مكالمات قصيرة، وجوه باردة، وعيون لم تعد تثق. كان يعرف أن النهاية تقترب، لكنه لم يكن من الرجال الذين يسقطون وحدهم.
قال لنفسه في إحدى الليالي: — لو هقع… مش هقع لوحدي.
وفي تلك اللحظة، كان اسم مريم يمرّ في رأسه كحلّ أخير.
في بيت مريم، كانت الليلة هادئة على غير العادة.
الأطفال نائمون، والبيت صامت، لكن الصمت لم يعد مخيفًا… صار مترقّبًا.
قالت مريم فجأة: — يوسف… لو حصل حاجة، لو أنا اختفيت، لو اتاخدت غصب…
قاطعها بحزم: — متقوليش كده.
— لازم أقول. لو حصل، خُد العيال وامشي. متستناش حد.
نظر إليها بعينين حادتين: — أنا مش راجع حياتك عشان أسيبك تاني.
ساد صمت طويل.
ثم قالت بهدوء موجع: — أنا تعبت من الخوف… بس مش ندمانة على ولا تضحية عملتها.
ابتسم يوسف ابتسامة حزينة: — وأنا ندمان على حاجة واحدة بس… إني صدّقت إن البُعد حماية.
في تلك الليلة، لم يعرف أيٌّ منهما النوم.
كانا يعلمان أن الخيط وصل إلى أقصى شدّه، وأن أي حركة قادمة قد تقطعه… أو تخنق أحدهم.
وفي مكان ما، كان القدر يراقب، لا يتدخّل، لكنه يبتسم ابتسامة العارف.
حين يشتد الخيط إلى هذا الحد، لا يبقى للإنسان خيار بين النجاة والسقوط… بل بين أن يسقط وحده، أو يقاتل وهو واقف.