المزاح ولا التأجيل، يوسف لم يرفع صوته ولم يغضب، فقط سأل بصوت خافت: يعني إيه؟ نظرت إليه، إلى الرجل الذي لم يؤذِها يومًا، وقالت الحقيقة الوحيدة التي استطاعت نطقها: حاسة إن في حاجة ناقصة… ومش عارفة أكمّل وأنا متجاهلاها. طالت اللحظة، كان ينظر إليها وكأنه يحاول أن يرى ما لم تقله لا ما قالته فقط، ثم قال بهدوء موجع: الناقص ده… اسمه إيه؟ لم تجب، لكن صمتها كان إجابة كاملة، تنفّس بعمق، أدار وجهه قليلًا وقال: أنا عمري ما خوّفتك… صح؟ اهتز صوتها وهي تجيب: لا. ولا عمري قيّدتك؟ أبدًا. أومأ كأنه يثبّت الحقيقة لنفسه ثم قال: يبقى المشكلة مش فيا… المشكلة إنك مش هنا. كلماته أصابتها في العمق، لم تبكِ، لكنها شعرت أن شيئًا انكسر، ليس بينهما فقط بل داخلها، وقف يوسف أخيرًا وقال بنبرة حاسمة هادئة: خلّي بالك… اللي مش بنواجهه وهو صغير، بيكبر لحد ما ياخد كل حاجة، ثم خرج من الغرفة تاركًا الباب مواربًا كأن القرار لم يُغلق بعد. جلست مريم وحدها تشعر أن الهواء صار أثقل، أمسكت هاتفها دون وعي، نظرت إلى الشاشة المظلمة، ترددت ثم ترددت ثم أغلقت الهاتف، لكن قبل أن تضعه جانبًا أضاءت الشاشة، رسالة واحدة، رقم تعرفه جيدًا، آدم: «أنا مسافر بكرة بدري… حبيت تكوني عارفة.» تجمّدت، لم تكن الرسالة اعترافًا ولا طلبًا ولا حتى وداعًا واضحًا، لكنها كانت كافية لتفتح كل الأبواب التي حاولت إغلاقها، رفعت رأسها، نظرت إلى الباب المفتوح ثم إلى الهاتف، وهمست لنفسها بصوت مرتجف: هو دايمًا لازم الاختيار ييجي متأخر؟ وضعت الهاتف على صدرها، أغمضت عينيها، وفي تلك اللحظة فقط فهمت الحقيقة التي كانت تهرب منها منذ البداية.