رفعت رأسها فجأة: — وأنا مش هسيبهم يوصلوا لولادي.
نظر إليها نظرة طويلة، فيها فخر قديم وألم جديد. — عشان كده أنا هنا.
في الأيام التالية، تغيّر كل شيء دون أن يظهر شيء على السطح.
مريم لم تعد تخرج وحدها كما كانت، لم تعد تترك الأطفال مع أيٍّ كان. أصبحت حذرة، منتبهة، كأن عينيها لا تنامان. كل صوت في الشارع له معنى، وكل وجه غريب يحمل احتمال خطر.
يوسف لم يعد الرجل البعيد. صار ظلًّا ذكيًا.
يتحرّك دون ضجيج، يتواصل مع أشخاص لا يعرفون مريم، يسأل، يجمع خيوطًا متناثرة. كل ما عرفه زاد يقينه أن آدم لم يكن مجرد زوج قاسٍ… بل رجل غارق حتى أذنيه في عالم لا يعرف الرحمة.
وفي إحدى الليالي، جاء يوسف إلى مريم بخبر غيّر ملامح وجهها: — آدم تحت المراقبة… وفيه صفقة وقعت، واللي فوقيه بيحمّلوه مسؤولية فشلها.
همست: — يعني إيه؟
— يعني لو حسّوا إنه هيقع… هيرموا الحمل كله عليه. وساعتها أقرب حاجة ليه هتكون وسيلة ضغط.
نظرت إلى غرفة الأطفال، ودمعة ساخنة خانتها أخيرًا. — أنا عملت كل ده عشان أحميهم… كل السنين دي.
اقترب يوسف خطوة، لكنّه توقف قبل أن يلمسها. — وأنا هعمل اللي قدرت عليه عشان تكمّلي تضحية عمرك من غير ما تدفعي تمنها لوحدك.
في الجهة الأخرى، كان آدم يشعر أن الأرض تضيق تحته.