مرّ الليل ثقيلًا، ليس بطوله، بل بما تركه معلقًا داخلها. لم تبكِ، ولم تهدأ، كانت فقط حاضرة أكثر من اللازم، كأن الوعي نفسه صار عبئًا. مع أول خيط ضوء، شعرت أن المدينة تستيقظ بينما هي لم تنم بعد، وأن كل شيء يتحرك في اتجاه ما، إلا قلبها العالق بين سؤالين لا إجابة لهما. قامت من مكانها ببطء، أعدّت قهوتها، جلست أمام النافذة، تراقب الشارع وهو يستعيد صوته المعتاد، نفس المشهد، لكن بنظرة مختلفة، نظرة شخص يعرف أن شيئًا ما انتهى دون أن يُغلق بابه رسميًا. حاولت أن تقنع نفسها أن ما حدث طبيعي، أن آدم اختار الحل الأسلم، وأن يوسف لم يفعل شيئًا يستحق هذا الارتباك، لكن المشاعر لا تعترف بالمنطق، ولا تمشي في صفوف منتظمة. في العمل، مرّ اليوم هادئًا أكثر من اللازم، لا اجتماعات تجمعها به، لا صوته يقطع تركيزها، لا نظرة عابرة تربكها، كان الغياب منظمًا، محترفًا، موجعًا بطريقته الخاصة، كأن المكان نفسه يتجنّب ذكره احترامًا لقرار لم يُعلن. لاحظت أنها كلما مرّت بسؤال، لم تعد تبحث عن إجابة بقدر ما تبحث عن صدق، صدق مع نفسها قبل أي أحد، وبدأت تفهم أن الخيانة ليست دائمًا فعلًا، أحيانًا تكون صمتًا طويلًا، أو رغبة مكبوتة، أو تمنيًا عابرًا لم يُقاوَم بما يكفي. في المساء، جلس يوسف إلى جوارها كعادته، حاول أن يفتح حديثًا، أن يستعيد قربًا قديمًا، لكنها كانت حاضرة بنصفها فقط، النصف الآخر كان يحاول ألا يقارن، ألا يظلم، ألا يختار قبل أن يفهم. شعرت بثقل المسؤولية، مسؤولية أن تكون عادلة مع رجل لم يقصّر، ومع نفسها التي لم تعد كما كانت. قبل النوم، عادت للشرفة، نفس المكان الذي صار شاهدًا على كل الأسئلة، نظرت للسماء وقالت بصوت بالكاد يُسمع إن الاختيارات المؤجلة لا تموت، بل تنضج، وإن الهروب لا يلغي الحقيقة، يؤجل مواجهتها فقط. في تلك اللحظة، لم تفكر في آدم كشخص، بل كمرآة، مرآة أظهرت لها فراغًا لم تكن تراه، واحتياجًا لم تعترف به. وفي مكان آخر، كان آدم يحزم أشياءه بهدوء، لا ندم ولا بطولة، فقط قناعة ثقيلة بأن بعض القصص لا يُكتب لها الاكتمال، لكنها تُكتب لتوقظنا، ليعرف كل طرف ما الذي ينقصه، وما الذي يستحق أن يُقاتل من أجله. ومع كل نفس جديد، كانت مريم تقترب خطوة من نفسها، لا من قرار نهائي، بل من صدق لا يحتمل التأجيل، صدق سيجبرها قريبًا على الاختيار، إما أن تبقى كما هي وتخسر ببطء، أو تواجه الحقيقة كاملة، مهما كان ثمنها.