وهكذا… لم تعد العودة كما كانت في حسابات مريم. في طريق الرجوع، كان الصمت أثقل من ذي قبل، الحافلة تسير، والوجوه شاحبة من الإرهاق، لكنها كانت تشعر أن المسافة الحقيقية ليست بين مدينة وأخرى، بل بينها وبين نفسها. حاولت أن تتجنب النظر نحوه، أن تحتمي بالنافذة، بالهاتف، بأي شيء يقيها مواجهة إحساس تعرف أنه إن خرج عن السيطرة فلن تستطيع إعادته. آدم التزم الصمت هو الآخر، لكن صمته لم يكن هروبًا، كان قرارًا مؤجلًا، كمن يعرف أن المواجهة قادمة لا محالة، لكنه يختار اللحظة التي تُحدث أكبر أثر. وصلت إلى بيتها مع حلول المساء، استقبلها يوسف بابتسامته المعتادة، احتضنها بحب صادق، شعرت بالأمان يعود للحظة، لكنه أمان هش، كزجاج رقيق يخشى أول ارتطام. في تلك الليلة، جلسا يتحدثان عن أشياء عابرة، لكنها كانت تشعر أن هناك مسافة جديدة وُلدت بين كلماتهما، مسافة لا تُرى، لكنها تُحسّ. وقبل أن تنام، اهتز هاتفها مرة أخرى، رقم مجهول، رسالة واحدة قصيرة: «مش هضغط عليك… بس في كلام لازم يتقال.» أغلقت الهاتف بسرعة، وضعتْه بعيدًا، وكأنها تحاول إبعاد الفكرة نفسها، لكنها لم تستطع. أغمضت عينيها، فحضرت صورته بلا استئذان، وصورة يوسف معها في المشهد ذاته، قلبها عالق بين رجلين، وبين طريقين، أحدهما آمن لكنه بارد، والآخر مجهول لكنه حيّ. في اللحظة نفسها، كان آدم يقف في شرفته، ينظر إلى المدينة التي عاد إليها، ويدرك للمرة الأولى أن بعض المعارك لا تُخاض بالسلاح ولا بالعقل، بل بالقلب، وأنه دخل معركة خاسرة إن تقدّم… ومؤلمة إن تراجع. وفي فجر يوم جديد، كانت مريم تقف أمام المرآة، ترتدي ثوبها للعمل، تنظر إلى نفسها طويلًا، وتهمس: «لو استمريت… هخسر نفسي. ولو انسحبت… يمكن أعيش ناقصة.» رنّ هاتفها مرة ثالثة، هذه المرة اتصال. توقّف الزمن لثوانٍ، نظرت إلى الاسم غير المسجّل، يدها معلّقة في الهواء، تتردد بين الرفض والقبول. وفي اللحظة التي امتدت فيها أصابعها نحو الشاشة، كان يوسف يناديها من الخارج: «مريم… مستعجلين.» هنا فقط أدركت أن الاختيار لم يعد مؤجلًا، وأن الفصل القادم لن يكون عن مشاعر خفية ولا صمت طويل، بل عن قرار… وقرار كهذا لا يمرّ دون ثمن.