رواية عشق ودموع الفصل الثاني عشر 12 بقلم سوسو أحمد (الرواية كاملة)

 روايه عشق ودموع 

(مابين عشق قلبين من سينتصر)

رواية عشق ودموع الفصل الثاني عشر 12 بقلم سوسو أحمد 

رواية عشق ودموع الفصل الثاني عشر 12

#بقلم الكاتبه سهر احمد 

 الفصل الثاني عشر: حين يختار الدم ضحيته

لم يأتِ القرار فجأة،

لكنّه كان يعلم جيدًا أن هذا القرار لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتيجة طريق طويل من الدم والاختيارات القاسية. مايكل أروسيوس كان يعرف أن الدائرة لا تذكر الأسماء عبثًا، وأن ذكر اسم مريم لم يعد احتمالًا يُخيف، بل تحذيرًا أخيرًا يسبق الكسر.

في الصباح التالي، استيقظ على هدوء غير طبيعي.

لا استدعاءات، لا ملفات، لا أوامر مشفّرةلا اتصل في الفجر. الصمت في هذا العالم لا يعني أمانًا، بل يعني أن القرار اتُّخذ بالفعل، وأن التنفيذ ينتظر التوقيت فقط.

وقف أمام النافذة ينظر إلى الشارع المبلل ببقايا مطر الليل، وتذكّر كلمات الرجل الكبير:

أكتر حاجة خطر فيك إنك لسه فاكر إنك بتختار.

ابتسم بسخرية باردة.

هو لم يعد يختار منذ وقت طويل، لكنه هذه المرة كان مستعدًا يدفع الثمن.

رنّ الهاتف بعد الظهر، نغمة واحدة فقط.

عرف الرقم قبل أن ينظر إليه.

— جاهز؟

قال الصوت بلا مقدمات.

— دايمًا.

ردّ مايكل، وهو يعرف أن الجاهزية هنا لا تعني الاستعداد، بل القبول.

المكان كان مخزنًا مهجورًا خارج المدينة، لا حراسة ظاهرة، ولا لافتات، فقط رجال يعرفون لماذا يقفون هناك. في الداخل، كان الرجل الكبير جالسًا في الظل، وجهه ملثم كالعادة، صوته ثابت، خالٍ من أي انفعال.

قال بهدوء قاتل:

— مايكل… علشان تكمّل معانا، في قرار لازم يتنفّذ.

لم يردّ.

تابع الرجل:

— أنت ما ينفعش تكون متجوز. شغلنا خطر، وحياتك على حافة النهاية طول الوقت. وجود زوجة وأولاد نقطة ضعف… وقلوب هتنكسر علشانك.

رفع مايكل رأسه بعنف:

— اطلب مني أي حاجة… إلا إني أطلق مراتي. مريم خط أحمر.

ساد صمت ثقيل، ثم جاء الرد:

— أنا مش بطلب. أنا بأمر.

اقترب خطوة وأضاف:

— التنفيذ بكرة… أو ننهيك.

اشتعلت عينا مايكل:

— اعملوا اللي تعملوه. أنا عمري ما هطلّق مريم.

خرج وهو يشعر أن الهواء نفسه أصبح أثقل. في طريقه قال لنفسه بحدّة:

مين اداهم الحق يدخلوا في حياتي؟

لكن الحقيقة التي حاول إنكارها كانت أوضح من أي غضب:

الدائرة لا تناقش… الدائرة تكسر.

بعد أيام، جاء موعد تسليم الشحنة المتجهة إلى مصر. في نفس التوقيت، كانت مريم في البيت تُعد الفطور لأبنائها، تضحك معهم، وتحاول أن تصنع صباحًا عاديًا في حياة لم تعد تعرف العادية.

وقف مايكل أمام الطاولة وقال بوضوح:

— العملية دي آخر عملية ليا. بعد كده أنا خارج.

تبادل الزعماء النظرات، ثم قال الرجل الكبير ببرود:

— إنت من أهم رجالتنا في مصر. بدونك، خط الدخول يتقفل. خروجك من بينا… انساه.

— دي رغبتي.

قالها مايكل بثبات.

ضحك الرجل ضحكة قصيرة بلا روح:

— دخلت برغبتك، ومحدش أجبرك. وإنت عارف قوانين المافيا كويس. اللي يخرج… خائن. والخاين مصيره واحد.

اقترب أكثر وهمس:

— لو حتى فكرت في الخروج بينك وبين نفسك… نهايتك محسومة.

كانت تلك آخر رسالة.

آخر إنذار.

خرج مايكل وهو يعلم أن الدم اختار ضحيته بالفعل…

والسؤال لم يعد مين،

بل إمتى.

لم يكد يبتعد عن المكان حتى انفجر الصمت داخله.

كان يقود بلا وجهة، يضغط على المقود كأنّه يحاول كسره، أنفاسه متلاحقة، وصدره يعلو ويهبط بعنف. لأول مرة منذ سنوات، شعر أن السيطرة تفلت من بين أصابعه.

أوقف السيارة فجأة على جانب الطريق.

ضرب المقود بقبضته مرة… ثم ثانية… ثم صرخ صرخة مكتومة خرجت من صدر رجل تعلّم طويلًا كيف يبتلع ألمه.

— مش هكسّرك يا مايكل…

قالها لنفسه،

— مش علشانهم.

رنّ الهاتف.

لم يحتج أن ينظر.

هو يعرف هذا الرنين.

ردّ بعصبية لم يُخفِها.

— إيه تاني؟

جاء صوت الكِنج، هذه المرة بلا هدوء مصطنع:

— القرار واضح. وأنا صبري له حدود.

ضحك مايكل ضحكة قصيرة، حادّة، بلا أي دفء:

— صبرك؟

ثم قال بحدّة انفجرت دفعة واحدة:

— اسمعني كويس… إنت لك شغلنا وبس. أمّا حياتي الشخصية، مالكش حق تدخل فيها أبدًا.

ساد صمت ثقيل للحظة، ثم جاء صوت الكِنج ببرود سامّ:

— إنت لسه مش فاهم.

ثم أضاف بنبرة أبطأ، أخطر:

— إنت حتى النفس اللي بيطلع منك… شهيق أو زفير… إحنا لينا الحق نتحكّم فيه.

ارتجف شيء عميق داخل مايكل، لكنه لم يتراجع.

صوته خرج ثابتًا على غير عادته:

— وأنا بقولك: أنا مش هعمل كده.

ثم أكمل بلا تردّد:

— لو ده مش عاجبك… اعتبرني خرجت من المافيا. اعملوا اللي تعملوه.

أمّا مريم؟

فهتفضل مراتي… وليّا… لحد آخر نفس في عمري.

انفجر صوت الكِنج غاضبًا، لأول مرة بلا قناع:

— إنت مجنون؟!

هل تعلم تمام العلم إنك لو خرجت دون رضانا… هتتصفّى؟

هتنتهي كأنك ما كنتش!

أغمض مايكل عينيه للحظة.

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية عشق الثأر الفصل الثامن 8 بقلم مينة طلال - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

مرّت أمامه صورة مريم، ضحكتها، يدها وهي ترتّب شعر الأطفال، صوتها حين تنادي اسمه كأنّه ملجأ.

فتح عينيه وقال بهدوء قاتل:

— أعلم.

ثم أضاف، كمن يحسم قدره:

— وده أهون عليّا ألف مرة… من إني أطلّق زوجتي ومعشوقتي.

لم ينتظر ردًا.

أنهى المكالمة…

وأغلق الهاتف في وجه الكِنج عمدًا.

ظلّ ممسكًا بالهاتف لحظة، ينتظر أن يشعر بالخوف…

لكن جفنه لم يرف.

وقلبه، رغم الألم، كان ثابتًا على قراره.

جلس في السيارة طويلًا، رأسه مسنود إلى المقعد، أنفاسه بدأت تهدأ ببطء.

كان يعلم أن ما فعله إعلان حرب.

أن الدائرة لن تسامح.

وأن اسمه الآن لم يعد مجرد أداة… بل هدف.

في تلك الليلة، عاد إلى البيت متأخرًا.

وقف عند باب الغرفة، ينظر إلى مريم وهي نائمة، ملامحها هادئة كأن العالم لم يقترب منها بعد.

اقترب منها ببطء، جلس على طرف السرير، ومدّ يده ولمس شعرها بخفّة، كأنّه يودّع جزءًا من روحه.

همس بصوت مكسور لا يسمعه أحد:

— سامحيني… لو الطريق اللي اخترته هيأذيك.

بس أنا عمري ما هكون سبب في كسرك.

وفي مكان آخر، بعيد، كان الكِنج يقف في الظل، قبضته مشدودة، صوته يخرج باردًا وهو يقول لرجاله:

— مايكل اختار.

ومن يختار ضدنا…

الدم بيختاره.

وهكذا، لم يعد السؤال هل سينجو…

بل من سيدفع الثمن أولًا.

في الصباح التالي، كانت الشمس تدخل بيت مريم بتردّد، كأنها تشعر أن هذا المكان لم يعد آمنًا كما كان. مريم وقفت في المطبخ، تُعد الإفطار، تتحرك بين الأواني بآلية، بينما عقلها كان في مكان آخر. غزل تجلس على الكرسي، تحاول أن تسرّح شعر دميتها، وعيناها تراقبان أمها بصمت أكبر من سنها. أما أخوها فكان يلهو على الأرض، يضحك، غير مدرك أن الضحكة أحيانًا تكون آخر ما ينجو قبل العاصفة.

دخلت أم مريم المطبخ، نظرت إلى ابنتها طويلًا، ثم قالت بصوت خافت:

إنتِ مش كويسة يا مريم.

ابتسمت مريم ابتسامة ناقصة وقالت:

تعب بسيط يا ماما… هيعدّي.

لكن الأم كانت تعرف، الأمهات لا يحتجن دليلًا. اقتربت منها وربتت على يدها:

الراحة مش دايمًا في إننا نقول “هيعدّي”، أحيانًا في إننا نعترف إن في حاجة بتوجع.

خفضت مريم عينيها، لم ترد، لأنها لو تكلمت… ستنهار.

في غرفة أخرى، كان يوسف يجلس وحده. الأولاد الذين أنجبهم من مريم يضحكون حوله، لكن الضحك لم يصل إليه. كان ينظر إليهم وهو يشعر بثقل غريب، خليط من الذنب والخوف. هو يعرف أن مريم لم تعد كما كانت، ويعرف أن اسم آدم لم يخرج من حياتها يومًا، حتى وهو يحاول أن يكون أبًا حاضرًا. همس لنفسه:

اللي بينا خلص… بس ليه الإحساس لسه مكمّل؟

رفع رأسه حين سمع صوت ابنه يناديه، ابتسم مجددًا، ابتسامة رجل يحاول أن يكون قويًا، رغم أنه يشعر أن شيئًا ما يتداعى في الخفاء.

عادت مريم إلى غرفتها، جلست على السرير، وأخرجت هاتفها. توقفت عند اسم آدم… مايكل… لا تعرف أي اسم تنطق به داخل قلبها. كتبت رسالة قصيرة، ثم مسحتها. كتبت أخرى، ثم أغلقت الهاتف. قالت بصوت خافت:

ليه حاسة إنك بعيد وقريب في نفس الوقت؟

وضعت يدها على صدرها، كأنها تحاول تهدئة قلب يعرف أكثر مما ينبغي.

في روسيا، كان مايكل يجلس في الظلام. لا هاتف، لا سلاح في متناول اليد، فقط أفكار تنهش رأسه. لأول مرة، شعر أن قوته لم تعد كافية. كل ما بناه، كل الدم الذي عبره، لم يمنحه الحق الوحيد الذي يريده: أن يعيش بسلام مع من يحب. تذكّر ضحكة مريم، صوتها حين كانت تقول له “ارجع بدري”، وتذكّر كيف تحوّل هذا الطلب البسيط إلى حلم مستحيل.

في المساء، تجمّعت العائلة في بيت أهل مريم. أصوات، طعام، دعاء، محاولات لصناعة طمأنينة جماعية. أحد إخوتها قال مازحًا:

البيت نور بضحك العيال.

ابتسم الجميع، إلا مريم. لأنها كانت تشعر أن النور هشّ، وأن أول ريح قد تطفئه.

في مكان آخر، كان يوسف يقف عند الشباك، ينظر إلى الشارع، ويشعر أن هناك شيئًا يقترب، شيئًا لا يستطيع تسميته. قال بصوت منخفض:

ربنا يستر…

دون أن يعرف ممَّ يستر بالضبط.

عاد مايكل ليلًا إلى نفس النقطة التي بدأ منها. نظر إلى السماء، وقال بمرارة:

أنا اخترت، أهو…

بس ليه الاختيار دايمًا معناه خسارة؟

كان يعلم أن الكِنج لن يتراجع، وأن الدائرة بدأت تتحرك. وأن مريم، دون أن تعلم، أصبحت في قلب معركة لم تخترها.

وفي تلك اللحظة، كانت مريم تضم أبناءها قبل النوم، تقبّل جباههم واحدًا واحدًا، وتهمس بدعاء طويل. دمعة سقطت رغمًا عنها، وقالت في سرّها:

يا رب… خلّيه يرجع زي ما كان… أو خدني أنا قبل ما ينكسروا بسببه.

وهكذا، كان كل واحد فيهم يقف في مكان مختلف،

لكنهم جميعًا يشتركون في الحقيقة نفسها:

حين يختار الدم ضحيته…

لا يسأل إن كانت مستعدة،

ولا يهتم إن كان الحب ما زال حيًّا،

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية زمردة الزين الجزء الثاني الفصل الخامس 5 بقلم فاطمة سعيد - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

هو فقط يأخذ…

ويترك الباقي يتعلّم كيف يعيش بالفراغ.

نهاية الفصل الخامس عشرختار الدم ضحيته

لم يأتِ القرار فجأة،

لكنّه كان يعلم جيدًا أن هذا القرار لم يكن وليد لحظة عابرة، بل نتيجة طريق طويل من الدم والاختيارات القاسية. مايكل أروسيوس كان يعرف أن الدائرة لا تذكر الأسماء عبثًا، وأن ذكر اسم مريم لم يعد احتمالًا يُخيف، بل تحذيرًا أخيرًا يسبق الكسر.

في الصباح التالي، استيقظ على هدوء غير طبيعي.

لا استدعاءات، لا ملفات، لا أوامر مشفّرةلا اتصل في الفجر. الصمت في هذا العالم لا يعني أمانًا، بل يعني أن القرار اتُّخذ بالفعل، وأن التنفيذ ينتظر التوقيت فقط.

وقف أمام النافذة ينظر إلى الشارع المبلل ببقايا مطر الليل، وتذكّر كلمات الرجل الكبير:

أكتر حاجة خطر فيك إنك لسه فاكر إنك بتختار.

ابتسم بسخرية باردة.

هو لم يعد يختار منذ وقت طويل، لكنه هذه المرة كان مستعدًا يدفع الثمن.

رنّ الهاتف بعد الظهر، نغمة واحدة فقط.

عرف الرقم قبل أن ينظر إليه.

— جاهز؟

قال الصوت بلا مقدمات.

— دايمًا.

ردّ مايكل، وهو يعرف أن الجاهزية هنا لا تعني الاستعداد، بل القبول.

المكان كان مخزنًا مهجورًا خارج المدينة، لا حراسة ظاهرة، ولا لافتات، فقط رجال يعرفون لماذا يقفون هناك. في الداخل، كان الرجل الكبير جالسًا في الظل، وجهه ملثم كالعادة، صوته ثابت، خالٍ من أي انفعال.

قال بهدوء قاتل:

— مايكل… علشان تكمّل معانا، في قرار لازم يتنفّذ.

لم يردّ.

تابع الرجل:

— أنت ما ينفعش تكون متجوز. شغلنا خطر، وحياتك على حافة النهاية طول الوقت. وجود زوجة وأولاد نقطة ضعف… وقلوب هتنكسر علشانك.

رفع مايكل رأسه بعنف:

— اطلب مني أي حاجة… إلا إني أطلق مراتي. مريم خط أحمر.

ساد صمت ثقيل، ثم جاء الرد:

— أنا مش بطلب. أنا بأمر.

اقترب خطوة وأضاف:

— التنفيذ بكرة… أو ننهيك.

اشتعلت عينا مايكل:

— اعملوا اللي تعملوه. أنا عمري ما هطلّق مريم.

خرج وهو يشعر أن الهواء نفسه أصبح أثقل. في طريقه قال لنفسه بحدّة:

مين اداهم الحق يدخلوا في حياتي؟

لكن الحقيقة التي حاول إنكارها كانت أوضح من أي غضب:

الدائرة لا تناقش… الدائرة تكسر.

بعد أيام، جاء موعد تسليم الشحنة المتجهة إلى مصر. في نفس التوقيت، كانت مريم في البيت تُعد الفطور لأبنائها، تضحك معهم، وتحاول أن تصنع صباحًا عاديًا في حياة لم تعد تعرف العادية.

وقف مايكل أمام الطاولة وقال بوضوح:

— العملية دي آخر عملية ليا. بعد كده أنا خارج.

تبادل الزعماء النظرات، ثم قال الرجل الكبير ببرود:

— إنت من أهم رجالتنا في مصر. بدونك، خط الدخول يتقفل. خروجك من بينا… انساه.

— دي رغبتي.

قالها مايكل بثبات.

ضحك الرجل ضحكة قصيرة بلا روح:

— دخلت برغبتك، ومحدش أجبرك. وإنت عارف قوانين المافيا كويس. اللي يخرج… خائن. والخاين مصيره واحد.

اقترب أكثر وهمس:

— لو حتى فكرت في الخروج بينك وبين نفسك… نهايتك محسومة.

كانت تلك آخر رسالة.

آخر إنذار.

خرج مايكل وهو يعلم أن الدم اختار ضحيته بالفعل…

والسؤال لم يعد مين،

بل إمتى.

لم يكد يبتعد عن المكان حتى انفجر الصمت داخله.

كان يقود بلا وجهة، يضغط على المقود كأنّه يحاول كسره، أنفاسه متلاحقة، وصدره يعلو ويهبط بعنف. لأول مرة منذ سنوات، شعر أن السيطرة تفلت من بين أصابعه.

أوقف السيارة فجأة على جانب الطريق.

ضرب المقود بقبضته مرة… ثم ثانية… ثم صرخ صرخة مكتومة خرجت من صدر رجل تعلّم طويلًا كيف يبتلع ألمه.

— مش هكسّرك يا مايكل…

قالها لنفسه،

— مش علشانهم.

رنّ الهاتف.

لم يحتج أن ينظر.

هو يعرف هذا الرنين.

ردّ بعصبية لم يُخفِها.

— إيه تاني؟

جاء صوت الكِنج، هذه المرة بلا هدوء مصطنع:

— القرار واضح. وأنا صبري له حدود.

ضحك مايكل ضحكة قصيرة، حادّة، بلا أي دفء:

— صبرك؟

ثم قال بحدّة انفجرت دفعة واحدة:

— اسمعني كويس… إنت لك شغلنا وبس. أمّا حياتي الشخصية، مالكش حق تدخل فيها أبدًا.

ساد صمت ثقيل للحظة، ثم جاء صوت الكِنج ببرود سامّ:

— إنت لسه مش فاهم.

ثم أضاف بنبرة أبطأ، أخطر:

— إنت حتى النفس اللي بيطلع منك… شهيق أو زفير… إحنا لينا الحق نتحكّم فيه.

ارتجف شيء عميق داخل مايكل، لكنه لم يتراجع.

صوته خرج ثابتًا على غير عادته:

— وأنا بقولك: أنا مش هعمل كده.

ثم أكمل بلا تردّد:

— لو ده مش عاجبك… اعتبرني خرجت من المافيا. اعملوا اللي تعملوه.

أمّا مريم؟

فهتفضل مراتي… وليّا… لحد آخر نفس في عمري.

انفجر صوت الكِنج غاضبًا، لأول مرة بلا قناع:

— إنت مجنون؟!

هل تعلم تمام العلم إنك لو خرجت دون رضانا… هتتصفّى؟

هتنتهي كأنك ما كنتش!

أغمض مايكل عينيه للحظة.

مرّت أمامه صورة مريم، ضحكتها، يدها وهي ترتّب شعر الأطفال، صوتها حين تنادي اسمه كأنّه ملجأ.

فتح عينيه وقال بهدوء قاتل:

نُرشح لك هذه الرواية المميزة:  رواية الميراث الفصل التاسع 9 بقلم ميادة يوسف الذغندي حصريه في مدونة قصر الروايات - للقراءة المباشرة والتحميل pdf

— أعلم.

ثم أضاف، كمن يحسم قدره:

— وده أهون عليّا ألف مرة… من إني أطلّق زوجتي ومعشوقتي.

لم ينتظر ردًا.

أنهى المكالمة…

وأغلق الهاتف في وجه الكِنج عمدًا.

ظلّ ممسكًا بالهاتف لحظة، ينتظر أن يشعر بالخوف…

لكن جفنه لم يرف.

وقلبه، رغم الألم، كان ثابتًا على قراره.

جلس في السيارة طويلًا، رأسه مسنود إلى المقعد، أنفاسه بدأت تهدأ ببطء.

كان يعلم أن ما فعله إعلان حرب.

أن الدائرة لن تسامح.

وأن اسمه الآن لم يعد مجرد أداة… بل هدف.

في تلك الليلة، عاد إلى البيت متأخرًا.

وقف عند باب الغرفة، ينظر إلى مريم وهي نائمة، ملامحها هادئة كأن العالم لم يقترب منها بعد.

اقترب منها ببطء، جلس على طرف السرير، ومدّ يده ولمس شعرها بخفّة، كأنّه يودّع جزءًا من روحه.

همس بصوت مكسور لا يسمعه أحد:

— سامحيني… لو الطريق اللي اخترته هيأذيك.

بس أنا عمري ما هكون سبب في كسرك.

وفي مكان آخر، بعيد، كان الكِنج يقف في الظل، قبضته مشدودة، صوته يخرج باردًا وهو يقول لرجاله:

— مايكل اختار.

ومن يختار ضدنا…

الدم بيختاره.

وهكذا، لم يعد السؤال هل سينجو…

بل من سيدفع الثمن أولًا.

في الصباح التالي، كانت الشمس تدخل بيت مريم بتردّد، كأنها تشعر أن هذا المكان لم يعد آمنًا كما كان. مريم وقفت في المطبخ، تُعد الإفطار، تتحرك بين الأواني بآلية، بينما عقلها كان في مكان آخر. غزل تجلس على الكرسي، تحاول أن تسرّح شعر دميتها، وعيناها تراقبان أمها بصمت أكبر من سنها. أما أخوها فكان يلهو على الأرض، يضحك، غير مدرك أن الضحكة أحيانًا تكون آخر ما ينجو قبل العاصفة.

دخلت أم مريم المطبخ، نظرت إلى ابنتها طويلًا، ثم قالت بصوت خافت:

إنتِ مش كويسة يا مريم.

ابتسمت مريم ابتسامة ناقصة وقالت:

تعب بسيط يا ماما… هيعدّي.

لكن الأم كانت تعرف، الأمهات لا يحتجن دليلًا. اقتربت منها وربتت على يدها:

الراحة مش دايمًا في إننا نقول “هيعدّي”، أحيانًا في إننا نعترف إن في حاجة بتوجع.

خفضت مريم عينيها، لم ترد، لأنها لو تكلمت… ستنهار.

في غرفة أخرى، كان يوسف يجلس وحده. الأولاد الذين أنجبهم من مريم يضحكون حوله، لكن الضحك لم يصل إليه. كان ينظر إليهم وهو يشعر بثقل غريب، خليط من الذنب والخوف. هو يعرف أن مريم لم تعد كما كانت، ويعرف أن اسم آدم لم يخرج من حياتها يومًا، حتى وهو يحاول أن يكون أبًا حاضرًا. همس لنفسه:

اللي بينا خلص… بس ليه الإحساس لسه مكمّل؟

رفع رأسه حين سمع صوت ابنه يناديه، ابتسم مجددًا، ابتسامة رجل يحاول أن يكون قويًا، رغم أنه يشعر أن شيئًا ما يتداعى في الخفاء.

عادت مريم إلى غرفتها، جلست على السرير، وأخرجت هاتفها. توقفت عند اسم آدم… مايكل… لا تعرف أي اسم تنطق به داخل قلبها. كتبت رسالة قصيرة، ثم مسحتها. كتبت أخرى، ثم أغلقت الهاتف. قالت بصوت خافت:

ليه حاسة إنك بعيد وقريب في نفس الوقت؟

وضعت يدها على صدرها، كأنها تحاول تهدئة قلب يعرف أكثر مما ينبغي.

في روسيا، كان مايكل يجلس في الظلام. لا هاتف، لا سلاح في متناول اليد، فقط أفكار تنهش رأسه. لأول مرة، شعر أن قوته لم تعد كافية. كل ما بناه، كل الدم الذي عبره، لم يمنحه الحق الوحيد الذي يريده: أن يعيش بسلام مع من يحب. تذكّر ضحكة مريم، صوتها حين كانت تقول له “ارجع بدري”، وتذكّر كيف تحوّل هذا الطلب البسيط إلى حلم مستحيل.

في المساء، تجمّعت العائلة في بيت أهل مريم. أصوات، طعام، دعاء، محاولات لصناعة طمأنينة جماعية. أحد إخوتها قال مازحًا:

البيت نور بضحك العيال.

ابتسم الجميع، إلا مريم. لأنها كانت تشعر أن النور هشّ، وأن أول ريح قد تطفئه.

في مكان آخر، كان يوسف يقف عند الشباك، ينظر إلى الشارع، ويشعر أن هناك شيئًا يقترب، شيئًا لا يستطيع تسميته. قال بصوت منخفض:

ربنا يستر…

دون أن يعرف ممَّ يستر بالضبط.

عاد مايكل ليلًا إلى نفس النقطة التي بدأ منها. نظر إلى السماء، وقال بمرارة:

أنا اخترت، أهو…

بس ليه الاختيار دايمًا معناه خسارة؟

كان يعلم أن الكِنج لن يتراجع، وأن الدائرة بدأت تتحرك. وأن مريم، دون أن تعلم، أصبحت في قلب معركة لم تخترها.

وفي تلك اللحظة، كانت مريم تضم أبناءها قبل النوم، تقبّل جباههم واحدًا واحدًا، وتهمس بدعاء طويل. دمعة سقطت رغمًا عنها، وقالت في سرّها:

يا رب… خلّيه يرجع زي ما كان… أو خدني أنا قبل ما ينكسروا بسببه.

وهكذا، كان كل واحد فيهم يقف في مكان مختلف،

لكنهم جميعًا يشتركون في الحقيقة نفسها:

حين يختار الدم ضحيته…

لا يسأل إن كانت مستعدة،

ولا يهتم إن كان الحب ما زال حيًّا،

هو فقط يأخذ…

ويترك الباقي يتعلّم كيف يعيش بالفراغ.

نهاية الفصل الخامس عشر

انتظروني في الفصل السادس عشر 

حين يتحول الرفض الي حكم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top